الطفل وسياقات التحرُّش

الطفل وسياقات التحرُّش
الخميس 21 غشت 2025 - 12:29

تركت الحافلة تطوي بتؤدة، دابة شائخة، تلك المنعرجات الجبلية الوعرة، رغم جاذبية مناظرها الطبيعية؛ حين التوقف قليلاً وإلقاء نظرة استجمام تأملية.

أحسست برغبة شديدة في النعاس، على غير عادتي تماماً، ثم غفوت قليلاً. استسلمت حواسي وانطفأ توقُّدها. افتقد وعيي ما يجري حولي. بالكاد أضحيت جثة هامدة، حتى اهتز كياني وانبعثت من عدم، نتيجة وقع صوت جهوري مزعج.

فتحت عينيَّ بصعوبة متثاقلة، فالنوم يسطو على بؤرتيهما. حاولت معرفة مصدر الصوت؛ إنهما راكبا المقعدين الإمامين: رجل متوسط العمر، وطفل في بداية عقده الثاني:

— “أوصيتك يا هذا غير ما مرَّة: عدم السماح لأي شخص غريب بتقبيلك. ‘ماتبوس مايبوسك’، وإن على سبيل التحية. قلت لك: اكتف فقط بالمصافحة، أو مجرد تفاعل شفهي مع ابتسامة فاترة من باب الأدب!”.

ارتفعت نبرة صوت الأب، فوضعية الطرفين تحيل كلياً على هذه الرابطة، بينما بدا الصغير منتبهاً لمضمون الخطاب، مع ذلك تنم نظراته المترنحة عن تيه وعدم استيعاب لمختلف دلالات الوصية الملقاة.

حينما انتهى الرجل، أشاح الطفل بوجهه نحو النافذة، ثم غيَّر وضعية جلسته إلى شبه استلقاء، مفصحاً عن رغبته في النوم.

استعادت الحافلة هدوءها السالف بعد الرجة المباغتة، جراء احتجاج الأب المفترض على سلوك ابنه، ثم انفلات حمولة صوته عن مجاله الخاص. مثلما استعاد المسافرون خمولهم؛ فالوقت ظهيرة، والشمس عمودية، وهول المنعرجات المستندة على الموت مباشرة، أدخل العابرين عنوةً بوتقة صمت خاشع.

استفزتني تفاصيل الواقعة. تعاطفت ضمنياً مع حيرة براءة الطفل، وعدم استساغته – كما أبانت سيمياء ملامحه – دلالات كلام أبيه. حينها، تقاطرت على خيالي بعض سياقات ثقافة التحرش بطفل، سواء ذكراً أم فتاة، واختلاف معايير التأويل عبر اختلاف الأجيال والأزمنة والمنظومات.

داخل فضاء مراكش العتيقة، خلال العهود السابقة عن منظومتي العولمة والنيوليبرالية، اشتهر كل حي بزعيمه الشجاع، الأقرب إلى نموذج الفتوة الذي تمثلنا أولياته جيداً: الجسدية والسلوكية واللغوية، زمن ريادة السينما والمسلسلات المصرية.

امتلك الفتى الأول وبطل الجماعة المغوار معالم جسمانية معينة: كالنزوع نحو السمنة، تكور البطن، شارب كث قد يخفي وجود شفته العليا تماماً؛ أحياناً قد يكتفي بطريقة هتلر، تصاميم ندبات – كبيرة أو صغيرة – على سحنة وجهه، تذكر القريب وتفزع البعيد بآثار معارك لا يشق لها غبار، فم تكشف أسنانه عن طقم فضي اللون أو أصفر قد يطول حجمه أو يقصر، تضفي على ابتسامته رعباً؛ لا سيما إذا كان صوته ثخيناً أجش، وتتداعى ارتدادات قهقهاته بعجرفة الأسياد.

