السلطة من الخارج إلى الوعي

السلطة من الخارج إلى الوعي
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 11:35

تنظيم الوعي بعدم الثقة، أو ترميم الثقة من داخل الوعي نفسه، يضعنا أمام واحدة من أكثر المسائل تعقيدً في الاجتماع السياسي؛ لأن الثقة لا تنتمي إلى المجال النفسي وحده، ولا تختزل في علاقة وجدانية بين المواطن والمؤسسة، وإنما تتصل بالبنية العميقة التي تنتظم من خلالها علاقة المجتمع بالسلطة، وبالشرعية، وبالمستقبل. وهي المسألة التي تنبه إليها السوسيولوجي المغربي الراحل محمد جسوس في إحدى حواراته، حين لامس ذلك الشرخ المتنامي بين المواطن والنخب السياسية، حيث لا يعود انهيار جدار الثقة مجرد تعبير عن استياء ظرفي، وإنما يتحول تدريجيا إلى قلق اجتماعي مقيم، ثم إلى تمثل راسخ يعيد المواطن من خلاله قراءة السياسة ومؤسساتها وخطاباتها.

وما يجعل فكرة جسوس ذات قيمة سوسيولوجية وفلسفية أنها تنقلنا من سؤال ثقة المواطن في النخب، إلى سؤال أعمق يتعلق بالشروط التي تجعل الثقة ممكنة أصلاً. فالثقة، كما يمكن استنتاجه من أعمال أنتوني غيدنز، ليست غيابا للشك، وإنما طريقة لتنظيم العلاقة بالمستقبل في عالم لا يستطيع الفرد أن يمتلك فيه كل المعارف اللازمة لاتخاذ قراراته. إنها رهان على انتظام سلوك الآخرين والمؤسسات، وعلى استمرار قواعد لا يستطيع الفرد التحكم فيها بصورة مباشرة. ولذلك فإن انهيار الثقة يعني، في أحد وجوهه، انهيار القدرة على توقع المستقبل الاجتماعي؛ إذ يصبح الغد أقل قابلية للتنبؤ، والمؤسسة أقل قابلية للتصديق، والوعد السياسي أقل قدرة على إنتاج الانتظار.

فالشك، حين يستوطن الوعي الجمعي، لا يبقى مجرد موقف نقدي من السلطة؛ إنه يعيد بناء العلاقة بها على قاعدة الارتياب، ويحوّل التجربة السياسية إلى ذاكرة متراكمة من الانتظارات المؤجلة والوعود غير المكتملة. ومن ثمة يصبح استعادة الثقة أكثر تعقيدا من إنتاج خطاب جديد عنها، لأن الثقة لا تُستعاد بالإقناع اللغوي، وإنما بإعادة بناء شروطها الموضوعية داخل الممارسة والمؤسسة والعلاقة اليومية بين المواطن ومصادر القرار.

أستدعي في هذا المقام بيير بورديو لفهم الوجه الرمزي للمسألة. فالسلطة في تصوره لا تعمل فقط بواسطة القانون أو الإكراه، وإنما تستطيع أن تفرض تصنيفاتها ورؤيتها للعالم حين تُقبل هذه التصنيفات باعتبارها طبيعية وبديهية. وفي المجال السياسي، قد يصبح الخطاب الرسمي أكثر خطورة حين لا يحتاج إلى فرض نفسه بالقوة، وإنما حين يتحول إلى الإطار الذي تُفهم داخله الوقائع ذاتها.

وهكذا يصبح انهيار الثقة مفارقة مزدوجة، فالمواطن قد يفقد ثقته في السلطة، لكنه قد يظل محكوما باللغة والتصنيفات والتمثلات التي تنتجها السلطة أو المجال السياسي الذي تتحرك داخله.

إن هيمنة السلطة على الوعي لا تتحقق فقط عبر أدوات الإكراه المباشر، وإنما أيضا حين تنجح الوقائع القهرية في احتلال المجال الرمزي، فتفرض نفسها باعتبارها المرجع الأكثر حضورا في تفسير الحياة العامة. عندها تنكمش قدرة المجتمع على إنتاج مسافة نقدية تجاه الأحداث، ويصبح الحدث، بما يحمله من عنف رمزي أو سياسي أو مؤسسي، قادرا على إعادة ترتيب الإدراك الجماعي وفق منطقه الخاص. وما يترتب عن ذلك هو انتقال السلطة من مستوى الممارسة إلى مستوى التمثّل؛ أي من التحكم في المجال العام إلى التأثير في الطريقة التي يُرى بها هذا المجال ويُفسَّر ويُحكم عليه.

