الربيع وشارع القصر الكبير

الربيع وشارع القصر الكبير
الإثنين 11 أبريل 2022 - 03:50

ها هو الربيع قد أتى. استيقظت في صباح جميل، بعد تعاقب عصف الرياح وغزارة الأمطار وزمهرير القر بمدينة مرتيل. لبستُ لباسا خفيفا يتناسب مع حرارة الفصل، وانتعلتُ “بلغة” صفراء، فاسية الصنع وسميكة الحاشية، تَقْوَى بي على خوض غمار التجوال في الشوارع والأزقة. فأنا منذ طفولتي أحبُّ انتعال “البلغة” مع سروال الجينز، وبخاصة خلال هذا الفصل، كما أحبُّ الاستماع إلى السيدة نعيمة سميح وهي تشدو “تْفْتَّحْ الورد” لشاعر القصر الكبير، الإعلامي المهدي زريوح، والتي جاء فيها: ” تْفْتَّحْ الورد وغنى الطير، محلا مساء الخير ومحلا صباح الخير، ما بين سْهُولْ ما عندها نظير، وجبال تْنْطَقْ بالعز الكبير، تْفْتَّحْ الود وغنى الطَيرْ…”. كم تروقني هذه القطعة الموسيقية. لذلك فأنا أعيد سماعها بدون ملل، بل إني أشعر بالراحة والسرور، وأدرك جيدا معنى أن تكون فنانا بحُسن جمال ورود الربيع التي تجعلنا نتساءل: من علَّمها انسجام الألوان؟ ولماذا تُسحرنا بجمالها الفتان؟

ذهبتُ إلى المحطة المتواجدة بالقرب من المدرسة العليا للأساتذة، وقفتُ أنتظر الحافلة المتجهة إلى مدينة تطوان. ركبتُ وكلي لهفة إلى ترصد المناظر الجميلة من نافذة الحافلة، فأشعة الشمس تخترق ظلمة المكان، والعين تُبصر جمالية العمران، وشساعة الطرق والممرات.

نزلتُ في موقف “باب العقلة”، قاصدا “شارع القصر الكبير”، وتحديدا “فوطوكوبي الشباب”. قبل وصولي إلى المكان المعلوم، وجدت لافتة الشارع متسخة بطلاء الجير الأبيض، ولم يعد يظهر اسم “القصر الكبير” ببنطه العريض كما عهدته. شعرتُ بغضبٍ شديدٍ، وكأني طفل صغير تائه لا يعرف للمنزل طريقا ولا للعودة سبيلا. لقد غاب عن هذا الطفل كل إحساس يقوده إلى الاطمئنان والأمن حتى ضاق به المكان وتوقف معه الزمان. قررتُ أن أقوم بتنظيف اللافتة، وقلتُ في نفسي: هل أستطيع القيام بذلك؟

اللافتة عالية، ولا أملك قماشا ولا أدوات لإزالة الجير فقد تحوّل إلى بقع شبيهة ببقع حبر اختبار الروشاخ الذي يُستخدم في دراسة الاضطرابات النفسية للشخصية. لكن ما ذا سيقال عني إن أقدمتُ على تنظيف اللافتة؟ لا محالة هذا الشخص غريب الأطوار أو مجنون! ثُم إني لا أملك سُلمًا أستخدمه للطلوع من أجل القيام بعملية التنظيف. طلبتُ سلما خشبيا من عند بائع مواد الصباغة بنفس الشارع، لكي أكتريه فقبل طلبي، واشتريتُ من عنده أدوات التنظيف وقماشات صغيرة. توكلتُ على الله وصعدتُ السلم. بيدي أدواتي وبوجهي كِمامتي، وفي نفسي ابتهاج وفرح للآتي. شرعتُ في عملية التنظيف، وأنا أرددُ رائعة عبد الهادي بلخياط: “آمحبوبي… آي هاي هاي.. يا محبوبي، آ محبوبي.. محبوبي عاد الربيع، وموسم المسارية اضوا، بالشمس والأزهار، آمحبوبي يا محبوبي…”.

