الطالعتان

الطالعتان
الإثنين 7 شتنبر 2026 - 16:02

فاس متاهة متعرجة الدروب، متداخلة الأزقة مثل نسيج زربية تشابكت خيوطها فتشكلت منها خريطة من المنعرجات، وتعانقت كتلة من ألوان مداخلها ومخارج أحيائها. إنها دروب موغلة في الغرابة، فهي لا تغري الغريب عن المدينة بالإغراق في نسيج فضاءاتها المتلاحمة والمتوالدة. فالتوغل في التواءات دروبها وأحيائها المعقدة الوافرة التكرار والتشابه، تصبح مغامرة غير واضحة النتائج، إلا إذا كان هذا التوغل في معية مولود بين أحشائها. إنها توحي بالفوضى العمرانية، بعلامات الضياع، بفقدان بوصلة الاهتداء إلى مخرج، بالتيه المخبول في ذلك التراكم الذي لا يفضي في الغالب إلا إلى دروب ضيقة أحياناً لا تتسع إلا لمرور شخص واحد، أو إلى أبواب موصدة لا تفضي إلى أي اتجاه. إنها تلح بسؤال استفهام مطلسم: “ما الدافع وما القصد من وراء إنشاء مدينة بكاملها على هذا النمط من الضيق والتلاحم والممرات والدروب والأزقة الضيقة التي توحي بالاختناق؟” مع أنها تدثر خلف واجهاتها غير الجذابة، قصوراً ودوراً من الرحابة والشساعة والجمال العمراني ما يذهل الأذهان. سؤال كثرت فيه التخمينات والافتراضات، لكن لا مجيب أجابة شافية.

القاعدة والاستثناء

على الرغم من هذه القاعدة من الضيق والمتاهة التي تشمل ما يزيد عن كيلومترين مربعين وأكثر من 10.000 زقاق ودرب في العدوتين القرويين والأندلس، هناك استثناء خارج عن القاعدة: الطالعتين الكبرى والصغرى. اللتان تتفرعان مثل مجريين حيويين عن ساحة بوابة فاس الشهيرة، باب بوجلود، تسيران في توازن ولا يفترقان في طولهما حتى نهاية الصغرى وتستمر الكبرى منسابة تعبر ثلة من الأسواق إلى أن توقفها مدرسة العطارين. بين الطالعتين ثمانية روابط من الأزقة، أربعة منها مباشرة وأربعة غير مباشرة.

فالطالعتان تمثلان العمود الفقري لتركيبة نسيج فاس الجغرافي. فلا مناص لأي كان مقيماً أو زائراً للمدينة، مواطناً أو أجنبياً، من العبور في إحداهما وهو في طريقه إلى قلب المدينة. إنهما الشارعان الوحيدان الطويلان، وشبه المستقيمان، الواسعان نسبياً في كل المدينة.

لقد سميت الأولى الكبيرة لطولها ولسعتها ولقدمها، بينما الصغيرة هي أقل اتساعاً وأقصر مسافة من قرينتها. فمراحل تكوينهما العمراني تجسد ليس تاريخ فاس وحدها، بل تاريخ أكثر الحقب التي مر بها المغرب، ابتداء من دولة الأدارسة حتى مرحلة الاحتلال الفرنسي. فالطالعة الكبيرة كما يصفها الرحالة الألماني غيهارت غولف في كتابه “إقامتي الأولى في المغرب” وذلك في منتصف القرن التاسع عشر: “الشارع الطويل الذي يربط فاس القديم وفاس الجديد ليس هو الآخر إلا سوقاً، حيث تعم هناك بطبيعة الحال حركة مرور كبيرة، ليس فقط لأن كل الناس تستعمل بوجه خاص هذا الطريق العريض نسبياً، من أجل العبور من مدينة إلى أخرى، بل كذلك لأن من هنا يمر طريق القوافل الرئيسي، حيث تتحرك فوقه باستمرار طوابير طويلة من الجمال والبغال والحمير المحمّلة. إذا ما واصل الإنسان السير على هذا الطريق في اتجاه فاس الجديد.”

أجزاء من التاريخ

للطالعة الكبيرة من المعالم التاريخية الكثير ما يفوق اختها الصغرى. إنها تتمدد على أكثر من كيلومتر من غرب المدينة باب بوجلود حتى نهاية سوق العطارين، ففي رأسها مدرسة تاريخية البوعنانية، التي تم بناؤها كشاهد على العصر المريني سنة 1350م على يد السلطان أبي عنان (1348-1358). وعند قدمها مدرسة مرينية أخرى، مدرسة العطارين التي أمر ببنائها أبو سعيد عثمان سنة 723 هـ / 1333 م، وكان الانتهاء من تشييدها عام 1325. تتخلل الطالعة الكبيرة عديد من الأسواق وفنادق المجمعات الحرفية التي شهدت هي الأخرى عبر الزمن تحولات من حيث البضائع المعروضة، وهذه التحولات لا تزال مستمرة حتى اليوم. وهو ما منح هذه الأسواق تغيراً في أسمائها من فترة إلى أخرى.

ونحن نسير في هذه الطالعة تلاقينا جملة من الأقواس المرتفعة، تفضي عن مداخل أبواب كانت تفصل بين سوق وآخر، وكانت تغلق ليلاً. كما نلاقي جملة من الفنادق التقليدية سواء ما كان منها مستودعاً للحيوان أو لمبيت الإنسان، أو مخازن للسلع، كما مورست ولا تزال تمارس في بعضها أنواع من الحرف اليدوية. للطالعة الكبرى حمامان وعدد من المساجد منها ما هو على الشارع مباشرة، ومنها ما هو متوارٍ في الدروب الجانبية.

تفتتح الطالعة أسواقها بسوق السلالين، أي السوق الذي كان قديماً تصنع فيه السلل القصبية الصغيرة منها للاستعمالات اليومية والكبيرة المعدة لغلال الزيتون التي كانت تجمع فيها، ومن هنا جاء اسم “مسلالة” أي الزيتون المسلِّل، أحد أنواع الزيتون الذي يدق بنواته ويحتفظ به منقعاً في الماء داخل الأوعية (كالخابية) الطينية، أو تستعمل هذه السلل لنقل الخضروات وأيضاً الصوف بعد غسله فيقطر داخلها من حمولته المائية.

بعد سوق السلالين، يلاقينا سوق كان في القديم يعرف بسوق القشاشة، تجار الفواكه والثمار الجافة. وفي فترة من الفترات أصبح خليطاً من دكاكين الجزارة وبائعي الخضر والفواكه الطرية، كما تحول في فترة أخرى جزء منه إلى دكاكين بيع مواد البناء، واليوم تحول جل الجزء الموالي منه إلى ساحة سوق بوجلود الداخلي، إلى محلات صغيرة تعرض المأكولات السريعة ودكاكين للفواكه والمعروضات السياحية.

قبل عبور قوس نهاية هذا السوق نلاقي على الجهة اليسرى من هذا السوق، درباً خليطاً من دور للسكن والتجارة، ويتميز بوجود سوق في بدايته، يتكئ على أسوار المدينة من عصر الدولة الموحدية (1121-1269)، وهو عبارة عن مجمع خاص ببيع حبوب القمح والقطاني بالجملة يعرف “برحبة الزرع”. ومن هذه المجمعات توجد ثلاثة، اثنان في كل من عدوة القرويين ـ اللمطيين، وواحد في عدوة الأندلس. هذا المجمع الذي بعد ثلاثة سنوات من الترميم في إطار “برامج رد الاعتبار وتأهيل المعالم التاريخية والأحياء التقليدية للمدينة فاس” تمت إعادة افتتاحه سنة 2022. وقد ساد الاعتقاد أن هذا السوق يعود إنشاؤه إلى ثمانية قرون، غير أن النافورة التي تم العثور عليها في وسطه، أثناء الترميم والتي تعود إلى عصر الدولة المرينية (1244-1465)، تدل على أن المكان كان أحد القصور أو الدور الكبيرة المرينية ثم تحول في مرحلة من الاضمحلال إلى سوق للحبوب، غير أن رحبة الزرع كانت في مكان غير بعيد منه.

سوق علم وفن

بعد مغادرة سوق القشاشة من خلال عبور بوابته، ندخل مباشرة إلى سوق الجزارين للطالعة الكبيرة. لقد كان هذا السوق يتكون من جزئين، أعلاه للجزارة وأسفله للخضر والفواكه، غير أن التغيير طاله هو الآخر كما طال أكثر أسواق الطالعة، فأصبح خليطاً من الدكاكين في غالبيتها ذات صلة بحاجيات المطبخ، دكاكين الجزارة والخضر والزيتون والفواكه والدواجن، السمن، والخليع والتوابل. على يمين سوق الجزارين مسجد صغير يسمى مسجد سيد اللزاز، وكانت صومعته مشهورة بعش عظيم للقلاق فوقها، التي تبدو من باب بوجلود وكأنها توأمة صومعة المدرسة البوعنانية. لقد خصص المحسنون للقلاق، الذي كان هذا عشه، أحباساً لرعايته في فترات البرد وشحة طعام اللقلاق، حيث كان اللقلاق الوحيد الباقي في مدينة فاس القديمة، إلى أن أمر بإزالته وزير للسياحة في فترة حكم الحسن الثاني (1961-1999). ومنذ ذلك العهد لم يعد أي لقلاق لبناء عش فوق صومعة سيدي اللزاز أو في غيرها من صوامع وأبراج المدينة العتيقة. وسيد اللزاز هو أحد أولياء فاس غير أنني لم أقف له على ترجمة في أحد من المصادر التاريخية.

يمثل هذا السوق أهمية كبيرة لساكنة الجزء الشمالي والغربي من مدينة فاس، فهو مصدرهم الوحيد للتزود بما يحتاجونه لحياتهم الغذائية اليومية، وأيضاً للمطاعم الشعبية الكثيرة التي في ساحة باب بوجلود الداخلية (السراجين) وحولها. كما أن له أهمية جمالية، تجمع بين السوق التاريخي والعمراني حيث يضم المسجد والمقهى والمدرسة العلمية والساعة الزمنية، ما جعل المخرج محمد بن عبد الرحمان التازي يختاره لتصوير مشهد من مشاهد فيلمه “البحث عن زوج لامرتي” والذي كتبته المخرجة وكاتبة السيناريوهات فريدة بليزيد وعرض في القاعات السينمائية سنة 1993.

في وسط هذا السوق الجزارين وعلى الجهة اليسرى، هناك درب يعرف بدرب المجانة، أو دار المكانة، أي الساعة المائية. والتي كانت أجراسها الثلاثة عشر تعلو الجدار المقابل للمدرسة البوعنانية. وهي عبارة عن طاسات كبيرة من النحاس تسقط في كل واحدة منها ميكانيكياً كرة نحاسية على رأس كل ساعة. لقد كانت هذه الساعة التي أمر بإنشائها السلطان المريني أبو عنان المريني سنة 1357م، فريدة الصنع في زمانها، وكانت تعتبر أكبر ساعة مائية في العالم الإسلامي. وبعد فترة من الزمن طالها العطل ولم يهتدِ المهندسون حتى اليوم إلى التوصل لطريقة اشتغالها. لقد حيكت الأساطير عن سبب عطلها، فمن بين ما قيل: إن يهودياً فقيهاً في التوراة، كان يسكن في الدرب المجاور لهذا السوق والذي يبعد عن الساعة بعشرات الخطوات “درب بن سالم”، وكانت زوجته حاملاً، وحين دقت الساعة، فُزعت زوجة اليهودي، فأسقطت حملها، ما جعل اليهودي ينتقم من الساعة، فعزم عليها بأسرار من علم التوراة، فعطلها إلى الأبد.

