من تلاقي التهديدات الجهادية والانفصالية إلى إعادة التشكل الجيوسياسي
لطالما جرى التعامل مع الوضع في منطقة الساحل الإفريقي بوصفه أزمة أمنية تقليدية، لكنه تجاوز اليوم تلك العتبة. فلم يعد بالإمكان قراءته فقط باعتباره مواجهة بين دول منهكة وجماعات جهادية في توسع، بل بات يدخل ضمن دينامية أوسع تتداخل فيها التمردات المسلحة، والنزعات الانفصالية، والتهريب عبر الحدود، وإعادة التموضع المحلي، والتنافسات الاستراتيجية. لم يعد الساحل مجرد فضاء للصراع، بل غدا نظامًا من التهديدات المتداخلة، تتحرك فيه الديناميات العنيفة، وتتبدل، وتتراكب مع بنيات اقتصادية وسياسية أقدم.
في هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى التنظيمات الجهادية مثل “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” أو الفصائل المرتبطة بتنظيم الدولة بوصفها كيانات معزولة. إنها تعمل أقرب إلى فاعلين في إنتاج المجال والسيطرة عليه، قادرين على استثمار ممرات الحركة، والتمركز في مناطق الملاذ، وإطلاق عنف منسق على نطاق إقليمي. وتكمن قوتهم ليس فقط في الصدمة المسلحة، بل في قدرتهم على التكيف مع فضاآت مجزأة، وحدود رخوة، وسيادات منقوصة.
تيلابيري) النيجر( كحقل تجريبي للصراع
تكشف التطورات الأخيرة في منطقة تيلابيري بالنيجر هذا التحول بوضوح بالغ. فالهجمات المتكررة على غاربغونا وبانيبانغو وإناتس، أو على المحاور التي تربط تيرا بنيامي، تُظهر أن الجماعات المسلحة تجاوزت مرحلة الضربات الطرفية. نحن أمام عمليات منسقة، وأحيانًا شبه عسكرية، تهدف إلى إرباك سلسلة القيادة، واستنزاف القوات الوطنية، وإبراز حدود انتشار أمني ما يزال متشتتًا أكثر مما ينبغي.
في هذا الإطار، لم تعد الحدود هامشًا، بل أصبحت مركزًا استراتيجيًا. وتمثل غاربغونا، لقربها من الحدود المالية ومن طرق الذهب، مثالًا صارخًا على هذا التحول: فمناطق العبور باتت في صلب الصراع. ولا تسعى الجماعات المسلحة إلى ضرب أهداف عسكرية فحسب، بل إلى إنتاج أثر سياسي أوسع، مفاده أن الدولة لا تسيطر على أطرافها، ولا تستطيع حماية محاورها على نحو مستدام، ولا تمتلك حضورًا متماسكًا في أكثر المناطق هشاشة.
الضبابية الإعلامية كسلاح
ترافق هذا التصعيد في العنف مع بعد آخر غالبًا ما يُغفل، رغم أنه أساسي: الضبابية الإعلامية. فالتباينات بين البيانات الرسمية، والشهادات المحلية، والمصادر الأمنية، والتحليلات المستقلة، لا تعكس فقط نقصًا في المعطيات الموثوقة، بل تشارك في حرب إدراك، يصبح فيها الغموض أداة استراتيجية.
في الساحل، لا تؤدي المعلومات وظيفة وصفية فقط، بل وظيفة استراتيجية أيضًا. فالغموض بشأن العدد الدقيق للضحايا، أو هوية المهاجمين، أو مسار الهجوم، يضعف وضوح الأحداث سياسيًا، ويفتح الباب أمام روايات متنافسة: انهيار أمني، حرب استنزاف، أو إعادة تموضع تكتيكي للجماعات المتمردة.
ولا يعد هذا الضباب أمرًا ثانويًا. فهو يحدد الطريقة التي تُفهم بها الأزمة من قبل الدول، والشركاء الخارجيين، والرأي العام. وفي سياق مشبع بخطابات “الفراغ الأمني”، لم يعد السؤال فقط: ماذا يجري على الأرض؟ بل: كيف يُرى الصراع، وكيف يُخفى، أو يُشوَّه، أو يُعاد تشكيله معرفيًا؟
من الفراغ إلى البنية
لقد أسهمت أطروحة “الفراغ الأمني” التي رافقت انسحاب القوات الفرنسية في تسليط الضوء على الفراغ الذي خلفه إعادة تموضع الشركاء الغربيين. لكنها لم تعد كافية لتفسير الدينامية الراهنة. فالمشكلة لم تعد مجرد غياب طرف خارجي، بل العجز عن إعادة بناء سيطرة إقليمية متماسكة على نحو دائم.