لا بد أن يحمل الفتوة، من باب مفارقات القدر أو محض صدفة، اسماً غير نمطي يزيده رعباً على رعب، مثل: طبُّوخ، العقيرة، كبيدي، الغوشي، امصْران، ولد العسكري، ولد الحاجة، لشهب، العزيبة، الروبيو، لزعر، البودالي، محينيشة، القلدة، كينكو، إلخ.

غالباً ما ينطوي فريقه المساعد، وخاصة خاصته – وهذا بيت القصيد -، على شاب ليس بالضرورة وسيماً، ولا مخنثاً، ولا أيضاً متغنِّجاً أو حتى صاحب طيف ناعم أقرب إلى جنس الإناث من الذكور، ارتباطاً بالمنظومة التقويمية خلال تلك الفترة، لكنه يجسد غلام متعة الزعيم وحصيره لحظات الاسترخاء أو إلحاح الحاجة. لا يفارقه قط، سوى عند الضرورات القاهرة، يقضي بوفاء مختلف حوائجه اليومية، ينفذ مهمات السخرة المألوفة والقذرة أيضاً، مثل استدراج بعض النسوة اللواتي جذبن اهتمام سيده وأسلن لعابه.

إذن، انطوت التشكيلة السكانية لدروب المدينة الأثرية على ثنائي من هذا النوع: يرمز الأول إلى الفحولة والجبروت، بينما يرمز الثاني إلى المتعة والخضوع. الأول مشهور لدى الجماعة، يحترمونه خوفاً واتقاء لشره، كما يتحمل بدوره – ضمنياً ومع مرور الأيام – مهمة إبقاء الحي في وضعية مهيبة، لا يجرؤ الغرباء على الإخلال بنظامه العام. أما الثاني، فيعيش تحت كنف الفتوة، وحدهم المقربون يعلمون حقيقة علاقتهما.

تبعاً لمواصفات الطراز القديم، لم تكن تظهر على هذا الأمرد تجاوزاً العلامات الفيزيولوجية الفاضحة. قد يتعرض لضرب مبرح وعقاب صارم من طرف الفتوة إذا اقترف للحظة ما إخلالاً بالتعاقد العرفي: كالغياب لفترة طويلة، أو مصاحبة شخص آخر، وأحياناً بلا سبب يذكر، فقط نتيجة انغماس الفتوة في زجاجة خمرة غاية الثمالة تماماً؛ حينها يغدو الأمرد المسكين مجرد كيس ملاكمة، فتتسع خريطة وجهه للكمات معتبرة ثم كدمات خالدة.

عموماً، بخصوص أطفال تلك الفترة، لم يكن استيعابهم لشيء اسمه التحرش، مثلما الوضع حالياً، وظلت مستويات اليقظة عند حدودها الدنيا، لكن ذلك لا يحيل على سياق مجتمع ملائكي أو انعدم البيدوفيليون المتيّمون بالصغار والجنس المثلي، المترصدون لخلوة الأطفال.

في هذا الإطار، اتجه آنذاك تحذير الآباء لأطفالهم بالتركيز أساساً على تجنب وضعيات الاستفراد داخل الحمامات الشعبية، المقابر، وكذا المراحيض العمومية؛ لأنها الملاذات الأكثر تحفيزاً بخصوص إمكانية حدوث اكتساح نزوي سريع للغاية يغتال ذكورية الذكر، وقد جرت وقائع من هذا القبيل.

أما عن بائعات الهوى، فقد احتشدن وقتها داخل أوكار ثلاثة أحياء في مراكش، على أبعد تقدير، يعود إرث واحد منها إلى الاستعمار الفرنسي. أتذكر تواجد صالة سينمائية عند مدخل ماخور – أضحت الآن نسياً منسياً – اشتهرت أكثر من غيرها بعرضها خلال فترات متقاربة أفلاماً بورنوغرافية أو “أفلام لا مور” كما نعتها التداول الشعبي، بحيث يسرع بعض المتفرجين بعد انتهاء الفيلم – وقد ارتدى أغلبهم، للمفارقة، جلابيب شتوية في عز القيظ – لولوج أول بيت دعارة كي يعيش واقعياً ما شاهده خيالياً، وتتراوح التسعيرة بين درهمين وخمسة دراهم.