في درب المكانة سكن العالم اليهودي القرطبي موسى ابن ميمون (1135-1204) في فترة خروج أسرته من الأندلس إلى فاس سنة 1159، حيث درس بالقرويين قبل توجهه إلى القاهرة والدخول في خدمة صلاح الدين الأيوبي. وكان طبيباً وعالماً فلكياً بارزاً وفقيه في الديانة اليهودية، ويعتبر عند اليهود أكبر علمائهم بعد موسى على الإطلاق، حتى إنهم يقولون: “ما بعد موسى (النبي) إلا موسى (بن ميمون).”

وتوجد قبالة الساعة مباشرة، المدرسة البوعنانية والتي هي الأخرى آية في جمال الهندسي العمراني المغربي ـ الأندلسي، من تأسيس أبي عنان (1329-1358) سنة 1350م. فهذه المدرسة الجامع والوحيدة من بين المدارس العلمية العتيقة إلى جانب مدرسة الصفارين التي لها صومعة، والتي تقام بها صلاة الجمعة من بين كل المدارس في فاس.

كما جرت العادة في كل مساجد المغرب، ما أن يؤسس مسجد أو جامع إلا ويربط به ميضاء (مرحاض) سواء في داخله أو قبالته. والمدرسة البوعنانية لها ميضة تقابل مدخلها الرئيسي مباشرة ولا يفصلهما إلا خطوات من ممر سوق الجزارين. فهذه الميضة هي أجمل ميضة، مراحض، في فاس القديمة برمتها، يتوسطها ممر مائي عبارة عن صهريج مستطيل، وقد وُشِّيَ سقف الميضة بقبة خشبية ذات زخرفات رائعة، كما كسيت جدران الميضة بفسيفساء من الزليج البهي. بقيت هذه الميضة تعمل إلى نهاية السبعينات من القرن الماضي، ثم ورد ترميمها من قبل وزارة الثقافة، وكان المشرف على مشروع ترميمها المهندس عز الدين بلمليح، الذي كان يعمل على تحويلها في شكلها الهندسي الأصلي إلى معرض للوحات الفنية، حيث إن المدرسة تشتمل على غيرها من المراحض داخل المدرسة.

للأسف، ونظراً للعراقيل التي وضعت أمام هذا المهندس الشاب ابن “حومة النواعريين” في المدينة، والذي تخرج من المدرسة العليا للهندسة في بروكسل، تم نقله إلى طنجة. وبقي هذا المشروع دون إتمام، كما بقيت هذه المعلمة التاريخية ميضة البوعنانية مغلقة إلى يومنا هذا.

أسواق الفكر والعلوم

بعد مغادرة سوق الجزارين والمرور تحت صابة طريانة، ينفتح سوق آخر هو عبارة عن خليط من الدكاكين الصغيرة للباعة والحرفيين والمعروضات السياحية. في بدايته على الجهة اليسرى نجد درب بن سالم، وفي مستهله جامع هو فرع زاوية الطريقة الصوفية التيجانية، الدائعة الصيت في المغرب وفي شمال وغرب إفريقيا، وخاصة في دولة السينغال التي يعد أتباعها بعشرات الملايين. ويعد هذا الجامع هو الفرع الوحيد للزاوية التيجانية في كل المدينة القديمة، وله صومعة تحاكي صومعة الزاوية الأم، والتي مقرها الرئيسي في حومة البليدة بالمدينة القديمة، حيث يرقد جثمان مؤسسها أبو العباس أحمد التيجاني (1737-1815). ومن أسماء الأعلام التي تحتفظ بها دروب هذا السوق، نجد درب سيدي درّاس بن إسماعيل (357هـ) الذي يعود له الفضل في إدخال المدونة الفقهية المنسوبة إلى سحنون إلى المغرب وترسيخ المذهب المالكي فيه.

في نهاية هذا السوق وعلى الجهة اليمنى منه، يوجد درب يسمى “رحى الشمس الفوقية” تمييزاً له عن درب رحاة الشمس التحتية، والذي لا يبعد كثيراً عنه. فقد اختلف في هذه التسمية، فمنهم يعتبر هذه التسمية تحريفاً لـ”رحبة الشمس” حيث لم يعثر على أثر لرحى في هذا الدرب، بل كان عبارة عن مكان مرتفع يقصده بعض سكان الدرب في أيام البرد للاستمتاع بدفئ الشمس حتى عاد مكان لقائهم “رحبة الشمس”. وقد خلد هذا الدرب شاعر الملحون محمد المدغري المكنى بالعيساوي الفلوس في قصيدته المشهورة “الدمليج” حين قال:

وطلعت على المنية سريع وراحت الشمس الاولى وديك الفوقيا

ولدرب بن عزاهم سرت كالح قلبي لهفان

يبدأ سوق جديد باسم الحمامصيين، حيث كانت قديماً جل دكاكينه تبيع الحمص المحمص وزريعة عباد الشمس، التي كانت ولا تزال مرغوباً فيها عند النزهات والخروج ظاهر المدينة وخاصة أثناء مشاهدة الأفلام في السينما. وكانت هذه المهنة شبه مقتصرة على الوافدين على فاس من منطقة طاطا في جنوب شرق المغرب. يشتمل هذا السوق يساراً على إحدى أجمل سقايات مدينة فاس، وبجانبها فندق يسمى “فندق عشيش” كان من الفنادق التقليدية التي تعرفها كل جهات فاس، ثم أصبح بعد الاستقلال مقراً للجمعة الخيرية، التي كانت تهتم بالناس المكفوفي البصر. حيث كان بعضهم ينتج منتوجات يدوية وكانت هذه المنتوجات تعرض على المواطنين للبيع. في الآونة الأخيرة تم هو الآخر إصلاحه ضمن برنامج إصلاح عدد من المباني التاريخية لفاس، لكنه بقي مغلقاً ولم يتم فتحه لوظيفة ما حتى الآن.