ويكتسب ميشيل فوكو بهذا الخصوص أهميته في تفكيك العلاقة بين السلطة والوعي؛ فالسلطة عنده لا تُفهم باعتبارها شيئا يمتلكه طرف ويخضع له طرف آخر فحسب، وإنما باعتبارها شبكة من العلاقات تنتج المعرفة والخطابات وأنماط السلوك. ولذلك فإن السؤال عن الثقة لا ينبغي أن ينفصل عن السؤال عمن ينتج الحقيقة العمومية، ومن يحدد شروط ظهورها، ومن يملك القدرة على تسمية الأحداث وتأطيرها وتحديد ما يستحق أن يُرى وما يمكن أن يظل في منطقة العتمة. فحين تنجح السلطة في احتكار تعريف الواقع، تصبح السيطرة على الوعي أعمق من السيطرة على السلوك.
لكن فوكو يتيح لنا في المقابل، تفادي اختزال المجتمع في موقع الضحية السلبية؛ لأن علاقات السلطة تنتج معها إمكانات المقاومة وإعادة التفاوض والتفكير المضاد. ومن هنا فإن ترميم الثقة لا يعني إعادة إنتاج الطاعة، ولا استعادة علاقة عمودية بين المواطن والمؤسسة، وإنما بناء شروط جديدة يستطيع فيها المجتمع أن يمارس نقده دون أن يتحول النقد إلى قطيعة نهائية مع المجال العمومي.

وتبرز أهمية يورغن هابرماس، في نظريته التي ربطت شرعية النظام الديمقراطي بإمكان التواصل العمومي العقلاني، حيث لا تستمد القرارات مشروعيتها من مجرد صدورها عن المؤسسات، وإنما من قابليتها للدخول في فضاء من التبرير والنقاش والمساءلة. وعلى هذا الأساس، فإن أزمة الثقة يمكن أن تكون في جانب منها، أزمة في البنية التواصلية للمجال العام؛ حين يصبح الخطاب السياسي منفصلا عن التجربة الاجتماعية، وحين يشعر المواطن أن اللغة التي تخاطبه لا تصف العالم الذي يعيشه، أو أن المشاركة في النقاش لا تؤثر في النتائج التي تحدد حياته.

وعند هذه النقطة تحديدا، تصبح الثقة مرتبطة بالحقيقة. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى مؤسسة قوية، وإنما إلى مؤسسة يمكنه أن يفهم قراراتها، ويحاسبها، ويختبر صدقية خطابها. لذلك فإن كل فجوة متسعة بين القول والفعل تنتج فائضاً من الشك، وكل غموض في المسؤولية يضاعف الارتياب، وكل وعد لا يجد ترجمة في الواقع يتحول، مع الزمن، إلى جزء من الذاكرة السياسية السلبية.

كما تكمن الخطورة أيضا في تردي نظام الثقة، إذ حين تنكسر العلاقة بين المجتمع والنخب، لا ينهار رابط سياسي فحسب، وإنما تتصدع إحدى الآليات الأساسية التي تنتظم بها الحياة المشتركة. يصبح المواطن أقل استعدادا لتصديق الخطاب العمومي، وأقل قدرة على انتظار نتائج الإصلاح، بينما تتحول النخب في المقابل، إلى بنى خطابية تستهلك رصيدها الرمزي كلما عجزت الممارسة عن مطابقة القول.

ولا ينبغي فهم هذا الانهيار باعتباره مجرد موقف فردي متراكم؛ إنه قد يتحول إلى بنية اجتماعية للارتياب. فحين يتكرر الخذلان، يصبح الشك معرفة مكتسبة، وتتحول التجربة السابقة إلى معيار لتأويل التجربة اللاحقة. وبالتالي يعمل الماضي داخل الحاضر، وتصبح الذاكرة السياسية جهازا لتوقع المستقبل. ولذلك قد يفقد خطاب الإصلاح قدرته على الإقناع حتى قبل أن يبدأ؛ لأن الوعي الذي استنفد مخزونه من الثقة لا يستقبل الوعد بوصفه إمكانية، وإنما يقرأه بوصفه تكرارا محتملا للماضي.

وهذا ما يجعل ترميم الثقة أكثر صعوبة من إنتاجها لأول مرة. فالذاكرة الاجتماعية لا تنسى بسهولة، والمؤسسات لا تستعيد شرعيتها بمجرد تغيير الخطاب، والنخب لا تستعيد رأسمالها الرمزي بمجرد إعادة تقديم نفسها. الثقة تحتاج إلى زمن يبرهن عليها؛ إذ لا يمكن إنتاجها بالبلاغة السياسية، وإنما بالتراكم الهادئ لأفعال قابلة للتحقق.

إن إعادة بناء الثقة لا يمكن اختزالها في تدبير تواصلي أو في حملات لاستعادة الصورة العامة؛ إنها عملية تاريخية لإعادة تركيب العلاقة بين الدولة والمجتمع والنخب، تستلزم إصلاحاً في المؤسسات، ووضوحا في المسؤوليات، واتساقا بين الخطاب والفعل، وقدرة على الاعتراف بمواطن الاختلال بدل إخفائها. فالثقة، في معناها السوسيولوجي، ليست حالة وجدانية جاهزة، وإنما رأسمال اجتماعي يتكون بالتراكم، ويتآكل بالتجربة، ولا يستعيد عافيته إلا بتغير الشروط التي أنتجت انهياره.