هل تفضح البيدوفيلي ملامحه؟ صحيح: يسهل كشفه للوهلة الأولى من لدن كل صاحب ذكاء اجتماعي، خبر الأوضاع والحالات. مع ذلك، سنَّ له شباب الحي الكبار، العارفون بالخبايا، صفتين جسميتين موحيتين فورياً بخصوص نماذج هذا الشخص: أنف طويل ومعقوف – لذلك نُعت البيدوفيلي في الثقافة الشعبية ب”المنقار” -، وعينين شبه جاحظتين لا يتوقف دورانهما بكيفية لافتة للانتباه، ويعود ذلك ربما إلى استقراء شامل ومسح المكان حتى لا يضيع أي فرصة تذكر لاقتناص الطريدة، وأيضاً ارتفاع منسوب الحرص والحذر.

أخيراً، يقع التباس مهول حينما يكون شخص معين فرداً منفتحاً بأريحية ودون خلفيات على عالم الأطفال، عاشقاً لوجودهم بجانبه، يعثر على سلواه لحظة مجالسته طفلاً وخلق أجواء التسلية معه؛ قد يحدث إبانها الخلط والاضطراب وسوء التقدير والمغالاة في التأويل، بحيث تشير الأصابع همساً نحو هذا الشخص، وينعت تعسفاً دون روية، ثم تسري عليه ظلماً وصية أب الحافلة لابنه: “ماتبوس مايبوسك”.

كيف نربي طفلاً سوياً، متوازناً فكرياً ونفسياً وعاطفياً، قصد وضعه ضمن السكة الجديرة بأن تخلق منه إنساناً أولاً وقبل كل شيء؟

حتماً، العملية ليست سهلة وفي غاية التعقيد والتداخل، تقتضي قدرات خاصة غير متاحة للجميع بالسهولة المفترضة. ربما أكبر دليل أن جان جاك روسو، بكل عظمته الإنسانية وعبقريته الذهنية، قد اعتراه بعد التنظير والتطبيق العجز والفشل، ثم استسلم وقرر في نهاية المطاف الإسراع بأبنائه الستة إلى ملجأ للأيتام، وقال قولته الشهيرة: “امتلكت قبل أن أتزوج ست نظريات في تربية الأطفال، أما الآن فعندي ستة أطفال وليس عندي نظريات لهم”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • اشراقة امل
    الخميس 21 غشت 2025 - 18:21

    تبدو شخصيات ” الفتوة و صبيه ” كما لو أنها هاربة من ملحمة الحرافيش لنجيب محفوظ..
    يمتاز سردك أيضا بالكثير من الواقعية الاجتماعية بالإضافة إلى التحليل العميق لمختلف الظواهر الاجتماعية التي انطوت عليها الحارة المراكشية مع التحليل النفسي و السلوكي للإنسان موضوع الظاهرة فمن الحمام الشعبي إلى مختلسي اللذات خارج أسوار المسابح و على جنبات المقابر إلى حكايات ساحة جامع الفنا و غيرها الكثير
    أحيي عاليا جرأتك على تحريك المياه الآسنة و التطرق للمسكوت عنه من الظواهر الشاذة
    دام لكم الابداع و التألق استاذ سعيد بوخليط

صوت وصورة
الراشدي يشيد بالبرنامج الانتخابي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:37

الراشدي يشيد بالبرنامج الانتخابي

صوت وصورة
فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:00

فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"

صوت وصورة
مغاربة يشيدون بإنجاز أسود الفوتسال
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 12:50

مغاربة يشيدون بإنجاز أسود الفوتسال

صوت وصورة
استقالات وتعيينات بمجلس النواب
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 10:51

استقالات وتعيينات بمجلس النواب

صوت وصورة
التوقيت الميسر بين الاختيار والإجبار
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 09:05

التوقيت الميسر بين الاختيار والإجبار

صوت وصورة
جلسة عمل | جمال العسري
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 23:45

جلسة عمل | جمال العسري