على الجهة المقابلة لفندق عشيش، درب صغير يتكون من منزلين، أحدهما حوله اعتقاد سائد، أنه كان سكناً لأحد أعظم علماء ومفكري العالم الإسلامي بل العالمي، العلامة عبد الرحمان ابن خلدون (1332-1406م)، أثناء فترة عمله بفاس كاتباً في بلاط أبي عنان المريني. ويشاع أن ابن خلدون كتب فيه بعض كتاباته، ومنها كتاب في التصوف “شفاء السائل وتهذيب المسائل”. غير أن المديرية الجهوية لقطاع الثقافة بجهة فاس مكناس قد أوضحت أنه: “من الصعب الجزم بصحة ما يتداول حول هذا البيت، في ظل غياب الوثائق المكتوبة أو الشواهد المادية التي تؤكد أن هذا المسكن كان فعلاً مسكناً للعلامة ابن خلدون، بما في ذلك كتابات ابن خلدون نفسه.” وذلك على إثر ملصق رفع على أعلى جدار الدرب في أكتوبر 2021، في فترة الأزمة الاقتصادية لجائحة الكورونا، تعلن فيه الأسرة المالكة عرض الدار للبيع، ما أثار حملة استنكار واسعة من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، ومثقفين وفعاليات مدنية ضد عرض منزل ابن خلدون للبيع. لما يمثله من حمولة تاريخية كبيرة على اعتبار أنه الدار الذي سكنها مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون حين أقام بمدينة فاس.

في منتصف هذا السوق، الحمامصيين، وعلى بعد خطوات قليلة في اتجاه جنوب الطالعة الكبيرة، هناك دار أخرى، تنسب إلى ذي الوزارتين العلامة الأندلسي لسان الدين الخطيب، (1313-1374) الشاعر، والمؤرخ والفقيه المالكي، والفيلسوف والطبيب والسياسي والمهندس. ومن أشهر كتبه التي تعد بالعشرات كتاب “الإحاطة في أخبار غرناطة”، وكان من أصدقاء ابن خلدون المقربين. واليوم يوجد ضريحه في المدافن المقابلة لأحد بوابات مدينة فاس الغربية، باب المحروق. غير أن ما قيل في حق دار ابن خلدون، ينطبق هو الآخر على دار لسان الدين ابن الخطيب، لا يوجد يقين يثبت أن هذه الدار سكنها لسان الدين ابن الخطيب. لفترة من الزمن كانت هناك لافتتان من خشب، إحداهما ثبتت على مدخل الدرب الصغير السالف الذكر، كتب عليها “دار العلامة ابن خلدون” والثانية على مدخل الدار المعتقد أنها لابن الخطيب كتب عليها “دار لسان الدين بن الخطيب”. بعد فترة من الزمن طالهما القدم وأزيحتا.

على بعد أمتار قليلة من المعتقد أنها دار ابن الخطيب نجد على الجهة اليسرى في اتجاه الجنوب، درب الميتر. هذا الدرب الذي سكنته شخصية علمية وسياسية وازنة، علال الفاسي (1910-1974) وهو من كبار علماء المغرب وخطبائه، درس ودرّس في القرويين، مفكر وكاتب ومن أبرز رموز زعماء الحركة الوطنية بالمغرب المطالبة بالحرية من الهيمنة الفرنسية والإسبانية، ومؤسس حزب الاستقلال. لم يكن علال الفاسي من الموقعين على وثيقة المطالبة باستقلال المغرب سنة 1944، لأنه كان منذ سنة 1937 منفياً في المستعمرة الفرنسية الغابون. يعد علال الفاسي أحد أقطاب الحركة الإسلامية الحديثة في القرن الماضي والتي دعت إلى تجديد السلفية التي قادها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وشكيب أرسلان ومحمد الطاهر بن عاشور ومحمد بن العربي العلوي، وغير هؤلاء. لقد ساهم علال الفاسي في ترسيخ الهوية الوطنية المغربية وعمل على ترسيخ المؤسسات القائمة على الشريعة الإسلامية والمبادئ الديمقراطية. وقد قدم هذه الرؤية الإصلاحية من خلال كتابه “النقد الذاتي”. وله مؤلفات في مقاصد الشريعة الإسلامية وفي القضية الفلسطينية.

الماضي الحاضر

بعد مغادرة سوق الحمامصيين، وقبل الدخول في سوق الحدادين حيث كانت تمارس صناعة الحدادة إلى بداية السبعينيات من القرن الماضي، يلاقينا درب يحمل اسم امرأة من أهم نساء الغرب الإسلامي في القرن السادس عشر والتي لعبت دوراً مهماً في تاريخ شمال المغرب: “درب الحرة” وهي السيدة الحرة (1485-1561) التي تعد أميرة الجهاد في البحري في شمال المغرب. ابنة الأمير مولاي علي بن راشد العلمي مؤسس وحاكم شفشاون (1440-1515) وأخت الصدر الأعظم إبراهيم بن راشد (1490-1539) في الدولة الوطاسية.

كانت زوجة حاكم تطوان وشفشاون أحمد المنظري، وبعد وفاته حكمت المدينتين من بعده من 1515 إلى 1542، ثم خطبها السلطان الوطاسي أبو العباس (1526-1549). وسميت بالحرة تيمناً بعائشة الحرة أم آخر ملوك بني الأحمر في غرناطة أبو عبد الله الصغير. وكان لها تعاون مع قائد الأسطول العثماني خير الدين بربروس وأحد أبرز رموز السيادة البحرية في البحر الأبيض المتوسط، ضد القوات الأوروبية الغازية وعلى رأسهم البرتغاليون. وتيمناً بجهادها البحري، فقد أطلق كثير من العائلات المغربية وخاصة في فاس وشمال المغرب وقتها اسم الحرة على بناتهم. وقد سكنت إحدى دور هذا الدرب في فترة إقامتها في فاس.

“سوق الحدادين”، صناعة الحدادة قد اختفت من هذه البقعة من المدينة القديمة، ولم يبق منها إلا الاسم، والذي كانت توجد منه ثلاثة أسواق تحمل نفس الإسم، اثنان في الطالعة الكبيرة والثالث في عدوة الأندلس. وقد عرف هذا سوق الحدادين للطالعة الكبيرة تغيرات، فمرة تحولت دكاكينه إلى مقاهي شعبية، ثم بعدها إلى معروضات سياحية من زرابي وهدايا تذكارية. في هذا السوق هناك زاوية مزينة بزخاريف الزليج والجص وخشب السقف، جُعلت في جدار جامع الغزلان أو جامع الحدادين الخارجي، يطلق عليها “مزارة مولاي ادريس”. تقول الرواية الشفوية، أن مولاي ادريس الثاني، جلس هنا ليستريح، فتبركاً بالخليفة ابن رسول الله، اتخذ الناس المكان مزاراً، لكل من لم تستعص عليه زيارة ضريح مولاي ادريس لسبب ما، أن يعوض زيارته بزيارة هذا المكان، وهي عملية تقريب الزيارة من المواطنين. وقبالة هذه المزارة والمسجد، يوجد مجمع بيع السمن والعسل والخليع المعروف بقاعة السمن. وقد كان من هذه المجمعات عدد في فاس، لكن اليوم لم يبق منها إلا هذا الوحيد في الطالعة الكبيرة، وهو عبارة عن فندق تقتسم أرضيته دكاكين بيع هذه المواد الغذائية والطابق العلوي هو عبارة عن بيوت صغيرة في غالبيها مستودعات للتجار.

في نهاية هذا السوق يلاقينا قوس دال على أن هنا كانت باب تفصل سوق الحدادين عن السوق التالي، سوق الدراقين. حيث كانت في القديم تصنع الدرق، و”الدّرقة التُّرْسُ مِنْ جِلْدٍ لَيْسَ فِيهِ خَشَبٌ وَلاَ عَقَبٌ.” كما جاء في المعجم. وقد أطلقت كلمة “الدراقة” في اللغة العامية على كل ستار أو حاجز بين شيئين. هذا السوق الذي عرف، كغيره من أسواق الطالعة الكبيرة، تغيرات جذرية عبر الزمن، فأصبح خليطاً من دكاكين الحرف اليدوية والباعة بالتقسيط ودكاكين المعروضات السياحية. في هذا السوق الرابط بين حدادين الطالعة الكبيرة وقنطرة بوروس، يوجد درب دخل تاريخ المغرب، من خلال منزلين لا يزالان موجودين فيه، سكنهما شخصيتان شاركتا في تغيير المسار التاريخي للمغرب. في هذا الدرب “درب بوحاج”، سكنت في دار توجد في مقدمته نسبياً، أسرة فاسية عريقة “بنو الحاج”، وكان لأحد أبنائها، الفقيه الحافظ، المحدث، الأصولي المالكي موسى بن عيسى بن أبي حاج الغفجومي المعروف بأبي عمران الفاسي، دوراً أساسياً شارك به في تغيير تاريخ الأندلس وشمال إفريقيا. ولد أبو عمران في فاس 976 وتوفي 1039م في القيروان.

فعلى الرغم من انتمائه إلى قبيلة جراوة الزناتية، فقد تضايقت منه دولة مغراوة الزناتية بعد توليها حكم فاس بعد انتهاء دولة الأدارسة. فقد أسهم أبو عمران الفاسي في إحداث تغييرات فكرية ومذهبية مهمة في المغرب، ما جعل العامة ترى فيه رائداً شعبياً يتزعم مبادرة الإصلاح، وهذا ما عرضه إلى مضايقات أمراء فاس المغراويين، فرحل من فاس إلى قرطبة ثم إلى القيروان ثم إلى الشرق، وفي بغداد حضر مجالس القاضي المالكي الداهية أبي بكر الباقلاني. وكان الباقلاني معجباً بحفظه. وكان الحافظ محمد ابن عبد البر يفتخر بأنه ولد مع أبي عمران في سنة ثمان وستين وثلاثمائة.

لقد لعب أبو عمران الفاسي دوراً أساساً كعقل مدبر في ظهور دولة المرابطين. فبعد أن استقر في القيروان، زاره أحد شيوخ جدالة الصنهاجية يحيى بن إبراهيم الجدالي أثناء رجوعه من الحج إلى المغرب، وطلب منه أن يرسل معه أحد تلاميذه إلى التخوم الصحراوية، ليعلم القبائل الصنهاجة أصول الدين ويرسخ لديهم تعاليم الدين الإسلامي، التي بدأت في شبه الاضمحلال. فأرشده الفاسي إلى تلميذه وجاج بن زلو اللمطي، الذي عين له هو الآخر، تلميذه عبد الله بن ياسين. وفي سنة 1070 تمكنت الدولة المرابطية التي أسسها عبد الله بن ياسين، من القضاء النهائي على الدولة المغراوية. فحتى يومنا لا يزال نعت القاضي أبي عمران الفاسي متداولاً على ألسنة التونسيين والليبيين من خلال مثل شعبي، ذلك إذا وقع حادث واستعصى على أحد أو جماعة حله يقولون: “هذه تحتاج قاضي فاس”.