كلما مر أحد الراجلين بجواري إلا ويرفع رأسه نحوي معتقداً أنّي أريد سرقة اللافتة -ربما بحثا مني عما أسد به رمق عيشي- ولمَ لا؟ هكذا يفكر عامة الناس! تجمع المارة من حولي، وكان البعض منهم يقتنص الخبر بهاتفه الذكي، ربما كان أحدهم نصف صحفي أو شبه قناص أو باباراتزي مواسم…، ومن يدري! فمعظم الناس في عصرنا هذا من هواة الصحافة والقنص بالبشر والتجسس، ناهيك عن السبق في الخبر من أجل النشر في مواقع التواصل الاجتماعي. وكان بعض النزقين من الأطفال، ينتهز فرصة تجمع الناس لكي يطلق لرفاقه أيديهم فيسارعوا في بيع المنادل الورقية والورود الحمراء بطريقة التسول. لقد كان هؤلاء على مبعد من سيدة قوية العضلات، طويلة القامة وغريبة المظهر، ترتدي خمارا شديد السواد، حيث تُشرف على عملية البيع بالتسول التي يقوم بها الذكور والإناث على حد سواء.
وقفتْ سيارة الشرطة. حملق الشرطي في وجهي مذعورا بغضبٍ وصياحٍ شديدين عندما رآني أنظف اللافتة. هكذا هم رجال الشرطة! كان الله في عونهم. قال لي:

– ماذا تفعل بهذه اللافتة يا هذا؟ ومن تكون؟

أجبته بكل ثقة:

– أنا ابن بار من أبناء القصر الكبير، لم أكن في حياتي عاقا أو مغضوبا عليه! وكيف لا أستطيع أن أقتلع بقع الجير عن اللافتة التي تحمل اسم مدينتي؟

خاطبني مرة ثانية، بصوت شديد اللهجة، وهو يرفع عقيرته بالصياح، ولغة التهديد تظهر على محياه، وقذائف البصاق تتطاير من فمه المتغضن الذي انقرضت منه الأسنان. قال لي:

– هل شربتَ الخمر في واضحة النهار؟ أم أنك تناولت أقراصا للهلوسة فانسطلتَ تحت تأثيرها وارتفعتَ في قمم الجبال وأنت تتسلق هذا السلم؟

أجبته مرة أخرى بكل ثقة:

– أنا مواطن شريف يا سيدي، ولستُ سكيرا أو مسطولا! أتركني أرجوك! أريد أن أنتهي من تنظيف اللافتة!

قال لي:

– انزل فأنت قيد الاعتقال.

قلتُ له:

– لن أنزل حتى تعود اللافتة كما كانت. لم يبق لي غير هذا الجزء يا سيدي.. ها أنا أنهيته.

صارت اللافتة كما كانت واسم شارع القصر الكبير مشعا وبراقا، فنزلتُ من السلم امتثالا لأمر الشرطي. وجدتُ جمهورا غفيرا من الناس متحلقين حولي، منهم الشيوخ، والشباب، والأطفال…، بحيث لم أنتبه لكثرة عددهم! لكوني كنتُ منسجما مع العمل الذي انتهيتُ منه. ناولتُ الشرطي بطاقة هويتي فوجدَ بها الرمز LB وعرف أن مسقط رأسي مدينة القصر الكبير.
قلتُ له ببرودة:

– ما جريمتي ياسيدي؟ ألم أقل لك أنا ابن القصر الكبير؟

ضحك الشرطي هو وزملاءه، مُستعيدا اطمئنانه بابتسامة مشرقة وعذبة، حتى برقتْ أسارير وجهه القمحي، وشاطرته بدوري نفس الابتسامة أيضا. كما بدأ الناس يضحكون في جو من الفرح والسرور.

ليس غريبا أن نجد من بينهم من لا يعرف الحدث، لكن المهم هو مشاركة عدوى الضحك حتى وإن كان بدون فهم للمعنى المراد به، فبالضحك والسخرية تُقاوم مشاكل الحياة..!! لذلك ما انفك الناس في زمن الوباء رغم فجاعة الموت المحيط بهم، يضحكون ويسخرون من الوباء نفسه على أمل تغيير واقعهم.

أعدتُ السلم الخشبي إلى صاحبه، وذهبت إلى حال سبيلي. أما اللافتة.. اللافتة التي تطلعتُ إلى ابتسامتها وفرحها بعودتها إلى طبيعتها، فقد تركتها في مكانها الدال عليها، بشارع القصر الكبير بتطوان على أمل أن لا يتكرر نفس الحدث وتتسخ مرة أخرى بطلاء الجير عند حلول فصل الربيع القادم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • Kaoutar
    الأربعاء 13 أبريل 2022 - 00:01

    جميل جدا ماقرأته
    هكذا تربية وأخلاق ابناء القصر الكبير
    دومت مفخرة لبلادك وقدوة للجيل الصاعد
    (بلادي يا بلادي فيك عاشو أجدادي
    بالحب والروح أطفالنا تنادي نفديك بدمي وفؤادي )

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح