يقول جلالة الملك، حفظه الله، في خطابه أمام نواب الأمة يوم 09 أكتوبر 2026: ” إن الاعتزاز بالوطن هنا، ليس من أجل التباهي، والتعبير عن الرضى عن النفس؛ بل هو الحافز الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني”. هي كلمات محدودة تضمنتها فقرة ضمن خطاب ملكي إلى جانب فقرات أخرى تكثفت من خلالها رؤية واختيارات وتوجيهات، وتشابك فيها الاستراتيجي بالمرحلي، من أجل مغرب يتقدم. هي فقرة، أجدها، كمواطن تلقى الخطاب بروح وطنية صادقة، وبثقة كبيرة، وبما يقتضيه واجب التوقير والاحترام، ليست مجرد نص إخباري تأكيدي، وإنما هي فقرة تتضمن توجيها بيداغوجيا هدفه نقل الأثر، الذي من المفروض، على أساس هذه الروح الوطنية، وهذه الثقة، وهذا الانتماء، أن يثبت ويتحقق في ذات المتلقي، باعتباره مواطنا. لماذا؟ لأنه يجعل الاعتزاز بالوطن، كاختيار قيمي، بمختلف أبعاده: هويته الحضارية، ثوابته الجامعة، مؤسساته، ماضيه وحاضره ومستقبله، ضمن علاقة جدلية مع الانتماء والمسؤولية والثقة. ومن ثم، فإن الانتماء للوطن قائم، بالضرورة، على رؤية واختيارات ومواقف تترجمه، وتصب في مجرى تقدم الوطن ونهضته، وفي مجرى استقراره وتحصين ثوابته ومؤسساته؛ وأن المسؤولية، على أساس هذا الانتماء، هي موقع، وفعل، ومشاركة في البناء. فقد تختلف المواقع ويبقى الجوهر واحدا والغاية واحدة، هي الوطن، والنداء هو نداء الوطن، ولا شيء غير الوطن؛ أما الثقة فهي، في ظل هذه العلاقة الجدلية هي الحاضنة لجودة المشاركة والانخراط وصناعة الأمل الوطني والمجتمعي، وهي الرهان المعزز لتجاوز معيقات الحاضر واستشراف المستقبل، إنها واجب وطني تترجمه رؤى الفاعلين، واختياراتهم الوطنية، ومواقفهم، وممارساتهم.
لماذا هذا الاقتباس في هذه المقدمة؟ لأننا كمغاربة، نحن اليوم في حاجة إلى مثل هذا الخطاب، الخطاب الذي يجعل العقل الجمعي والوطني مصدر قوة، لكن العقل الجمعي ذاته يحتاج إلى روح تسنده وتوجهه وترعاه، روح تجدد فيه الثقة والأمل، وخاصة إذا كنا نفكر في قضايا أمتنا، بما هي حاضر ومستقبل. فالأمم، في المراحل التاريخية الحاسمة، وفي الظروف العصيبة، تحاج إلى مثل هذا الخطاب، خطاب مركب، يقيم سردية وطنية وفق خصوصية الوطن ذاته، سردية تستحضر الماضي وخصوصياته ومميزاته وروحه المفعمة بالصمود والوحدة والإجماع على الثوابت الجامعة، والحاضر وإكراهاته وتحدياته، والمستقبل ورهاناته. والأمة المغربية، اليوم، في ظل عالم جديد تتكاثر فيه مواقع النزاع، وتتغير فيه المواقع وخرائط النفوذ، ويحكمه اللايقين والمستقبل المجهول، وتتنوع فيه مصادر القوة والهيمنة، وفي المقابل يسيطر فيه القلق والخوف والترقب على الشعوب، متقدمة كانت أو صاعدة أو متخلفة حتى، وتتراجع فيه قيمة الإنسان، وترتفع فيه تكلفة العيش والاستقرار والإحساس بالأمن والسلام؛ هي الآن أمة في حاجة إلى خطاب الوطن، والتفكير في الوطن، وتحمل مسؤولية الوطن، مهما كان الموقع، ومهما كانت المرجعية. هي مرحلة يتشابك فيها الجوهر الاستراتيجي مع الفعل المرحلي، يتداخل فيها رهان المدى الحضاري الممتد مع رهانات المدى الزمني السياسي القصير. إنها مرحلة تدبير الخلافات في التفكير والتحليل وتقدير المواقف ضمن مساحة الإجماع الوطني حول الثوابت والاختيارات الاستراتيجية ومستلزمات بناء المستقبل. في ظرفية، وصفها جلالة الملك ب ” استثنائية، حافلة بالفرص، التي قد لا تتكرر”. لهذا هي مرحلة يجب أن تكون مختلفة، يجب أن تكون نوعية، يجب أن تحكمها إرادة التجديد والتقدم في ظل الاستمرارية، لأن الوطن كائن حي ينمو ويتطور كباقي الكائنات الحية في ظل نوعه. في ظل مقوماته، وخصوصياته، وتراكماته المؤسساتية، ووعيه الجمعي. كما في ظل وحدة تناقضاته وتفاعل وصراع كتله الاجتماعية ووعيه الاجتماعي. ولا يمكن أن يحقق في ذاته ذلك التطور الممكن من خارجه، أو من خارج الاجماع على ثوابته الحضارية والوطنية والمؤسساتية. ولنا في التاريخ الوطني والتجارب الدولية أمثلة عديدة.
لعل من أعمق الدروس التي نستخلصها من منهج التعقيد عند إدغار موران أن الظواهر الإنسانية لا تُفهم بمعزل عن سياقاتها، ولا تُعالج بمعزل عن تحولاتها، ولا يستشرف مستقبلها بمعزل عن جذورها. وهذا ما جعلنا نفهم بشكل أكثر موضوعية الظاهرة السياسية في بلادنا بشكل عام، والظاهرة الحزبية بشكل خاص، ونحن نقارب حضورها وأداءها، خطابها وممارساتها، مواقفها وممارساتها التنظيمية.
السياسة فن الممكن كما هو متعارف عليه في الأدبيات السياسية الكلاسيكية، فن إدارة المواقف والاختلاف والتفاوض والتموقع في ظل ممكنات السياق العام والخاص، الوطني والدولي، والإمكان التاريخي في ظل تطور منظومة العلق في بعديها الوطني والدولي.
سبق لي أن كتبت مقالة رأي من حلقتين نُشرتا معا على موقع هيسبريس الإلكتروني: الأولى تحت عنوان ” خطاب العرش والانتخابات”، نشرت يوم 10 غشت الماضي؛ والثانية تحت عنوان “رهانات الانتخابات المقبلة”، يوم 13 من نفس الشهر. استندت فيهما إلى ما تضمنه خطاب العرش لسنة 2026، من توجيهات ملكية سامية، وقاربت رهانات انتخابات 23 شتنبر من خلال مدخلين: المدخل التربوي في ضوء فلسفة الإرادة، والمدخل السياسي في ضوء مفهوم الكتلة الاجتماعية. وانتهيت من خلالهما إلى أن الفعل السياسي الوطني، من حيث هو فعل للدولة وفيها، ومن حيث هو فعل للمجتمع وفيه، بإنجازاته وإخفاقاته في تدبير السياسات العمومية، لم يبدأ مع هذه الحكومة (القصد هنا الحكومة المنتهية صلاحيتها)، ولن ينتهي عندها. إنه تراكم من النجاح والفشل، من التطور والركود، وسيبقى كذلك، ما دام الفعل السياسي ذاته تحكمه شروطه الذاتية والموضوعية، ويحكمه التناقض الاجتماعي، كما تحكمه أدوات الفعل السياسي نفسه. وأن رهان هذه الانتخابات، في ضوء هذه الوضعية، مزدوج، أساسه التوصل إلى فرز أغلبية قوية ومنسجمة وقادرة على حسم التناقض الموضوعي القائم داخل الكتلة السائدة لصالح الرأسمال الوطني المنتج من جهة، والقادر على إعادة بناء الثقة في المستقبل ومواجهة تحديات الواقع الموضوعي، في السياسة كما في الاقتصاد، كما في رهانات العدالة الاجتماعية والمجالية. ثم من جهة ثانية، التوصل إلى فرز معارضة منسجمة قادرة على تجاوز حالة الهشاشة والانقسام الذي تعانيه التعبيرات السياسية المعبرة عن الكتلة الاجتماعية ذات المصلحة في تغيير جوهر ومسارات تفعيل وأجرأة السياسات العمومية، معارضة قادرة على انتاج رؤية جديدة، وخطاب جديد، وممارسات جديدة، في الترافع والمراقبة والاقتراح.
وبعد أن وضعت معركة الانتخابات أوزارها، وظهرت النتائج التي أعطت الصدارة لحزب الأصالة والمعاصرة. كتبت تدوينة يوم 25 شتنبر الماضي على صفحتي الخاصة للتواصل الاجتماعي، عبرت فيها عن رأيي حول السيناريو الممكن لأغلبية منسجمة قادرة على قيادة المرحلة الحالية. وكان هو أغلبية مكونة من أربعة أحزاب هي الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية وحزب الاستقلال. على أساس الكتل الاجتماعية التي تمثلها هذه الأحزاب، على الأقل في مرجعياتها الإيديولوجية واختياراتها السياسية وخطابها الحزبي وإمكانية تحقق التوافق بينها في حدود متقدمة. ولم يكن أساس هذا السيناريو هو العودة إلى التفكير، بشكل رجعي، فيما سمي بالكتلة الديموقراطية في مطلع تسعينيات القرن الماضي (1992). لأن السياسة كفعل في الحاضر واستشراف المستقبل يمكن أن يعود فيها الفاعل السياسي الحزبي، إلى الماضي بالتحليل والقراءة والتأويل واستخلاص الدروس المفيدة، لكنه لا يمكنه أن يتخذ من هذا الماضي مرجعية للتأثير في الحاضر أو رهن المستقبل. فالماضي يبقى ماض في سياقه وشروطه وممكناته وأدوات الفعل السياسي والاجتماعي فيه، والحاضر حاضر كذلك بسياقه وممكناته وطبيعة التنظيمات السياسية الحزبية الفاعلة فيه، من حيث هي قوة ذاتية متحركة في سياقها العام والخاص، ومن حيث هي أداة تستمد قوتها من حضورها في الواقع وتأثيراتها في ميزان القوى وفعاليتها التواصلية، ومن حيث قدرتها على إنتاج الخطاب الملائم والجيد والنافع في السوق الانتخابية.
بلاغ حزب الأصالة والمعاصرة، المنشور بموقعه الإلكتروني الرسمي، يوم 12 أكتوبر 2026، انتهى إلى ما يلي: “تقرر تشكيل أغلبية سياسية منسجمة، تفرز حكومة سياسية قوية، تتشكل من مكونات سياسية تتميز بالتقارب الفكري والسياسي، وتتوحد في الرؤية الإصلاحية وتلتزم بها؛ أغلبية حكومية من شأنها مواكبةُ طموح صاحب الجلالة حفظه الله في بناء مغرب صاعد يسير بسرعة واحدة، على أساس توطيد دعائم البناء الديمقراطي والحكامة الجيدة والعدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي وتقوية القدرات الإنتاجية لاقتصادنا الوطني. في هذا الإطار، تم التوافق على أغلبية سياسية تتكون من أحزاب: الأصالة والمعاصرة؛ والاستقلال؛ والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية؛ والتقدم والاشتراكية”.
المغرب الصاعد في حالته الراهنة، إن كانت الإرادة السياسية الاستراتيجية التي عبر عنها جلالة الملك، في كثير من خطبه السامية الأخيرة، قد ترجمت في جملة اختيارات، منها بناء القوة الاقتصادية الوطنية وتحصين السيادة الوطنية في مختلف أبعادها : الترابية والدينية والعسكرية والأمنية والطاقية والمائية والغذائية والصحية والتربوية والثقافية؛ فإن الإرادة السياسية التنفيذية يجب أن تترجم هذه الاختيارات في الأوراش والمشاريع والبرامج والخطط، وتشكل مساحة الفعل السياسي الحزبي القادر على التأثير في الحاضر، بما يحمله من تحديات اجتماعية واستشراف للمستقبل بما يطرحه من رهانات.
على هذا الأساس، فإن الرهان الأساسي لهذه المرحلة الجديدة، لا يكمن في انبثاق حكومة منسجمة وقوية وقادرة على الاستثمار بشكل فعال ومنتج في الاستقرار الاجتماعي وتحصينه وتأمينه بانخراطها الفعال في تقديم حلول حقيقية ومتقدمة لمعظم القضايا الداعمة لهذا الاستقرار في ظرف المئة يوم الأولى من عمر الحكومة الجديدة، وحسب، وإنما يكمن كذلك، في انبثاق معارضة قوية حتى لو لم تكن منسجمة، وخاصة أن الانتخابات منحت كل من حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار موقعا متقدما يسمح لفريقيهما بالتحرك في مساحة متقدمة مقارنة بالولاية السابقة، لممارسة دور المعارضة البناءة القائمة على الترافع الجدي، والمراقبة الفعالة، والاقتراح المنتج. لكن ما يجب الإشارة إليه هو أن المعارضة كمؤسسة، لا تعني احتراف النقد، والتبخيس من قيمة الإنجازات، والاكتفاء بالنظر إلى الجزء الفارغ من الإناء، بل والميل إلى المزايدات ووضع العصا في عجلة الفعل السياسي لغاية في نفس يعقوب، وإنما تعني، في السياق الراهن، انتاج رؤية سياسية جديدة، ومنهجية فعالة في التحليل، وآليات مبتكرة في المواكبة والتتبع، من أجل ترافع جيد، ورقابة منتجة، واقتراح بدائل ممكنة.
