بين الملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي
من المعلوم أن الزواج الأبيض هو الزواج الذي يتم بين رجل وامرأة خارج النصوص الشرعية بغية تحقيق مصلحة معينة.
هذا بالفعل هو التوصيف الدقيق للعلاقة الموجودة اليوم بين الملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي التوليدي في غياب نصوص تشريعية تضبط هذه العلاقة.
وقد فرض موضوع الملكية الفكرية نفسه من بين أهم المواضيع القانونية في عصر نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي.
يتعلق الأمر بنوع خاص من الذكاء الاصطناعي قادر على خلق محتويات رقمية من عدة أنواع مثل النصوص والصور والفيديوهات والموسيقى محاكيا بل متجاوزا في ذلك الإبداع البشر.
ونماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي هي نظم معلومياتية تستخدم وتحلل كميات هائلة من البيانات من أجل إنتاج محتويات جديدة ( نصوص + صور + فيديوهات + موسيقى + … ) التي قد تحمى أو لا تحمى بواسطة حقوق المؤلف أو حق براءات الاختراع.
في هذا الصدد، من الضروري عدم الخلط بين نموذج الذكاء الاصطناعي التوليدي ونظام الذكاء الاصطناعي.
وبينما تحتل تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي التوليدي أكثر فأكثر مكانة هامة في توليد المصنفات والابتكارات، أصبحت الأسس التي يرتكز عليها صرح قانون الملكية الفكرية موضع تساؤل أو حتى موضع شك.
غير أنه لا بد في هذا الشأن من التمييز بين المصنفات والابتكارات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي فقط كوسيلة وتلك التي يتم توليدها كليا عن طريق هذه التقنية.
في الحالة الثانية، فإن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي تعتمد من أجل تدريبها على بيانات ومصنفات وابتكارات سابقة تكون في غالب الأحيان محمية بحقوق الملكية الفكرية.
ويثير هذا الأمر العديد من التساؤلات القانونية ذات الصلة بقانون الملكية الفكرية، سواء تعلق الأمر بالبيانات أو المصنفات أو الابتكارات المستخدمة من أجل تدريب تلك النماذج، أو بالإبداعات ( موسيقى + أغاني + كتب + أشعار + … ) التي يتم توليدها كليا بواسطة نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي والتي تطرح مسألة حمايتها الفكرية.
نفهم من ما سبق أن الزواج الأبيض ( في غياب نص تشريعي ينظم العلاقة بينهما ) بين الملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي التوليدي تتولد عنه مسألتان أساسيتين : المسألة المتعلقة ببيانات تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي وتلك المتعلقة بالإبداعات الخالصة لهذه النماذج.
أولا : البيانات المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي
في ما يتعلق بالبيانات المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، فقد عرفت الفقرة الثالثة والثلاثون من المادة الثالثة من قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي ” المدخلات ” على أنها : « البيانات التي تقدم لنظام الذكاء الاصطناعي أو التي تلقاها النظام مباشرة والتي ينتج من خلالها بيانات مخرجة « .
في هذا الشأن، يلجأ منتجو هذه النماذج إلى استثنائيين قانونيين أساسيين من أجل استخدام بشروط هذه البيانات دونما حاجة إلى طلب ترخيص من أصحاب الحقوق : استثناء ” الاستخدام العادل ” في الولايات المتحدة الأمريكية ” و استثناء ” تنقيب النصوص والبيانات ” في أوروبا.
و استثناء ” الاستخدام العادل ” في مجال الذكاء الاصطناعي هو استثناء يتيح للشركات المنتجة لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي استخدام المصنفات المحمية بموجب حقوق المؤلف في تدريب نماذجها دونما حاجة إلى طلب ترخيص من أصحابها.
وقد وضع المشرع الأمريكي لهذا الاستخدام شرطين أساسيين هما شرط الاستخدام المغير وشرط أن لا يؤثر هذا الاستخدام على قيمة المصنف الأصلي.
الشرط الأول وهو الشرط الأهم الذي وضعه المشرع الأمريكي من أجل الاستفادة من استثناء ” الاستخدام العادل ” هو أن يكون هذا الاستخدام ” مغيرا “.
هذا يعني أن يجلب المصنف المولد ( المصنف الذي تم إنتاجه بواسطة نموذج الذكاء الاصطناعي التوليدي ) فائدة جديدة أو معنى جديد للمصنف الأصلي ( المصنف الذي استخدم في تدريب النموذج ).
الشرط الثاني الذي وضعه المشرع الأمريكي من أجل الاستفادة من استثناء ” الاستخدام العادل ” هو أن لا يؤثر هذا الاستخدام على قيمة المصنف الأصلي ( المصنف الذي استخدم في تدريب النموذج ).
أما استثناء ” تنقيب النصوص والبيانات “، فهو كل تقنية للتحليل المؤتمت تقوم بتحليل نصوص وبيانات في شكل رقمي من أجل استخراج معلومات.