للأسف الشديد، فدار هذه الأسرة الفذة بني الحاج تعاني من تصدع كبير وإهمال مفرط، ما قد يعرضها للانهيار.

الشخصية الثانية التي سكنت داراً في أسفل هذا الدرب هو محمد بن الحسن الوزاني الذي ولد ومات في فاس (1910-1978)، أحد أهم الزعماء السياسيين في تاريخ المغرب المعاصر ورموز الحركة الوطنية المغربية، مؤسس جريدة “عمل الشعب” والحركة القومية المغربية، مؤسس حزب الشورى والاستقلال، ثم لاحقاً حزب الدستور الديمقراطي. لقد شكل الوزاني وعلال الفاسي النقيضين من الناحية الفكرية والتكوين الثقافي والرؤية السياسية. ففي الوقت الذي كان فيه علال الفاسي من خريجي القرويين، كان الوزاني له خلفية قانونية ودرس في الجامعات الفرنسية ويكتب بلغتها المقالات، وهذا الصراع بين الزعيمين كان له تأثير على مسار الحركة الوطنية.

أسطورة حية

بعد مفارقتنا درب بوحاج بتاريخه الفكري والسياسي القديم والحديث، وعلى بعد خطوات قليلة منه في اتجاه الجنوب، نجد على بعد عشرات الأمتار من درب بوحاج، فندق اللباطة، الذي تعالج فيه منذ زمن طويل جلود الأغنام، حيث يتم إخلاؤها من أصوافها وتطهيرها من العفونة. على الرغم من منظر هذا الفندق الآيل للسقوط، وعلى الرغم من عفونته ورائحته الكريهة، فقد عشقه المخرج المغربي محمد عهد بنسودة (1969-2026) وأدخله التاريخ الفني السينمائي، حين حوله إلى مستشفى مرضى الجذام، في المسلسل التلفزيوني “عين الكبريت” والذي أنتجته القناة الثانية المغربية 2M سنة 2023، والذي يروي قصة مولاي يعقوب ولالة شافية بأسلوب الحكايات الشعبية المغربية وربطها بالعهد المريني. وعشق محمد عهد بنسودة الكبير لفاس، فقد صور في هذه المدينة سنة 2009 فيلمه “موسم المشاوشة” حكاية عن تقاليد المصارعة الحرة التي كانت تقام في داخل ضريح مولاي ادريس ويشارك فيها مصارعون من كل جهات المغرب.

في هذا الجزء التالي من الطالعة الكبيرة تواجهنا أسطورة “قنطرة بوروس”، أو باب بوروس، القنطرة التي وإن كان الواد يسير تحتها، إلا أن القنطرة كما هو متعارف عليها، لم يعد لها وجود، فقد بنيت الطريق مكانها منذ غابر الأيام، لكن اسمها بقي خالداً عبر الزمن.

اسم قنطرة بوروس يحمل تخمينات متعددة منها أنه مكان كانت تغسل فيه رؤوس الأغنام حيث إن فندق اللباطة السالف الذكر لا يبعد عنها إلا بخطوات. غير أن اسم قنطرة بوروس تقرنه الرواية الشفوية بأسطورة التنين ذي السبعة رؤوس والذي كان يروع الساكنة. فالرواية تقول: حين تم تأسيس فاس كانت هذه المنطقة عبارة عن غابة وكان يحتلها تنين له سبعة رؤوس وكان يقذف النار من كل فم من رؤوسه السبعة، إلا أن قضى عليه مولاي ادريس بقطع رؤوسه الستة بسيف جده علي بن ابي طالب، الذي هو اليوم فوق صومعة القرويين. فقال له التنين: “يا ولي الله لم لم تقطع رأسي السابع؟” فقال له مولاي ادريس: “لا يا عدو الله لن أفعل”، لأنه يعلم، إذا قطع رأسه السابع نبتت الرؤوس من جديد. وبذلك أصبحت المنطقة آمنة.

غير أن هناك رواية تقول: أن المكان كان يحتوي على منابع مائية كثيرة، ولحمايتها من النهب، روجت ساكنة هذه المنطقة أسطورة التنين بسبعة رؤوس حتى تخيف لصوص الماء. لكن هذه الرواية جد ضعيفة، فلا يعرف في تاريخ فاس تسمية العيون المائية بالجمع رأس، رؤوس، فنحن نعرف رأس الماء، أو رأس العين، لا رؤوس الماء أو رؤوس العيون.

في نفس الحي وفي درب المنية توجد دار للإقامة وللنشاط الثقافي والاجتماعي “نادي المدينة الاجتماعي.” جاء في الورقة التي تقدم بها الدار فعالياتها: “نادي المدينة الاجتماعي هو نزل ثقافي يقع في قلب مدينة فاس القديمة. وهو مكان للتضامن والتنوع والتبادل والمشاركة، ويهدف إلى أن يكون مكاناً للإقامة، ومطعماً عالي الجودة، ومسرحاً مفتوحاً للأنشطة الاجتماعية والثقافية.” في هذا الفضاء تقام محاضرات، وندوات ومعارض للرسم ودروس للطبخ وورشات الأعمال اليدوية وتعليم الخط العربي.