لقد تحولت الأزمة إلى أزمة بنيوية. فالدولة لا تنسحب بالكامل، لكنها أيضًا لا تنجح في العودة بشكل مستقر ومتواصل وواضح. صحيح أن الوسائل تحسنت، والتجهيزات تعززت، وبعض قدرات الانتشار تقوت، لكن الهشاشة بقيت قائمة. فما تزال القواعد الثابتة عرضة للهجمات، وتؤخر الألغام عمليات الإنقاذ، ويظل الاستخبار محدودًا، وتصل الردود العسكرية غالبًا بعد أن تكون المعركة قد حُسمت تكتيكيًا.
وقد جسدت هجمة مايو 2026 على غاربغونا، التي تبنتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، هذه الحقيقة بوضوح. فهي أظهرت أن المشكلة لم تعد فقط في غياب الحماية الخارجية، بل في صعوبة إعادة تأسيس نظام أمني قابل للحياة داخل فضاء تهيمن عليه الحركة المسلحة.
دولة تحت ضغوط متعددة
يجمع النيجر اليوم عدة جبهات في آن واحد. ففي الشمال والشرق، يتعين عليه تأمين المحاور اللوجستية، وحماية إمدادات الوقود والسلاح، والدفاع عن منشآته الاستراتيجية. أما في الجنوب، فتستنزف مراقبة أنبوب النفط المتجه إلى بنين جزءًا متزايدًا من موارده. وقد ذكّرت هجمة ديسمبر 2025 على هذه البنية التحتية، التي نسبت إلى “الحركة الوطنية من أجل الحرية والعدالة” المنحدرة من مكون الطوارق التبو، بأن المورد الاقتصادي الحيوي يمكن أن يتحول إلى هدف عسكري وسياسي في آن واحد.
وليس خط الأنابيب مجرد منشأة طاقية، بل هو أيضًا خط سيادة، وأداة تمويل، وموضوع ضغط دبلوماسي. وتضع هذه الضغوط المتعددة الدولة في وضع متناقض: فهي مطالبة بحماية أصولها الاقتصادية، وفي الوقت نفسه بمواجهة تهديدات متحركة، ومبعثرة، وعابرة للحدود. وكل إعادة انتشار للقوات على جبهة ما تُضعف جبهة أخرى. وهكذا تتحول التدبير الأمنية إلى اقتصاد ندرة، ويولّد التشتت العسكري هشاشةً هيكلية.
التنافس والتعايش بين “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” والفصائل المرتبطة بتنظيم الدولة
ومن أهم عناصر التحليل اليوم العلاقة بين الجماعات الجهادية نفسها. فلا ينبغي قراءتها فقط بوصفها صراعًا مباشرًا. فعلى الأرض، غالبًا ما تتخذ العلاقة بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين والتنظيمات المرتبطة بتنظيم الدولة طابعًا أكثر مرونة: تعايش انتهازي، وتقاسم ضمني لمناطق التحرك، وتكامل ظرفي، وتداخل تكتيكي.
وقد أظهرت الهجمات التي استهدفت بانيبانغو وإناتس في يونيو 2026 قدرة هذه الجماعات على الجمع بين الحركة بالدراجات النارية، واستخدام العربات المسلحة، وإشباع الدفاعات المحلية. وهذه المنهجية تكشف تحولًا عميقًا في أساليب العمل: فهذه التنظيمات لم تعد تعمل كبُنى مركزية بالمعنى الكلاسيكي، بل كمنصات تجميع تستقطب مقاتلين، وروابط محلية، ووسطاء، وفاعلين من عالم الجريمة المسلحة.
وتكمن مرونتها في هذه القابلية على التشكل المستمر. فاختفاء الشخصيات الجهادية التاريخية في الساحل لم يؤدِّ إلى نهاية الظاهرة، بل إلى فسيفساء من الكتائب والميليشيات والعصابات المسلحة التي تعيد التموضع باستمرار. وهكذا أصبح ميدان القتال أكثر تفتتًا، لكنه أيضًا أكثر لايقينًا.
