اتخذ المشهد النقدي الفني المغربي تمظهرات وأبعادا جديدة مع أقلام جعلت من الإبداع البصري موضوعات لكتاباتها وانشغالاتها. فما بين المعالجات الصحافية السريعة، وما بين تلك التي يحرص أصحابها على المشاهدة والمتابعة والتوثيق، وما بين ما يكتبه شعراء وكتّاب عن أعمال رسامين ومصورين يجدون فيها ما يُحرك أقلامهم واهتمامهم، وما بين الكتابات الترويجية التي تُحرَّر تحت الطلب، وغيرها من طرق التلقي والمواكبة؛ نجد كتابات رصينة عن المنجز التشكيلي المغربي باللغتين الفرنسية والعربية، وذلك منذ ثلاثة عقود، حيث انخرط أكاديميون ومثقفون في دراسة ما يعرض من أعمال تشكيلية مُسلحين بمعرفة جمالية ونقدية تسمح باستجلاء علامات الإبداع البصري ودلالاته وألغازه.
ينطبق هذا الأفق من الكتابة على عدد محسوب من المتدخلين الذين جعلوا من الإبداع البصري والتشكيلي قضية فكرية وجمالية. وإذا كان هذا المجال قد عرف، طيلة عقود، سيطرة كتابات ومواكبات نقدية باللغة الفرنسية بشكل كبير مع ما تحمله هذه اللغة من ترسبات نظرة خارجية، وأحكام ثاوية عن نوعية الإبداع التصويري المغربي، فإن أقلام كتّاب وشعراء ومفكرين ونقاد برزوا في السنين الأخيرة وخاضوا في مساءلة المنجز التشكيلي المغربي باللغة العربية وتقييمه.
ويظهر لي أن التفاعل مع هذا المنجز نفسه بلسانين طرح ويطرح أسئلة مفهومية ومنهجية وثقافية لا يزال التراكم النقدي المغربي لم يقاربه بالشكل المطلوب والواضح، خصوصا أن اللغة التشكيلية، كما سبق لمحمد شبعة أن قال، “لا تخضع لمقتضيات اللغة اللفظية أو الأدبية، فكل منها قائمة بذاتها، لها خصائصها وقوانينها، ولا تحتاج أية واحدة منهما إلى الأخرى لتقوم بمهمتها كاملة؛ غير أنهما تشتركان مع اللغات الأخرى – الرياضيات، الموسيقى، المسرح…- في تجسيم العقلية الإنسانية وحضارتها” (الوعي البصري- 2001- ص 12).
في سياق ما أسماه موليم العروسي الاتجاه “المرِح” ludique، في كتابه عن “اتجاهات التصوير المغربي المعاصر”، الذي ميَّز أعمال الفنانين التشكيليين من الجيل الجديد، تعبَّأ يوسف وهبون لتعقُّب مُمثليه، وزيارة معارضهم، ومعاينة إنجازاتهم التي اختاروا أن لا يحصروا أنفسهم فيها على اللوحات المُؤطَّرة. نجده يتنقَّل بين أهم المدن التي تشهد تظاهرات عروض فنية بانتظام في طنجة والرباط والدار البيضاء ومراكش، للتفاعل مع ما يقدمه الفنانون الشباب وغير الشباب من رسوم وتصوير صباغي ومنحوتات وصور فوتوغرافية ومنشآت وعروض فيديو وأعمال الويب؛ بل وعروض هجينة تنتج عن عملية تجميع لأشياء قد تبدو غير متناسقة وفوضوية حتى.

حرص يوسف وهبون في كتاب “المُتعة المُفارِقة.. كتابات عن الفنون البصرية في المغرب” (بالفرنسية، 2024) على تناول أعمال الجيل الجديد من مبدعي الفنون البصرية في المغرب وبنائِها، على صياغة “تأملات جمالية” بناء على برتوكول قراءة يعلن عنه منذ مُفتتح كتابه يعتمد فيه؛ أولا على ما سماه “مُقاربة تحليلية وتأويلية” تنطلق من “مساءلة الطرائق الفنية التي يُطبقها فنان أو أكثر لمعالجة موضوع أنثروبولوجي أو سوسيو-سياسي لموضوع جمالي”. وثانيا، الكشف عن القوة الأساسية للعمل موضوع الكتابة وإبراز تفرُّد كل تجرية. وثالثا، وصف “الخصائص الأونطولوجية للعمل الفني موضوع التعليق، وتجْلِية أصالته الجمالية، وإعطاء تأويل يرتبط بالأسلوب والمُتخيَّل الخاص لِمن يصنعه”.