في هذا الإطار، رسخ القانون الأوروبي استثناء ” تنقيب النصوص والبيانات ” الذي :
من جهة، يعطي لبعض مؤسسات البحث إمكانية التنقيب في النصوص والبيانات لغاية علمية بحثة، دون أن يكون بإمكان صاحب المصنف الاعتراض على ذلك.
من جهة أخرى، يسمح هذا الاستثناء لأي شخص وليس فقط لمؤسسات البحث العلمي القيام بالتنقيب في البيانات المحمية بقوانين الملكية الفكرية كيفما كان الغرض، شريطة أن لا يعبر صاحب الحقوق عن اعتراضه بشكل مناسب.
هذا الأمر يعطي للشركات التي تمتلك نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي إمكانية الوصول إلى كميات مهمة من البيانات المتعلقة بمصنفات أو ابتكارات محمية من أجل تدريب نماذجهم.
نشير في الختام إلى أنه من بين الحلول التي قد تلجأ إليها الشركات التي تمتلك نماذج الذكاء الاصطناعي، نجد استخدام البيانات الاصطناعية المولدة هي نفسها بالذكاء الاصطناعي كبيانات تدريب هذه النماذج.
ثانيا : المصنفات والابتكارات التي يتم توليدها كليا بواسطة نماذج الذكاء الاصطناعي
أما في ما يخص المصنفات والابتكارات التي يتم توليدها كليا بواسطة نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، يطرح سؤال الأبوة: هل تعود ملكيتها إلى الشركة صاحبة النموذج أم إلى مطوره أم إلى مستخدمه أم إلى النموذج نفسه، أم تسقط شأنها في ذلك شأن المصنفات والابتكارات التي لا تستوفي الشروط القانونية للحماية الفكرية في الملك العام ؟
إن قوانين الملكية الفكرية غير قادرة في الوضع الحالي على تحديــد المؤلــف أو المختــرع بالنســبة للمصنفــات والاختراعــات التــي يتــم توليدها بواســطة الــذكاء الاصطناعــي التوليدي.
فبدون منح الشخصية القانونية للــذكاء الاصطناعــي التوليدي، فإن مسألة أبوة إبداعات هذا النوع من الذكاء تظل مطروحة.
وتتمثل أهمية الاعتراف بالشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي التوليدي في الآثار القانونية المترتبة على هذا الاعتراف : إيجاد الطرف المستفيد من حقوق الملكية الفكرية عن المصنفات أو الابتكارات التي يولدها.
خاتمة :
الإشكاليات القانونية التي طرحناها تبين ضرورة إضفاء الشرعية على العلاقة بين الملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي التوليدي وذلك من خلال وضع نص تشريعي ينظم هذه العلاقة.
وفي انتظار أن يصبح هذا الزواج شرعيا ندعو إلى :
– تمكين الشركات المنتجة لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي من استخدام بيانات التدريب حتى عندما تكون هذه البيانات محمية بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية، وذلك من أجل السماح لهذه التكنولوجيا بالتطور.
– في انتظار منح الشخصية القانونية لهذا النوع من الذكاء الاصطناعي، من الضروري منح حقوق الملكية الفكرية عن إبداعات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى الشخص البشري المتدخل في العملية.
“I agree… delete all IP law”
“أنا أتفق… احذفوا جميع قوانين الملكية الفكرية.”
(Elon Musk)
( رجل أعمال ومؤسس Tesla و xAI)
“Generative AI is a new medium. Like photography once did, it will challenge our definitions of authorship and ownership”
“الذكاء الاصطناعي التوليدي هو وسيط جديد. وكما فعلت الفوتوغرافيا في الماضي، فإنه سيتحدى تعريفاتنا التأليف والملكية.”
(Yann LeCun)
( كبير علماء الذكاء الاصطناعي في Meta)
أستاذ فؤاد،
إن تشبيهكم للعلاقة بين الملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي بالزواج الأبيض هو وصفٌ بليغ يُلخص مأزقاً قانونياً معاصراً، حيث تستفيد الآلة من تراثنا البشري دون اعترافٍ شرعي بحقوق صُنّاعه، مما يفرض علينا تعجيل “مأسسة” هذه العلاقة لحماية الابتكار من الفوضى. وأرى شخصياً أن الحل لا يكمن فقط في النصوص، بل في فلسفة جديدة تعيد تعريف “الإبداع” كفعلٍ تشاركي بين ذكاء الإنسان وقدرة الآلة، مع ضمان تعويض عادل للمبدعين الأوائل.
“إن حقوق الفكر هي ميثاقٌ غليظ بين المبدع وزمنه، ولا يمكن للآلة أن تظفر بهذا الميثاق ما لم يمنحها الإنسان مفتاح الأبوة بوعيٍ وتشريع.”
ALHOCEIMA