العقل الحقوقي

العقل الحقوقي
الخميس 26 دجنبر 2024 - 13:18

يخلد العالم يوم عاشر دجنبر من كل سنة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، للوقوف على الإنجازات المنجزة في مجال حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها كونيا وفق المواثيق الدولية، بما في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والهيئات الدولية ذات الاختصاص. وذلك قصد تطبيق ثقافة حقوق الإنسان من طرف الدول والشعوب حتى تعيش بكافة حقوقها غير منقوصة وتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

وطنيا، استطاع المغرب دولة ومجتمعا من تطوير ثقافة حقوق الإنسان عبر تضمينها والتنصيص عليها في دستور 2011. وذلك بفضل العمل المتواصل للحركة الحقوقية المغربية والتفاعل الإيجابي للمؤسسة الملكية مع مطالبها ومع الفعل الحقوقي، قصد العمل الجماعي للنهوض بثقافة حقوق الإنسان في الفضاء العمومي. كما قام جلالة الملك محمد السادس بتأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة، التي ساهمت في معالجة كثير من ملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والاستماع لضحايا الانتهاكات والتعويض المادي والمعنوي مع ضرورة الكشف عن الملفات العالقة ومعالجتها والعمل بتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة لبناء مغرب حقوق الإنسان وعدم تكرار ما وقع.

في هذا السياق، يساهم الفاعل الحقوقي سواء من موقع المجتمع المدني أو الموقع الرسمي في نشر الثقافة والحقوقية ورصد الخروقات والتجاوزات في هذا المجال قصد معالجتها من طرف الجهات المختصة. وذلك اعتمادا على المجلس الوطني لحقوق الإنسان والجمعيات الحقوقية الفاعلة في المجال على الرغم من التحديات الثقافية وبعض العقليات التي مازالت غير قادرة على استيعاب وفهم ثقافة حقوق الإنسان التي لا تتناقض والمرجعية الكونية لهذه الحقوق.

إن العقل الحقوقي المغربي في حاجة إلى معالجة تناقضاته وجعله في خدمة حقوق الإنسان بشكل نبيل وسليم حتى لا يسقط في تناقضات الشعبوية والسياسوية الضيقة، وحتى يستطيع الفعل والتفاعل والتواصل مع جميع المكونات الثقافية والاجتماعية داخل المجتمع، بهدف نشر ثقافة حقوق الإنسان والوعي بها بشكل سليم كثقافة متأصلة في ثقافتنا المغربية بمكوناتها العربية والأمازيغية والصحراوية ومنفتحة على كونية حقوق الإنسان.

أما على الصعيد العالمي، فإن سيرورة تطور ثقافة حقوق الإنسان لازالت تواجه مجموعة من التحديات مرتبطة أساسا باستغلال خطاب حقوق الإنسان وتوظيفه وفق المصالح السياسية والاقتصادية والثقافية للدول المتقدمة، واستغلال المنظمات الدولية للضغط على الدول النامية في ملفات حقوق الإنسان، لتكريس التبعية والهيمنة تحت غطاء الحقوق اللغوية والثقافية وتقرير المصير، قصد التدخل في سيادة الدول أو دعم الحركات الانفصالية. كما هو الحال في السودان وانفصال جنوبه بدعم أجنبي مستغلا خطاب حقوق الإنسان لتقسيم هذا البلد عوض دعمه على بناء دولته المدنية على كامل وحدته الترابية واحترام سيادته. ومازال هذا البلد يواجه تبعات التقسيم والحرب الأهلية، إلى حدود اليوم، أودت بحياة الآلاف من السودانيين العزل وتدمير المؤسسات السياسية والبنى التحتية للاقتصاد السوداني.

أيضا، مازال الشعب الفلسطيني يعاني من الاحتلال على أرضه وحرمانه من حقوقه العادلة لإقامة دولته وعاصمتها القدس. كما مازال يعاني من الإبادة الجماعية في غزة من طرف الجيش الإسرائيلي في خرق سافر للعهود والمواثيق الدولية وانحياز الدول الغربية للسردية الإسرائيلية متجاهلين حق الشعب المحتل في المقاومة والدفاع عن نفسه. وهو ما يجعل الدول الغربية في تناقض صارخ مع خطابها الحقوقي التي تروج له في منابرها الإعلامية وتمارسه بازدواجية وتناقض واضح مع باقي الدول والشعوب، حين يتعلق الأمر بفلسطين والعراق وسوريا واليمن وليبيا. وتتدخل بشكل مباشر أو غير مباشر لتدمير هذه الدول وتقسيمها والتشجيع على الانفصال، ضاربة عرض الحائط وحدة وسيادة الدول والشعوب.

وبالقدر الذي يعتبر خطاب حقوق الإنسان وثقافته مجالا استراتيجيا يتطلب من الدول والمجتمعات الاشتغال عليه بشكل سليم وفعال، لتحقيق المجتمع المنشود في الحقوق الفردية والجماعية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإن هذا الخطاب، في المقابل، يعرف توظيفا سياسيا واقتصاديا وثقافيا من طرف الدول الغربية لخدمة مصالحها وهيمنتها على العالم. وقد استعمل هذا الخطاب كذلك ضد الصين الشعبية في ملف التبت من طرف الولايات المتحدة الأمريكية. كما استعمل في عدة دول إفريقية وآسيوية ودول أمريكا اللاتينية.

إن العقل الحقوقي الغربي مازال يواجه مجموعة من التحديات تنعكس سلبا على سيرورة تطور ثقافة حقوق الإنسان، مرتبطة أساسا باستغلال خطاب حقوق الإنسان وتوظيفه وفق المصالح السياسية والاقتصادية والثقافية للدول الغربية، لتكريس التبعية والهيمنة تحت غطاء الحقوق اللغوية والثقافية وتقرير المصير، قصد التدخل في سيادة الدول أو دعم الحركات الانفصالية. وهذا يتطلب من الدول المتقدمة مراجعة سياستها في مجال حقوق الإنسان وعدم التعامل بازدواجية المعايير مع الدول والمجتمعات مع احترام وحدتها وسيادتها الوطنية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الأغلبية ترحب والمعارضة تنتقد
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 22:16 1

الأغلبية ترحب والمعارضة تنتقد

صوت وصورة
مجلس النواب يُنصب الحكومة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 20:25 4

مجلس النواب يُنصب الحكومة

صوت وصورة
المنصوري ترد على الأزمي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 19:10 19

المنصوري ترد على الأزمي

صوت وصورة
التصويت على البرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 18:32 7

التصويت على البرنامج الحكومي

صوت وصورة
الرميلي تعلن شرطة النظافة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 18:10 4

الرميلي تعلن شرطة النظافة

صوت وصورة
البرنامج الحكومي بعيون الأغلبية والمعارضة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 17:45 5

البرنامج الحكومي بعيون الأغلبية والمعارضة