ويعتبر وهبون أن الفنون البصرية، كما يفهمها الجيل الجديد وكما يعبر عن أفكاره من خلالها، تمثل “قطيعة جذرية مع ما أنتجه التاريخ القريب للفنون البصرية في المغرب”، وبتجاوزهم للشكل التقليدي للوحة على الحامل قاموا باقتراح أنواع إبداعية تثير الانتباه بطبيعتها الهجينة، وباصطدامها مع طرائق العمل المعروفة. وبذلك، يخلقون أشكالا من الإزعاج للذوق كما للتلقي، ويُكسِّرون ما يوحي بوحدة الأسلوب والحساب، ويبتكرون “ملحمة فوضوية للعمل الفني تقلب معالمنا التاريخية وأنظمتنا البصرية؛ إذ تعبر عن ذاتها داخل مقاربات مُرْبِكة منشغلة بالأصالة والتفرد أكثر من انشغالها بالتقاليد”.
والظاهر أن الحديث عن الأفق الجديد من العمل والنظر يستدعي بعض النسبية؛ لأنه لا يمكن اعتبار أعمال الفنانين التشكيليين الشباب تمثل قطيعة “جذرية” مع تاريخ الفنون البصرية المغربية في شموليتها، لكون مغامرات إبداعية سبق أن قام بها فنانون نحتوا أسماءهم في مسار هذه الفنون وكسَّروا الأساليب المعهودة في إطار التصوير الصباغي. نجد منهم من جرَّب جل الأنماط والمدارس والاتجاهات؛ ولكنه اجترح لنفسه شخصية تنفلت، أحيانا، مما حصر الآخرون أنفسهم فيه. ولا جدال أن ما كان محمد القاسمي يفاجئ به الجمهور باستمرار يشكل بدايات هذه “القطيعة” أو هذا المنعطف في مسار الفنون البصرية؛ فأعلام الهرهورة، و”مغارة الأزمنة الآتية”، التي أنجزها سنة 1993 برواق “المعهد الفرنسي” بالرباط، وغيرها من الأعمال التي أطلقها في المغرب وخارجه، شكل نقطة انعطاف في تجريب أسلوب غير اعتيادي للممارسة البصرية، عزَّزه بخلفية فكرية ووجودية تساءل فيها عما أصاب العالم من تحلُّل، وما أصبحت القوى العظمى تقترفه من عدوانية وشرور. واهتداء بالأفق الذي فتحه القاسمي، يستنتج يوسف وهبون أن ما قدَّمه القاسمي في “المغارة” يمثل نوع الفن الذي يحب الجيل الجديد من الفنانين التشكيليين إنجازه، سواء منهم من يقيم في المغرب أم من يعيش في الخارج، حيث يقترحون “أجزاء وتجهيزات تنْتهكُ هيمنة التصوير الصباغي، وتمتحن مفهوم العمل الفني كما تعوَّد عليه الحس المشترك”.
بِمَيلهم إلى تنويع أدواتهم وطرائق اشتغالهم اختار العديد من أفراد هذا الجيل إنجاز أعمال كالمنشأة، والفن العابِر، وفنون الفيديو، وتقنيات الويب، وغيرها من الأشكال والدعامات، ويقدمونها بأساليب تساهم في “تغيير طريقتنا في النظر” إلى العمل الفني؛ بحيث “يتساوق الانجذاب نحو هذه الممارسات الجديدة مع تغيير العلاقة بالفن، وبوضعية الإبداع والجميل”.
ويظهر أن الممارسات البصرية الجديدة غيَّرت وجهة الإدراك والنظرة إلى العمل الفني، ففي سياق المناقشات المتنوعة حول المشاكل الهُوياتية، والاهتزازات الاقتصادية، والابتكارات التكنولوجية، وتصادم الأفكار، وتباين التيارات، يشتغل منتجو الفنون البصرية المعاصرة بما يُسمّيه وهبون بـ”إثارة الخلايا العصبية والأحاسيس القوية أكثر مما يهمُّهم الانفعال الجمالي أو التسامي الروحي”. لم يعد من يبدع في الفنون البصرية “بروميثيوس” مُقنَّع بأدوات فنِّه، وإنما “مُستنهِض وعي”، بانتهاله من عوالم الدُّعابة والفكاهة والباروديا والسخرية والفِتنة، ويقدمها في شكل فرجة اعتمادا على ما يعرفه المبدع من فنون أخرى كالشعر، والموسيقى، ووسائل سمعية بصرية. كما يستمد ما يبدو له مناسبا من المُتخيل الجمعي الشعبي، إضافة إلى ما يقوم باقتباسه من الثقافة العالِمة في بعض الأعمال.
وبسبب النزوع الواضح لدى الجيل الجديد إلى تجريب أدوات متنوعة غير التصوير الصباغي واللوحة، ظهر ما يمكن اعتباره “سوء فهم” بين الفن والجمهور، بسبب كون “مقترحات الفنانين التشكيليين المغاربة، اليوم، غير مفهومة بالنسبة للمشاهد العادي، ولا تكشف عن سرِّها إلا لجمهور مُطَّلع”.
