العقل في الفضاء العمومي

العقل في الفضاء العمومي
السبت 25 يوليوز 2026 - 00:31

يشكل الفضاء العمومي المجال الذي يلتقي فيه الأفراد والجماعات لمناقشة القضايا التي تشغل اهتمامهم، سواء كانت اجتماعية، اقتصادية أو سياسية، وذلك باستعمال العقل وأخلاقيات الحوار، قصد معالجة المشاكل والأزمات بالبحث عن الحلول المناسبة بكل شفافية. كما أصبح استعمال العقل في الفضاء العمومي ضرورة ملحة لحماية الدولة والمجتمع من الشعبوية والعقل التقنوقراطي وسلطة المال. وقد عالج الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس مفهوم الفضاء العمومي في بعديه الواقعي والرقمي كمجال لتداول المواقف واقتراح الآراء لتشكيل الرأي العام والتأثير في سياسة الدولة والمجتمع. فكيف يساهم استخدام العقل في الفضاء العمومي في معالجة المشاكل السياسية والاجتماعية وبناء العيش المشترك؟ وكيف يساعد العقل التواصلي وإتيقا المناقشة على تحقيق اندماج الجميع في دينامية البناء الديمقراطي وتدبير ثقافة الاختلاف وترسيخ الاعتراف والإنصاف في المجتمع المعاصر؟

1- الاستعمال العقلاني للفضاء العمومي

يميز الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط بين الاستعمال الخاص للعقل باعتباره يدخل في المجال الخاص للفرد، واستعمال العقل في الشأن العام باعتباره مواطناً عاقلاً ومفكراً، يشارك برأيه مع الجمهور باحثاً عن الحقيقة ومتحرراً من الوصاية. وقد تأثر الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس بأفكار كل من كانط وهيغل وكارل ماركس لنحت مفهوم الفضاء العمومي كمجال يلتقي فيه المواطنون لمناقشة شؤونهم العامة بكل حرية وعقلانية. ويؤدي هذا النقاش العقلاني إلى تشكيل الرأي العام الذي يراقب السلطة ويقترح الحلول، دفاعاً عن المصلحة العامة للدولة والمجتمع.

في هذا السياق، يساعد استعمال العقل في الفضاء العمومي على تدبير الاختلاف واتخاذ القرارات، باعتماد قوة الحجج المنطقية والمقنعة عوض هيمنة العقل الأحادي، بما يضمن المصلحة العامة للدولة والمجتمع، لتحقيق العيش المشترك المبني على ثقافة الاعتراف والإنصاف. لقد انتقد يورغن هابرماس العقل الأحادي في سيرورة تطوره، حين انحرف عن مهمته في تحقيق الحرية والازدهار والسقوط في تشييئ الطبيعة واستغلال الإنسان. وعلى المستوى السياسي، أنتج العقل الأحادي البورجوازي النظام الشمولي في الدول الأوروبية ومصادرة الحريات العامة واندلاع الحروب المدمرة، في وقت كانت الشعوب تتطلع للديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية.

واستعمال العقل يتحقق بالفعل التواصلي كفاعلية ودينامية مجتمعية لتطوير المجتمع الديمقراطي والإنساني، وذلك لتجاوز أعطاب العقل الأداتي المتمركز على ذاته في إنتاج الأفكار والقرارات، وإشراك المجتمع في النقاش العمومي.

2 – الحاجة إلى العقل في الفضاء العمومي

يحتاج المجتمع المعاصر إلى فاعلية العقل في الفضاء العمومي قصد معالجة المشاكل والأزمات المركبة، وذلك بمشاركة الأفراد والجماعات بواسطة النقاش والحوار العمومي، باعتماد العقل التواصلي المنفتح على الديمقراطية لتدبير الاختلاف، بعيداً عن البروباغاندا والتلاعب بالعقول. كما تساهم العقلانية في تجاوز الشعبوية وأساليبها التي لا تحترم أخلاقيات التواصل وتدبير الاختلاف، بحيث تهدف إلى الهيمنة ومصادرة الرأي الآخر.

هذا، بالإضافة إلى هيمنة المؤثرين على الفضاء العمومي الرقمي وتناول القضايا المركبة والمعقدة بشكل سطحي وتبسيطي، يؤدي في كثير من الأحيان إلى المغالطة والتضليل، في وقت تراجع دور المثقف وتأثيره الفكري في تحليل ومعالجة القضايا المعاصرة التي تشغل الرأي العام، مما انعكس سلباً على اكتساب الوعي والفكر النقدي للتعامل مع مضامين المنصات الرقمية التي تعمل على توجيه الجمهور، باعتماد الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

في هذا السياق، أصبح تناول المشاكل الاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمع المعاصر يتم بشكل انفعالي وسريع في غياب استعمال العقل والتفكير والنقاش البناء. وهذا الوضع تستفيد منه الشعبوية لملء الفراغ والهيمنة على العقول بتأجيج خطاب الكراهية والعنصرية سواء في الدول المتقدمة أو النامية، وهذا ينعكس سلباً على تطلعات الشعوب لتحقيق الديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية.

3- العقل وإتيقا المناقشة في الفضاء العمومي

يعتمد العقل في الفضاء العمومي على إتيقا المناقشة كشرط لممارسة الحوار المتكافئ والعادل، التي تضمن مشاركة الأفراد والجماعات في تداول الأفكار والمواقف، بهدف التوافق حول الحلول والبدائل قصد معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بعيداً عن الإقصاء والإكراه. كما تتطلب إتيقا المناقشة الأمانة والصدق في الحجاج لتدبير الحوار البناء سواء في الفضاء العمومي الواقعي أو الفضاء الرقمي لمنصات التواصل الاجتماعي، مع تجنب العنف اللفظي والتضليل والخداع.

في هذا السياق، يهدف استعمال العقل في الفضاء العمومي إلى تدبير الاختلاف لتحقيق مجتمع يسوده الاعتراف والإنصاف، باعتماد المناقشة لمعالجة المشاكل والأزمات. كما تتيح العقلانية التواصلية مشاركة الجميع بما في ذلك الرأي المعارض، وذلك لتجويد القرارات المتخذة حتى تكون ذات مصداقية في التنفيذ، وضمان انخراط المواطن وتفاعله الإيجابي مع هذه القضايا بكل مسؤولية. ومن إيجابيات استعمال العقل في الفضاء العمومي تطوير الديمقراطية ومشاركة الجميع لبلورة الحلول والبدائل المقنعة التي ترضي المجتمع وتقدمه، وذلك بإدماج جميع الفئات الاجتماعية حتى تسود روح التضامن والاعتراف والإنصاف.

بالإضافة إلى ذلك، يساهم العقل التواصلي في الفضاء العمومي في توحيد الجهود الفردية للمواطنين وتحويلها إلى فعل إيجابي وبناء، يتوخى تحقيق التفاهم حول القضايا الخلافية بمنطلقات وأهداف عقلانية، ويعتمد الحجاج والمرافعة من أجل تحقيق الاعتراف والإنصاف وتقليص الفوارق الاجتماعية والحفاظ على السلم الاجتماعي والعيش المشترك. كما يحمي العقل المجتمع من المزايدات الشعبوية التي تزيد في تأزيم الوضع الاجتماعي.

خلاصة

يحتاج المجتمع المعاصر إلى فاعلية العقل في الفضاء العمومي قصد معالجة المشاكل والأزمات المركبة، وذلك بمشاركة الأفراد والجماعات بواسطة النقاش والحوار العمومي، باعتماد العقل التواصلي المنفتح على الديمقراطية النيابية والتشاركية الحقيقية لتدبير الاختلاف، بعيداً عن البروباغاندا والتلاعب بالعقول. كما تساهم العقلانية في حماية المجتمع من الشعبوية وأساليبها التي لا تحترم أخلاقيات التواصل وتدبير الاختلاف، بحيث تهدف إلى الهيمنة ومصادرة الرأي الآخر والهيمنة على العقول بتأجيج خطاب الكراهية والعنصرية سواء في الدول المتقدمة أو النامية.

بالموازاة، يحتاج العقل في الفضاء العمومي إلى إتيقا المناقشة قصد ممارسة الحوار المتكافئ والعادل، التي تضمن مشاركة الأفراد والجماعات في تداول الأفكار والمواقف، بهدف التوافق حول الحلول والبدائل قصد معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بعيداً عن الإقصاء والإكراه، وذلك باعتماد الأمانة والصدق في الحجاج لتدبير الحوار البناء سواء في الفضاء العمومي الواقعي أو الفضاء الرقمي لمنصات التواصل الاجتماعي.

-أستاذ باحث في الترجمة بالمعهد الجامعي للدراسات الإفريقية والأورومتوسطية والإيبروأمريكية، جامعة محمد الخامس، الرباط.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
حامي الدين والبراءة في الاستئناف
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 16:56 5

حامي الدين والبراءة في الاستئناف

صوت وصورة
ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 15:21 1

ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي

صوت وصورة
الراشدي يشيد بالبرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:37 1

الراشدي يشيد بالبرنامج الحكومي

صوت وصورة
فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:00 2

فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"

صوت وصورة
مغاربة يشيدون بإنجاز أسود الفوتسال
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 12:50 2

مغاربة يشيدون بإنجاز أسود الفوتسال

صوت وصورة
استقالات وتعيينات بمجلس النواب
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 10:51 1

استقالات وتعيينات بمجلس النواب