لقد مكنت معركة الانتخابات الأخيرة تحالف اليسار من فرصة تاريخية للتمرين الديموقراطي في مختلف أبعاده. فاستطاع أن ينتج خطابا تواصليا منفتحا على شرائح اجتماعية مختلفة، في محاولة جدية لتجاوز الخطاب النخبوي الذي كثيرا ما غرق فيه اليسار، واستطاع أن ينتقل من خطاب تواصلي قائم على النشر والدعاية للاختيارات الإيديولوجية والاستناد إلى الشرعية الاجتماعية، إلى بناء خطاب تعبوي تواصلي قائم على التركيب بين هذه المرجعيات والخلفيات وفق منظور تجديدي يمتح قوته من الخصوصية الوطنية من جهة، والتركيز، من جهة ثانية، على القضايا السياسية الوطنية والمشاكل اليومية التي يعانيها المواطن بالتشخيص والتحليل واقتراح الحلول. وبذلك استثمر بشكل جيد في الإعلام الوطني ومواقع التواصل الاجتماعي واللقاءات المباشرة مع جمهور الناخبين في مختلف المواقع الحضرية وشبه الحضرية والقروية. وهذا ما يمكن اعتباره خطوة متقدمة جدا في فك الحصار الذي عانى منه اليسار وتنظيماته العاملة من داخل المؤسسات، ويؤشر على قدرة الجيل اليساري الجديد على إنتاج خطاب عصري بخصوصية وطنية تصب في مجرى الحق في التنمية بكل أبعادها.
وفي المقابل، فإن حزب الأصالة والمعاصرة، بقيادة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة الجديدة، بمعية فريقها الحزبي المصغر، استطاعت أن تبلور رؤية جديدة، أدارت على أساسها المفاوضات مع الأحزاب السياسية، من أجل التوصل إلى توافق ممكن حول أغلبية منسجمة، حتى لو لم تكن أغلبية مريحة في ظل ما يعرفه المجال الحزبي الوطني من معيقات وأمراض قد تكون مؤثرة على صحة هذه الأغلبية وعلى انسجامها واستقرارها مستقبلا. وهي رؤية، يمكن أن تكون قد جعلت العربة خلف الحصان كما يقال، أي جعلت التفاوض على الرؤية أولا، ثم التفاوض على المشترك بين الأحزاب ثانيا، ثم التفاوض على عدد المقاعد ثالثا، وربما التفاوض على معايير اختيار الأسماء رابعا. وبذلك تكون هذه الرؤية مقدمة مبشرة بالأمل، وسكة صلبة يمكن أن تسير عليها قيادة الحكومة في المرحلة المقبلة.
المطلوب الآن، من ناحية الأغلبية، هو أن تكون هذه المفاوضات، وهذه الرؤية، فعالة، ليس فقط في الحصول على أغلبية منسجمة وقوية، وإنما، أيضا، في ترجمة هذه الرؤية، من خلال الأسماء التي اقترحتها هذه الأحزاب في مجموعها، والتي يفترض أن تكون أسماء وازنة في تكوينها السياسي، وفي خبرتها وكفاءتها في إدارة الاختلاف والتواصل والإقناع، وفي نظافة يدها، وفي شجاعتها وجرأتها، وفي قدرتها على التجاوب بالسرعة الممكنة مع متطلبات المرحلة. ومن ناحية المعارضة، هو أن تكون معارضة سياسية حقيقية منتجة لخطاب سياسي واجتماعي يمتح قوته من نفس الاختيارات الاستراتيجية المؤطرة للمرحلة، وقادرة على إنتاج البدائل الممكنة والحلول، والتعاطي الإيجابي مع خصوصيات المرحلة، بما يعيد الروح للفعل السياسي، ويعزز الثقة بين الفاعل السياسي من موقع البرلمان والكتلة الناخبة بشكل خاص، والمجتمع بشكل عام.
وفي الختام، يبقى الفعل السياسي مسؤولية وطنية قبل أن يكون موقعا أو منافسة، يستمد مشروعيته من الانتماء والثقة والاعتزاز بالوطن، ويتحقق عبر أغلبية منسجمة قادرة على تدبير الشأن العام، ومعارضة بناءة منتجة للرؤى والبدائل، من حماية وتحصين الثوابت الوطنية الجامعة، ومواجهة تحديات الحاضر واستشراف المستقبل؛ فلا نهضة دون روح وطنية تسند العقل الجمعي، ولا تنمية دون فعل سياسي مسؤول يضع الوطن غاية، والمواطن في صلب اختياراته.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.