الزمن السائل والأجيال الجديدة

الزمن السائل والأجيال الجديدة
الإثنين 3 غشت 2026 - 16:11

يراودني منذ سنوات إحساس غريب، أشبه بقلق داخلي عميق، يتسلل إلى أسئلتي حول الكيفية التي بدأ أطفالنا ينظرون بها إلى الحياة والمستقبل. إنه نوع مختلف من الارتياب لم أعرفه وأنا أقارن بين تحولات الأجيال السابقة، ولا وأنا أتأمل الفروق بين زمننا وزمن من جاء بعدنا؛ لأن المسافة بين الأمس واليوم لم تعد مجرد اختلاف في أنماط العيش، بل أصبحت قطيعة في معنى الحلم ذاته.

لقد كنا أبناء زمن الانكسارات والنكبات، أبناء سنوات الجمر والانتظار الطويل. تعلمنا أن السعادة لا تحتاج دائما إلى امتلاك الأشياء، بل كانت تتشكل من تفاصيل صغيرة، من لحظات عابرة نمنحها قيمتها لأنها نادرة.

كنا نؤجل الرغبات دون أن نشعر بأن التأجيل هزيمة، وننتظر الفرج بوصفه وعداً ممكناً، لا باعتباره وهماً مؤجلاً. كان للوقت إيقاعه البطيء، وكانت الأشياء تستمد معناها من علاقتنا بها، لا من سرعة استهلاكها.

أما اليوم فقد تغيرت خريطة التطلعات. يبدو أن أبناءنا يحملوننا ثمن التحولات العميقة التي فرضها منطق العصر الجديد؛ عصر السرعة والصورة والخوارزمية. إنهم لا يعيشون فقط داخل العالم الذي صنعناه لهم، بل داخل عالم آخر تعيد فيه المنصات الرقمية تعريف النجاح، وتصنع فيه النماذج الجديدة للنجومية والاعتراف الاجتماعي.

لقد أصبحت الخوارزميات لا تكتفي بتوجيه انتباههم، بل تساهم في تشكيل رغباتهم، وتحديد ما يستحق الحلم وما يجب أن يُنسى. أخشى أحيانا أن يكون جيلنا قد ورّث أبناءه عالما وفّر له من الأدوات أكثر مما منحه من المعاني.

إنهم يندفعون نحو كل احتمال للنجاح السريع، نحو أي نافذة قد تفتح لهم باب الشهرة أو الاعتراف، حتى لو كان الثمن هو اختزال الذات في صورة عابرة أو رقم في فضاء لا يعرف الاستقرار.

أتذكر كيف كان ابني، قبل سنوات قليلة، يحلم بأن يصبح نجماً في عالم “اليوتوبر”، حيث كانت الشهرة الرقمية تبدو له قمة الإنجاز الممكن. واليوم تغير الحلم، وأصبح يتطلع إلى نجومية لاعب كرة القدم لامين يامال، بما تحمله من رمزية النجاح العالمي المبهر. وبين الحلمين مسافة لا تقاس فقط بتغير الاهتمامات، بل بتحول عميق في بنية المخيال نفسه؛ فالحلم لم يعد رحلة طويلة لبناء الذات، بل أصبح يبحث عن أقصر الطرق إلى الضوء.

السؤال الأكثر إرباكاً: هل نحن أمام جيل فقد الصبر على انتظار المستقبل، أم أمام مستقبل جديد لم يعد يعترف أصلا بقيمة الانتظار؟ هل تحولت الطفولة من فضاء لاكتشاف العالم إلى ساحة مفتوحة للمنافسة على الانتباه؟ وهل أصبح الطفل المعاصر يعيش تحت ضغط ضرورة أن يكون مرئياً قبل أن يكون موجوداً؟.

إن الخطر الأكبر ليس في تغير الأحلام، فالأحلام بطبيعتها تتبدل بتبدل الأزمنة، وإنما في أن تتحول الأحلام إلى منتجات جاهزة تصنعها منظومات التأثير الجديدة. فحين تصبح الخوارزمية وسيطا بين الطفل والعالم، فإنها لا تقدم له المعرفة فقط، بل تقترح عليه ما ينبغي أن يرغب فيه، ومن ينبغي أن يكونه.

إن العتمة التي يشعر بها الكثير من الآباء اليوم ليست خوفا من المستقبل بقدر ما هي حيرة أمام مستقبل لا نملك مفاتيحه كاملة. نحن أمام جيل يعيش وفرة غير مسبوقة في المعلومات، لكنه يواجه ندرة متزايدة في المعنى؛ جيل يمتلك القدرة على الوصول إلى كل شيء تقريبا، لكنه يبحث بصعوبة عن الشيء الذي يمنحه سببا حقيقيا للوجود.

وربما تكون مهمتنا الأعمق ليست مقاومة هذا العالم الجديد، ولا الحنين إلى زمن مضى، بل مساعدة أطفالنا على اكتشاف الفرق بين أن يكون الإنسان مشهوراً وأن يكون مؤثرا، بين أن يُرى وأن يكون موجودا، بين بريق الضوء المؤقت ونور المعنى الذي يبقى.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الثلاثاء 4 غشت 2026 - 08:06

    “We risk becoming ‘pancake people’ spread wide and thin as we connect with that vast network of information”
    “نحن نغامر بالتحول إلى أشخاص مفلطحين كالفطيرة؛ ممتدين على نطاق واسع ولكن بسطحية شديدة عبر هذا التدفّق الهائل للمعلومات.”
    Richard Foreman

    “La vitesse, c’est la vieillesse du monde”
    “Speed is the old age of the world”
    “السرعة هي شيخوخة هذا العالم ”
    Paul Virilio

    أستاذي،
    إن قلقك المشروع يلامس جوهر التحدي التربوي والإنساني الذي نعيشه اليوم، لكننا لا يجب أن ننسى أن الأجيال سُطّرت دائماً بأبجديات عصورها دون أن تفقد بالضرورة أصل إنسانيتها. إن أبناءنا لا يفتقدون الرغبة في المعنى، بل يعانون من تشتت المسارات في عالمٍ يُحاصرهم بالسرعة والإبهار الضوئي، مما يجعل مهمتنا أشد تعقيداً وأكثر نُبلاً. إن دورنا اليوم ليس في استعادة زمننا الغابر، بل في غرس بوصلة دافئة في قبضة أيديهم، تُعلمهم كيف ينصتون لصوتهم الداخلي وسط ضجيج الخوارزميات. فكما تجاوزت البشرية تحولات سابقة، سيكتشف هذا الجيل أيضاً ولو بعد حين أن بريق الشهرة لا يُغني عن دفء الوجود، وأن المعنى الحقيقي يُبنى ولا يُستهلك.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
أخنوش وتنزيل الأوراش الاجتماعية
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 00:42

أخنوش وتنزيل الأوراش الاجتماعية

صوت وصورة
بركة يعد بردع المضاربات
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 00:06 2

بركة يعد بردع المضاربات

صوت وصورة
من ورقة الاقـتراع إلى الحكومة
الخميس 17 شتنبر 2026 - 22:00

من ورقة الاقـتراع إلى الحكومة

صوت وصورة
ملعب هسبريس | اعترافات مثيرة لبابلو فرانكو
الخميس 17 شتنبر 2026 - 21:20

ملعب هسبريس | اعترافات مثيرة لبابلو فرانكو

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المصطفى بنعلي
الخميس 17 شتنبر 2026 - 21:00

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المصطفى بنعلي

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | إدريس لشكر
الخميس 17 شتنبر 2026 - 18:15 4

الطريق إلى الانتخابات 2026 | إدريس لشكر