حقبتان من التاريخ

حين ننحدر مع سوق الشرابلين، الذي كان في القديم سوق الصفارين، قبل انتقال هذه الصناعة اليدوية إلى حيث هي الآن في أسفل جامعة القرويين. هذا السوق الذي يمكن اعتباره بداية الجزء الشمالي والشرقي لعدوة اللمطيين. حيث كانت تصنع شربيل النساء. و”الشربيل”، يقول الدكتور عبد الهادي التازي: “اسم ينحدر من اللغة الإسبانية القديمة، والتي تعني النعل أو الحذاء المصنوع في مدينة إشبيلية (Seville).”

في الجزء ما قبل الأخير من هذا السوق، نجد على الجهة اليسرى من السوق وقبالة سقاية جامع الشرابليين، درب بن سليمان. في الدار الثانية على اليسار من هذا الدرب، سكن مولاي علي الشريف جد الأسرة العلوية الحاكمة، قبل قيام الدولة العلوية، وكان يعلم الصبيان القرآن في مسيد الحي. وهذا شيء مثبوت في رسم ملكية هذه الدار.

قبالة هذا الدرب، بن سليمان، سقاية مسجد الشرابليين، الذي بني عام 1342م في عهد السلطان علي بن عثمان المريني المكنى أبو الحسن (1297-1351) وكان أكبر سلاطين بني مرين سناً، وقد حكم من (1331 إلى 1348) وتم ترميم المسجد لاحقاً على عهد السلطان العلوي مولاي سليمان (1792-1822). وقد احتفظ المسجد بمدخله الأصلي وبصومعته ذات الطراز الهندسي المريني.

يقابل المسجد ميضة للوضوء ككل المساجد العتيقة، وفوق هذه الميضة هناك سكن صغير، يعرف بالمصرية، كان في الغالب يوضع تحت تصرف إمام المسجد كمكان استراحة. في هذه المصرية قضى آخر كبار شعراء الملحون في فاس محمد المدغري الشهير بالعساوي الفلوس، آخر أيامه معتكفاً، والذي توفي سنة 1955. وقد اشتهر بقصائد مثل الدمليج والحراز وحمان، وله كثير من القصائد الوطنية. يقول الدكتور عباس الجراري في كتابه “القصيدة” نقلاً عن محمد بن الهاشمي الفاسي: “وإن كثيراً من قصائد هذا الشاعر الوطنية ضاعت بسبب إحجام المنشدين عنها لخوفهم من سلطة إدارة الحماية. بل إن الفلوس نفسه خشي الأمر بعد أن حذره رجال الشرطة، فأخذ مجموعة من قصائده الوطنية ودفنها في إحدى المقابر حتى لا يعثر في بيته على شيء منها إذا ما فُتش، علماً بأنه كان غالباً ما يخفي اسمه “محمد” في قصائده بمثل هذه الرموز: أسمي لللا والبا، اسمي كعب، اسمي عبك… لكن السلطات الاستعمارية كان لها من العيون والجواسيس من يدركون مثل هذه الرموز.”

في نهاية هذا السوق وقبل أن ندخل سوق الطرافين، نجد تحت الصابة التي فوقها مسيد للقرآن، مظهراً من مظاهر الحضارة المغربية الإسلامية، سقاية على مستوى أرضية الشارع، يطلق عليها سقاية الكلب، وهي فعلاً سقاية بنيت على هذا المستوى الواطئ حتى تردها الحيوانات الطوافة على الإنسان من كلاب وقطط، فتروي عطشها من مائها. وتاريخياً، وُجدت في مدينة فاس العتيقة أحواض ومناهل مائية منخفضة (سقايات واطية) مخصصة لسقاية الحيوانات الأليفة والضالة والطيور، لتتمكن من إرواء عطشها بمحاذاة الأرض. ولم يبق منها اليوم إلا سقايات معدودة على الأصابع.

المدينة الأصل

في نهاية سوق الطرافين نجد قوساً وفي أعلاه بقايا باب المدينة الإدريسية التي كانت تنتهي هنا بنهاية سوق التيالين. أما ما بعد هذه الباب من الزيادات التي عرفتها المدينة فكانت على مراحل، منها ما أضافته الدولة المغراوية، ومنها ما أحدث في فترة حكم السلالات التي تعاقبت على حكم المغرب من المرابطين حتى العلويين.

فبعد بوابة المدينة الإدريسية، يبدأ سوق التيالين، وهو سوق صغير، كانت تباع فيه “التولة” أو”التيلة”، كما جاء على لسان العلامة والمؤرخ الدكتور محمد التازي سعود: “وهي عبارة عن حقيبة صغيرة من القش تحتوي على المرآة والكحل وأحمر الشفاه، ومما تحتاجه العروس البدوية للزينة.” ويقول الدكتور التازي سعود ومن كلمة التولة انشقت كلمة Toilette des femmes. غير أن بعض الباحثين يحيل كلمة التيال إلى غربال كبير يستعمله الرحويون. لكن القاموس العربي يساند ما ذهب إليه الدكتور التازي سعود حين يقول: “تِيل: نبات من الفصيلة الخُبَّازية، يُسْتخرج من سيقانه ألياف تُصنَع منها الحبال والأكياس.” وقد بقيت هذه الأكياس الصغيرة تباع في سوق العطارين بفاس إلى نهاية التسعينات من القرن الماضي. في الجزء الثاني من هذا المنحدر يأتي بعد سوق التيالين سوق الغرابليين، المخصص لصناعة الغرابيل المنزلية التي يستعملها النساء لغربلة الدقيق.

