الرجوع إلى الساعة القانونية

الرجوع إلى الساعة القانونية
الجمعة 20 فبراير 2026 - 00:35

أعلنت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أنه بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، سيتم الرجوع إلى الساعة القانونية للمملكة، وذلك طبقًا لقرار السيد رئيس الحكومة رقم 3.06.26 بتاريخ 9 شعبان 1447 (29 يناير 2026)، المتعلق بالرجوع إلى الساعة القانونية للمملكة. وأضافت الوزارة، أنه بعد نهاية شهر رمضان، سيتم إضافة ستين دقيقة إلى الساعة القانونية.

هل نقضي أحد عشر شهرًا خارج الساعة القانونية للمملكة؟ هكذا حاصرني طفل صغير بسؤال كبير… حاولت أن أبحث عن جواب أقنع به نفسي قبل أن أقنع به هذا الصغير… فرت مني الكلمات كما يفر غزال بري من أسد جائع… سنعيش شهر رمضان فقط في ظل التوقيت القانوني للمملكة، وبعد ذلك سنغادر القانون، أقصد الساعة القانونية، إلى ساعة أخرى، ليست بساعة غير قانونية، كما يظن غير العارفين بعلم المواقيت… لأن أولي البصائر، اختاروا لها اسمًا لطيفًا لا علاقة له بالقانون… سموها الساعة الإضافية…

لا يهمني الرجوع إلى ما قيل من تبريرات سنة 2018 حين تم الإعلان عن الخروج عن الساعة القانونية للمملكة… فقد أخبرونا أن هناك “دراسة” تم إنجازها، أكدت مزايا الساعة الإضافية، كما أن هناك مزايا اقتصادية كبرى سيتم جنيها بعد التخلي عن الساعة القانونية للمملكة… أيامها احتج من احتج أيامًا معدودات على قدر طاقته ومستطاعه… وعادت دورة الحياة إلى الدوران بشكلها المعتاد… فلا أحد يشك فيما قيل عن الدراسة المنجزة… ولا حتى على المزايا الاقتصادية الكبرى التي سيتم تحقيقها… فكلام العارفين يعلو لا يُعلى عليه…

كانت الساعة غير القانونية… أقصد الساعة الإضافية، سوط عذاب على صبية المغرب، خاصة صبية المغرب العميق… أولئك الذين يقطعون الشعاب والوديان في الغسق بحثًا عن فك الخط بتلك المدارس النائية… وهم في منتصف الطريق… في فجر مطير، يتناهى إلى سمعهم صوت مؤذن من مكان بعيد، يكسره نباح كلاب ضالة… الصلاة خير من النوم… يواصلون السير معتقدين أنهم سيساهمون في تحقيق “المزايا الاقتصادية”، ومؤمنين بمضامين “الدراسة” المنجزة حول الموضوع، التي تحدثت عنها حكومة ذلك الوقت…

بالحواضر وضواحيها، وبهوامش الأحياء الصناعية، نسوة يعبرن الحارات المنسية، بخطى مسرعة خوفًا من وحش آدمي يسابق الزمن ليسلبهن هاتفًا نقالاً من النوع الرديء… نسوة باحثات عن لقمة عيش نقية في معامل داخل أو خارج المهيكل… إلا أنهن يؤمن كذلك، بأنهن يساهمن في خلق “المزايا الاقتصادية”، وأن لهن دورًا كبيرًا في المؤشرات التي تضمنتها “الدراسة” التي أنجزت حول مزايا الساعة غير القانونية… أقصد الساعة الإضافية…

فالذي يعايش في فجر كل يوم تلك المعاناة، يتمنى ولو للحظة أن تُعوض عبارة الساعة القانونية للمملكة، بعبارة الساعة الرحيمة، أو الساعة الإنسانية، أو الساعة الكريمة، التي تشعر الإنسان بإنسانيته وبكرامته…

لكن بالرغم من سوداوية المشهد… فللساعة الإضافية مزايا أخرى أعظم وأجل من مزاياها الاقتصادية… مزايا أخروية… فقد أتاحت للعديد من المواطنين فرصة أداء صلاة الصبح في وقتها… بل جماعة في المساجد في الكثير من الأحيان… كيف لا وصوت المؤذن يتردد على مسامعهم مع كل فجر: “قد قامت الصلاة… الله أكبر… الله أكبر… لا إله إلا الله…” وهم يعبرون المسلك المحاذي لمسجد بالجوار… فبشرى للماشين في الظُّلَم…

لقد قيل سنة 2018 أن تلك الحكومة كانت أكثر جرأة باتخاذها القرار القاضي بإقرار الساعة غير القانونية للمملكة/الساعة الإضافية، لما لها من فوائد وخير عميم على العباد والبلاد… ولم يكن القرار ارتجالياً، بل مبنيًا على دراسة ومعطيات رقمية… بعد حوالي ثماني سنوات، نطرح جميعًا سؤالاً طفولياً مفعماً بالبراءة، لا يبتعد كثيرًا عن سؤال صديقي الطفل: هل أنجزت دراسة أثر، أو بحث تقييمي، أو بحوث أكاديمية، بعد مرور كل هذا الوقت، على الوضع الاقتصادي، والاجتماعي، والصحي والنفسي للمغاربة؟

لا أفهم في الأرقام والمؤشرات والإحصائيات، ولا حتى في المفاهيم الاقتصادية، من فرق بين الماكرو اقتصادي والميكرو اقتصادي، ونسبة النمو، والدخل الإجمالي الخام، وغير الخام، والموازنة العامة، والتضخم، وجلب العملة الصعبة، والاستثمارات، وغير ذلك من كلام الخبراء، وأهل الاختصاص، والسياسيين الذين يفقهون في كل شيء، جزاهم الله عنا كل خير…

فقط أتساءل: هل استطاعت الساعة غير القانونية/الإضافية، على مر ثماني سنوات، أن تخفض مستويات البطالة، بين حاملي، وغير حاملي الشواهد؟ هل استطاعت أن توفر مقعدًا دراسيًا بالمستوى الرفيع بالمجان لجميع أطفال الهوامش والمناطق القاصية؟ هل استطاعت أن تحافظ على القوة الشرائية لبسطاء الوطن، شبيهة بزمن ما قبل 2018؟ هل استطاعت أن توفر لكل مريض فرصة للعلاج بالمواصفات المطلوبة، بالمستشفيات العمومية؟ هل استطاعت أن تقنع الشباب المتخصص في شتى العلوم، بعدم الهجرة إلى دول الغرب؟ هل استطاعت أن تعطل بالإقناع قوارب الموت؟ هل استطاعت أن تزرع الأفراح في عيون من يعانون من قساوة الطبيعة في ربوع الوطن؟

ويستمر التداول النشاز لعبارة الساعة القانونية للمملكة، التي لا يتجاوز عمرها 30 يومًا في السنة فقط، رغم أنف فقهاء وجهابذة القانون، وخبراء المفاهيم والمصطلحات القانونية…

شكرًا لأصحاب القلوب الرحيمة… الذين لا يتوانون في إسعادنا مع حلول شهر رمضان الفضيل من كل سنة… متوخين الأجر والثواب… حيث يتكرمون علينا بإرجاع ساعتنا القانونية إلينا، في تحدٍ سافر “للدراسة المنجزة”، ذات المؤشرات، وفضائل ومزايا الساعة الإضافية على الاقتصاد الوطني… كم نحن سعداء بهذا اللقاء السنوي… كأننا نستقبل عزيزًا قادمًا في عطلة سنوية من ديار الغربة، لنقضي سويًا شهرًا في أجواء روحانية، بعيدًا عن جحيم الضغوط النفسية… وبعدها، تعود حلّتها لعادتها القديمة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 2

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 15

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 4

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 8

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة