الفصل الخامس

الفصل الخامس
السبت 18 يوليوز 2026 - 01:12

في قريتنا، هذا العام، لا توجد أربعة فصول فقط كما يدرسها التلاميذ في المدرسة.

لدينا خمسة.

الخريف، والشتاء، والربيع، والصيف… ثم الانتخابات.

وللإنصاف، فإن الفصل الخامس هو أكثرها انتظاماً؛ يأتي كل خمس سنوات دون أن يُخلف موعده، حتى إن بعض الشيوخ يثقون في قدومه أكثر مما يثقون في نزول المطر.

كنت جالساً أمام المقهى حين أعلن الحاج العربي، وهو يرتشف كأساً من الشاي:

— لقد ارتفعت الحرارة.

قلت له:

— هذا أمر طبيعي يا حاج، فنحن في شهر يوليوز.

ابتسم بثقة العارف، وقال:

— لا أقصد حرارة الشمس… بل حرارة المرشحين. فالحملة الانتخابية في قريتنا بدأت مبكراً هذه المرة، حتى خُيِّل إليَّ أن موسم الوعود أصبح أطول من موسم الحصاد.

وفي تلك اللحظة، مرت سيارة رباعية الدفع لم يرها أحد في القرية منذ الانتخابات الماضية.

هز الحاج رأسه مبتسماً وقال:

— أرأيت؟ ألم أقل لك؟

ولم تمضِ سوى يومين حتى بدأت المعجزات تتوالى.

فالمرشح الذي كان يحتاج إلى موعد لزيارة أقاربه، صار يعرف أسماء الأطفال حديثي الولادة.

والرجل الذي لم تطأ قدماه المقبرة منذ جنازة والده، أصبح يمر بها كل صباح، كأنه المسؤول عن أحوال الموتى.

أما أكثر ما أدهشني، فهو أن أحد المرشحين أوقفني فجأة وسألني:

— كيف حال والدك؟

كدت أصدقه، لولا أن والدي توفي قبل ثمانية عشر عاماً.

ابتسمت وقلت:

— بخير… يسلّم عليك، وهو مشتاق لرؤيتك.

ومنذ ذلك اليوم، أدركت أن الحملة الانتخابية قادرة على هزيمة الذاكرة، بل وحتى قوانين الطبيعة.

أصبح مقهى قريتنا يشبه وكالةً للتشغيل.

شاب يعمل مع المرشح الأول صباحاً.

ثم ينتقل بعد الظهر إلى المرشح الثاني.

أما النساء، فقد اكتشفن أن موسم الانتخابات لا يقل كرماً عن موسم الأعراس.

كل يوم صينية شاي في بيت.

وكل مساء وليمة في بيت آخر.

أما صالح، الشاب المثقف، فكان يراقب كل ذلك بصمت.

سأله الشيخ عبد القادر:

— لماذا لا تنضم إلى إحدى الحملات؟ الجميع وجد عملاً.

ابتسم صالح وقال:

— أخشى أن أتعلق بالوظيفة، ثم تنتهي الانتخابات، فأضطر إلى انتظار خمس سنوات حتى يُجدَّد عقد عملي.

ضحك الشيخ حتى سعل، ثم قال:

— لا تقلق… حتى الوعود نفسها تُجدَّد كل خمس سنوات.

وسيأتي شتنبر.

وسترتفع الخطب فوق المنصات.

وستتسع الابتسامات على الوجوه.

وسيكتسي كل جدار بصور رجال يختلفون في الملامح، لكنهم يتشابهون في الوعود، حتى ليخيَّل إلى المرء أن خطاباً واحداً كُتب في ليلة واحدة، ثم نُسخ ووُزِّع عليهم بالتساوي.

ثم سيأتي يوم الاقتراع.

وبعده بأيام قليلة…

ستختفي السيارات.

وستختفي الابتسامات.

وسيختفي الرجال الذين كانوا يسألون عن صحة الجميع.

حتى الكلاب التي كانت تتبع المواكب الانتخابية ستختفي، بعدما أدركت أن الولائم قد انتهت.

وتستعيد القرية هدوءها القديم، كأن شيئاً لم يكن.

وتعود الفصول الأربعة إلى أماكنها…

أما الفصل الخامس، فلا يرحل حقاً.

إنه ينام فقط.

ينام خمس سنوات كاملة، ثم يستيقظ في الموعد نفسه، بالأبطال أنفسهم تقريباً، وبالوعود نفسها، وبالابتسامات نفسها، وكأن الزمن في قريتنا لا يمضي إلى الأمام، بل يعيد المشهد ذاته في كل مرة، ولا يغيّر سوى تاريخ الملصقات.

– كاتب وأستاذ جامعي بإسبانيا

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • Med
    السبت 18 يوليوز 2026 - 13:19

    الشكر الجزيل للأستاذ العربي الذي اتحفنا ا بهذا المقال المصوغ بأسلوب سلس يجسد من خلاله العلاقة بين المواطن وممارسة الاستحقاقات الانتخابية وتاثيرها في المجتمع المغربي من حيث مستوى درجة وعي المواطن و مصداقية البرامج الحزبية .

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56

أثمنة اللحم البلدي والمستورد