وفي هذا السياق، يمكن استحضار روبرت بوتنام الذي ربط الثقة بالشبكات الاجتماعية وبالرصيد التعاوني الذي يسمح للمجتمعات بإنتاج الفعل الجماعي. فحين تتآكل الثقة، لا يتضرر المواطن من المؤسسة وحدها؛ تتضرر أيضا قدرة المجتمع على التعاون، وعلى بناء التوافقات، وعلى تحويل المصالح المتفرقة إلى إرادة عمومية. إن انخفاض منسوب الثقة يرفع كلفة الاجتماع نفسه، حيث يصبح كل طرف أكثر حذرا من الآخر، وتتحول العلاقة العمومية إلى سلسلة من الاحتياطات، ويصير التعاون استثناءً يحتاج إلى ضمانات إضافية.

لكن الثقة لا تعني فلسفيا إلغاء المسافة النقدية، إذ ينبغي التمييز بين الثقة الديمقراطية والثقة العمياء. الأولى تقوم على إمكانية المحاسبة وتداول المعلومات ووضوح المسؤولية واستقلال المؤسسات؛ أما الثانية فتقوم على تعليق الحكم وتسليم القرار للآخر. لذلك فإن المجتمع الديمقراطي لا يحتاج إلى مواطن يثق بالسلطة كيفما كانت، وإنما إلى مواطن يستطيع أن يثق في قواعد اللعبة التي تجعل السلطة قابلة للمساءلة.

ومن هذه الزاوية تكتسب أفكار حنة آرنت حول المجال العمومي دلالتها؛ فالسياسة لا تقوم فقط على ممارسة السلطة، وإنما على ظهور البشر أمام بعضهم بعضاً في فضاء مشترك للكلام والفعل. وحين ينكمش هذا الفضاء، وتتحول السياسة إلى إدارة مغلقة للقرار، ينحسر المجال الذي يستطيع فيه المواطن أن يرى نفسه فاعلاً في العالم المشترك. عندها لا تكون أزمة الثقة أزمة علاقة بالمؤسسة فقط، وإنما أزمة في الإحساس بالمشاركة في صناعة العالم الذي نعيش فيه.

وترتيبا على كل ما تمت مناقشته، فإنه يمكن فهم دعوة محمد جسوس إلى استعادة الثقة باعتبارها سؤالا يتجاوز السياسة اليومية؛ أنها دعوة إلى ترميم المجال المشترك الذي يجعل الاجتماع ممكناً.

إذ لا يستقيم وعي ديمقراطي في مجتمع يعيش على فائض من الارتياب، كما لا يمكن لمؤسسات أن تكتسب شرعيتها الرمزية إذا ظل المواطن يرى بينها وبينه مسافة مغلقة من الشك.

إن المسألة في نهايتها، ليست كيف نقنع المواطن بالثقة، وإنما كيف نعيد بناء شروط تجعل الثقة نتيجة طبيعية لعلاقة قابلة للتصديق. ولذلك فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على استعادة الثقة بوصفها حالة نفسية، وإنما على إعادة إنتاج شروطها الاجتماعية والسياسية والرمزية. فالثقة ليست نقطة انطلاق، وإنما نتيجة؛ ليست خطابا يقال، وإنما تجربة تتكون؛ وليست تنازلا من المواطن عن حقه في الشك، وإنما تأسيسا لعلاقة يستطيع فيها الشك نفسه أن يؤدي وظيفته الديمقراطية دون أن يتحول إلى قطيعة شاملة.

إن المجتمع الذي يفقد ثقته لا يفقد فقط إيمانه بالمؤسسات؛ إنه يفقد جزءاً من قدرته على تخيل المستقبل. وحين يصبح المستقبل غير قابل للتصديق، تنكمش السياسة إلى تدبير للحاضر، وتتحول الذاكرة إلى سلطة، ويغدو الارتياب لغة مشتركة بين المجتمع والنخب. لذلك فإن ترميم الثقة هو في عمقه الفلسفي، ترميم لإمكان المستقبل نفسه، من حيث إعادة بناء تلك المسافة الضرورية بين المواطن والسلطة، التي تسمح بالنقد دون القطيعة، وبالمساءلة دون العدمية، وبالاختلاف دون انهيار المجال المشترك.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | أحداث سبتة.. وماذا بعد؟
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 21:00

أبعاد استراتيجية | أحداث سبتة.. وماذا بعد؟

صوت وصورة
"الكتاب" يدرس المشاركة الحكومية
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 20:30 2

"الكتاب" يدرس المشاركة الحكومية

صوت وصورة
عاصفة قوية تضرب فاس
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 17:34 6

عاصفة قوية تضرب فاس

صوت وصورة
وجه آخر للبحر في البيضاء
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 16:28 2

وجه آخر للبحر في البيضاء

صوت وصورة
منتجات مغربية تتألق في أبوظبي
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 16:04 1

منتجات مغربية تتألق في أبوظبي

صوت وصورة
بنعبد الله يحدد أولويات المرحلة
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 12:37 5

بنعبد الله يحدد أولويات المرحلة