مناطق التداخل الانفصالي
في هذه الجغرافيا المتحركة، تبرز مسألة الصلات مع الحركات الانفصالية، ، المتهالكة منها مثل البوليساريو أو التي هي قيد الولادة والنمو في شمال مالي وجنوب الجزائر وفي مناطق أخرى. ولا يتعلق الأمر هنا لا بمساواة بين الانفصالية والجهادية، ولا بادعاء وجود تحالف عضوي شامل. لكن من الخطأ تجاهل أشكال النفاذ المتبادل بين الفضاأت الانفصالية، وشبكات التهريب، والبيئات القابلة للتطرف.
فمركز الالتقاء ليس أيديولوجيًا في المقام الأول، بل هو إقليمي ولوجستي وبشري. ففي الامتداد الصحراوي الساحلي، تخلق المسارات الفردية، وشبكات التهريب، ومناطق عدم السيطرة فضاءات حركة تنساب فيها الانتماءات والانخراطات. قد ينتقل الفاعلون من بيئة إلى أخرى، وقد تُستخدم الطرق ذاتها لأغراض متعددة، وقد تستثمر الجماعات ذات الولاءات المتغيرة الأطراف الهشة.
وهذا لا يعني الاندماج، بل التقارب الوظيفي. فالخطر الأكبر لا يكمن في تشكل كتلة متجانسة، بل في التقاء انتهازي بين أنماط مختلفة من العنف داخل المجال نفسه.
أزمة دبلوماسية وإعلامية
لهذا التداخل أبعاد دبلوماسية بالغة الأهمية. فهو يطمس الفرق بين القضايا الأمنية والقضايا السياسية، ويعقّد المقاربات القائمة على تصنيفات جامدة. ففي منطقة الساحل والصحراء، تشكل طرق التهريب والملاذات المسلحة وشبكات التجنيد ومناطق التهميش نظامًا بيئيًّا واحدًا من الصراع.
فالمنطقة ليست مسرحاً لصراع واحد؛ بل تتداخل فيها منطقيات متنافسة ومتشابكة ومتناقضة أحياناً. ولهذا السبب أيضاً أصبحت المعركة الإعلامية محورية للغاية. إن اختزال هذه الظواهر في شعارات أو اتهامات عامة أو روايات مفرطة في بساطتها يعني إخفاء الحقيقة. وبالنسبة للفاعلين الدبلوماسيين، فإن هذا يفرض مطلبًا جديدًا: تجاوز التصنيفات المغلقة، وقبول فكرة التداخلات، والنظر إلى التهديدات على أنها علاقات وليس ككتل منفصلة.
إعادة صياغة الاستجابات
في مواجهة هذا التطور، يتم تعديل الاستجابات الإقليمية والدولية. ويميل النيجر إلى إعادة التركيز بشكل أكبر على «تحالف دول الساحل»، مع استمرار اضطراره إلى التعاون بشكل عرضي مع شركاء خارجيين عندما تصل قدراته إلى حدودها القصوى. أما الولايات المتحدة، من جانبها، فتفضل وجودًا غير مباشر قائمًا على الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع.
وتُظهر وسائل الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (ىصR) المتمركزة في الكاميرون ونيجيريا، ووجود الطائرات بدون طيار في باوتشي، أو حتى التنسيق مع القوات الكاميرونية، استراتيجيةً تستند إلى الكشف السريع بدلاً من الاشتباك المباشر. ويؤكد هذا التحول أن معركة الساحل تُخاض أيضًا في المجال المعلوماتي. الكشف، والتوقع، ورسم الخرائط قبل التدخل: هذه هو المنطق السائد الآن.
فضاء يحتاج إلى قراءة جديدة
وهكذا تدخل منطقة الساحل مرحلة تصبح فيها خطوط الجبهة أقل وضوحًا، لكن التهديدات أكثر ترابطًا. فالجهادية والانفصالية والاتجار غير المشروع والخصومات الإقليمية لا تتداخل، لكنها تغذي بعضها البعض في المناطق التي لا تزال فيها سلطة الدولة هشة.
ويظهر النيجر، مرة أخرى، كحافز كاشف. كاشف للتحول الذي طرأ على الجماعات المسلحة، ولحدود النهج العسكري البحت، ولضرورة قراءة إقليمية ودبلوماسية واستراتيجية. لم يعد التحدي يقتصر على استعادة الأراضي فحسب، بل أصبح يتمثل في فهم كيفية تداخل التهديدات في تلك المناطق، وكيفية انتقالها فيها، وكيفية إعادة تشكيلها.
في الصحراء كما في الساحل، لا تقع السلطة في أيدي من يتحكمون في شريط معين بقدر ما تقع في أيدي من يسيطرون على الممرات.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.