وليس الأمر مستغربًا طالما أن الجديد، الذي يخرج عن المألوف في تمظهراته المستفزة أو تلك التي تبحث عن أشكال ما هو غريب ومثير يتوجه، حسب وهبون، إلى “نظرة قادرة على تبيُّن تناسقها وفهمها، والاندهاش لتفردها، والإنصات إلى قدرتها على إتاحة طرق جديدة للتفكير”.
وباعتبار التنوع الكبير لأدوات العمل والاشتغال التي أدخلها الفنانون في المشهد الإبداعي البصري المعاصر، فإن دعامات عديدة تم إدماجها في بناء العمل الفني، وتشابكات متنوعة النسج صنعوها بين ما يدخل ضمن المرئي وبين ما يحيل على المقروء، وبرز داخل هذا المشهد مبدعون “عابرون للفنون”، متنوعو المهارات والثقافات. نجد منهم من يترحل بشكل واع من فن إلى آخر، ويقترح مساحات التقاء وتفاعل بين وسائل التعبير المختلفة.
ويتعين التنويه، مجددا، بأن الأمر ليس جديدا تماما، بحكم أن فنانين تشكيليين سبق أن جمعوا بين التصوير الصباغي وبين الشعر (كما هو حال عيسى يكن، ومحمد القاسمي، وعبد اللطيف اللعبي في السنوات الأخيرة…)، وبين التشكيل والرواية (كما نعثر على ذلك عند ماحي بينبين، ويوسف أمين العلمي…)؛ غير أن التنوع الكبير في استلهام أنواع تعبيرية مختلفة، وتعدد الاستعمالات التي سلكها الجيل الجديد لم تعد تسمح بالاقتصار، على صعيد “النقد الفني”، على الأبعاد الدلالية والمعالجات التأويلية، لأنها تقترح عروضا وأعمالا فنية بمقدار ما تحتاج إلى كشف مكوناتها الداخلية ومدى تناسقها، والتفاعل مع ما تبعثه من أصداء إلى من يشاهدها، فإنها تفترض تجْلِية “خصائصها الأنطولوجية” وأبعادها الجمالية.
على الرغم مما يبدو على الأعمال التي ينجزها الفنانون، اليوم، من غرابة ومن تنكُّر لِما يجري في المجتمع والعالم من تحولات، وأحداث، فإن عددا كبيرا منهم لا يترددون في الجهر بما يساورهم من قلق وجودي، وما يشكل إدانة لمظاهر الاستعباد، الظاهرة والمُتسترة، واحتجاجا على اللامساواة بين الجنسين وبين الفئات، واستنكارا لبطش التسلطية والاستخفاف بإنسانية الإنسان. قد لا تسعف اللغة الطبيعية غالبيتهم لترجمة ما ينجزونه فنيا إلى خطاب يتوفر على شروط الوضوح والإقناع. هذا إذا ما وجدنا منهم من يقرر خوض هذه المهمة التي تعود، موضوعيا، إلى ما يدخل ضمن خانة “النقد الفني”؛ لكن الفنون البصرية، كما تتقدم في ساحات العرض الحالية، وراءها مبدعون، ومن دون تعميم غير مُنصف، تحركهم الرغبة في خلخلة الموجود، والتبرم من سطوة الواقع وطغيان الحدث؛ نجدهم يتطلعون إلى التحريض على الانتباه لأسرار العمل الفني والتفاعل الجمالي مع موضوعاته وأشكاله.
في إطار معاينة ما يتم تحريره من كتابات حول الفنون البصرية المعاصرة، سبق لموليم العروسي أن عبّر عن نوع من الانزعاج من بعض ما يُكتب حين أعلن أنه “لا يمكن أن يُعتبر كل تَغنٍّ بالعمل الفني نقدًا”. وإذا كان هذا التنبيه لا ينطبق، في نظري، على عدد من المواكبين للأعمال التشكيلية، ومنها كتابات يوسف وهبون، بحكم مقاومته الواضحة في أن يكون مجرد “صدى” للتظاهرات والمعارض والمناسبات التي تدور حول الفنون البصرية بعامة. وعبَّر، من خلال نصوصه، عما يمكن نعته انغماسًا فيما يُنتَج ويُعرض من هذه الفنون؛ إلا أن الكتابة تحت الطلب، وما يرتبط بها من انتظارات مُتباينة سواء من لدن صاحب الطلب أو ممن يستجيب له، قد تفرض على الأخير انزياحات عن مضمونها وشكلها أحيانا، إن لم تخن برتوكول المقاربة المُعلنة للعمل الفني في تمظهراته المختلفة، سواء عند الأجيال المؤسِّسة، المُخضرمة أو الجديدة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.