في نهاية هذا السوق يوجد على الجهة اليسرى منه، مزار يطلق عليه خلوة سيدي عبد القادر الجيلاني، (1077-1165) نسبة إلى جيلان ويقال له الكيلاني والجيلالي، يعد من الأعلام البارزين في عالم التصوف. وقد جاءت تسمية هذا المكان بخلوته، بناء على شهادات من بعض الناس الذين رأوه يتعبد في هذا المكان، مع العلم أنه لم يرد تاريخياً أنه زار المغرب. فاستناداً إلى هذه الرواية، قام السلطان المريني (المستعين بالله) إبراهيم بن عثمان أبو سالم (1335-1361) سنة 762هـ ببناء هذه الخلوة وهي عبارة عن مسجد صغير، كما ذكر ذلك محمد بن الطيب القادري في كتاب “التقاط الدرر ومستفاد المواعظ والعبر..” وكذا محمد بن جعفر الكتاني في كتاب “سلوة الأنفاس..” تضم الخلوة بعض مقابر ذرية الجيلاني. وكان المسلمون الأفارقة المنتمون إلى الطريقة القادرية، التي تعد أول الطرق الصوفية التي وصلت إلى غرب إفريقيا وثاني الطرق انتشاراً بعد الطريقة التيجانية، قبل الذهاب إلى الحج أو العودة منه، يحجون إلى فاس للتبرك بذرية عبد القادر الجيلاني.

ومما يذكره المؤرخون، بعد فتح محمد الشيخ السعدي مدينة فاس سنة 956هـ نجا أبو حسون علي بن محمد الشيخ آخر السلاطين الوطاسيين من الاعتقال، لجأ أولاً إلى ملك إسبانيا ثم إلى كارل كان إمبراطور المملكة الرومانية المقدسة ثم إلى ملك البرتغال. وحين لم يلق منهم دعماً توجه إلى الولاة العثمانيين في الجزائر، وكانوا قادريين. فساندوه بحامية عسكرية فسيطر على فاس واستعاد ملكه، وبايع أبو حسون خليفة القسطنطينية، وقد خُطب باسم الخليفة العثماني أسبوعين على منبر القرويين وتمت الصلاة باسمه والدعاء له. فقامت معركة في أزقة وشوارع فاس بين القادريين المشرقيين والجزوليين أتباع الإمام الجزولي صاحب دلائل الخيرات، وكانت معركة شديدة انتهت بفرار الأتراك ومعهم أبو حسون المريني. وكانت بداية العصر السعدي.

بعد بضعة أمتار، من خلوة مولاي عبد القادر الجيلاني، نقف على حكاية أخرى على الجهة اليمنى من سوق الشكايريين، حيث هناك عين ماء وقد تم إغلاقها إلى جانب إغلاق العديد من عيون الماء في المدينة في فترة نهاية الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي على إثر انتشار وباء الكوليرا في فاس، يقال لها “عين علو”. وقد أصبح السوق كله بما فيه الحدادين وما بعدها إلى باب سوق العطارين يسمى باسمها. هنا أيضاً تقول الرواية الشفوية: إن في هذه المنطقة كان قاطع طريق إسمه علو، يتعرض للمارة ولكل راغب في سقي الماء من هذا العين بالسلب والنهب، إلى أن قتله مولاي ادريس بنفسه، فأصبحت المنطقة آمنة. يقابل العين دكان كان داخله ممر سري تحت الأرض يربط بين عين علو وبرج الشمال، وقد كان يستعمل لتهريب سجناء الاستعمار الفرنسي وطريقاً للمقاومة الوطنية إلى أن أغلق بعد استقلال المغرب وأصبح مجرد دكان كما هو اليوم. في نهاية هذا السوق يواجهنا سوق العطارين، الذي خصصنا له سابقاً مقال بعنوان “مشاهد حية من العطارين”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • KITAB
    الإثنين 7 شتنبر 2026 - 22:12

    لا يسع القارئ سوى أن يشد بحرارة على يد الأستاذ الذي استنفر كل مجهوداته العلمية ليقوم بعملية استنطاق دروب وأزقة وحومات فاس البالي، ليمكن القارئ على الوقوف بالكلمة المنحوتة الفصيحة على كنوز فاس وعراقتها التاريخية والحضارية، ويستشعر القارئ أن الأستاذ يتأنى كثيراً في إرجاع الأسماء إلى أصولها التاريخية، كما يلاحظ وبشكل لافت أن شخصيات علمية وفقهاء ووزراء وحكام وأمراء استوطنوا هذه المدينة وغرفوا من ينابيعها، برأيي هذه المقالة يمكن اعتبارها ؛ لعمق معارفها وأبحاثها النفيسة ؛ وثيقة سردية جد مهمة حول مدينة فاس بالرغم من أن الأستاذ لم يأت على نواح كثيرة منها، كمدرسة الصفارين ومنزل الشيخ الجزولي صاحب دلائل الخيرات والسبطريين التي كانت إلى عهد قريب دلالة الكتب، كما أن الغوص في أبوابها ورحابها يستدعي مجلدات أقول مجلدات وليس كتبا، سلمات

  • دروب المدينة العتيقة .
    الثلاثاء 8 شتنبر 2026 - 00:04

    تتميز مدينتا مراكش وفاس بصيف حار جدا لذا جاء تصميم أزقتهما الضيقة التي لا يتعدى عرضها أحيانا المتر أو المترين ليضمن حجب أشعة الشمس المباشرة عن الجدران والأرضيات معظم أوقات النهار. يساهم هذا التصميم في خلق مسارات ظليلة وتوليد تيارات هوائية لطيفة، مما يخفف من حدة الحرارة خارج المنازل وداخلها. ​كما تتميز غالبية هذه المنازل بوجود واجهة واحدة مطلة على الدرب، بينما تفتح نوافذها في الغالب على الصحن الداخلي (قاع الدار او المراح) بدلا من الواجهة الخارجية، باستثناء بعض الفتحات الصغيرة في الغرف العلوية على السطح، والتي صممت بحيث لا تكون مواجهة لفتحات منازل الجيران مراعاة للخصوصية.

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 12

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 3

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 7

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة