في ضيافة برنامج “أول الفهم” على هسبريس حل محمد مصطفى القباج، أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي الذي درّس بكلية علوم التربية وبالمدرسة المولوية، وتقلد مسؤوليات مؤثرة في الراهن الثقافي والتدبيري داخل المغرب وخارجه، واهتم بكشف حقيقة أحداث مغربية، عاشها، وكان جزءا منها، يقول إنه قد افتُري عليها من طرف فاعلين وكتابات.
قصة النشيد الوطني
قال محمد مصطفى القباج إن قصة “النشيد الوطني” بدأت وهو “في ديوان وزير الشبيبة والرياضة بدر الدين السنوسي، حيث زار الوزير بطولة عالمية، وكانت له مكانة خاصة وتقدير عند الحسن الثاني، وتأسف في لقاء معه على أن النشيد الوطني المغربي ليست له كلمات، بل موسيقى فقط، فكلفه الحسن الثاني بالأمر”.
وتابع القباج: “كان بدر الدين السنوني، وأنا عضو ديوانه، يعرفني عضوا في اتحاد كتاب المغرب، وأن لي علاقة بالمثقفين والشعراء؛ فاقترح علي تولي الأمر، وفاتحت عدة شعراء استصعبوا الأمر لأن الحسن الثاني قال إن شرطه أن تكون الكلمات مناسبة للموسيقى دون مس بهذه الأخيرة. ولما رآني محمد عزيز الحبابي في حيرتي سألني هل تواصلت مع علي الصقلي، وهو صديق وكنت قد استبعدته نظرا لعلاقته بالديوان الملكي، وخشيت أن أحرجه، وبعد مهلة للتفكير قال لي الصقلي إنه يمكنه القيام بالأمر، لكن شريطة أن يكتب التقطيع بالنوتات عبد الوهاب أكومي، مفرقا بين النوتات المتحركة والنوتات الساكنة، وهو فنان عبقري، وبعد مهلة أنجز الأمر.”
ثم أردف الشاهد: “هكذا سهل على علي الصقلي نظم كلمات النشيد الوطني، وبعد إتمامه المهمة استحسن الكلمات الملك الحسن الثاني بعدما قدمت له، ولم يغيّر إلا كلمة واحدة هي ‘عطر’ بـ’ذكر’ كل لسان؛ خشية أن يستصعبها الناس، ثم وجه الجوق الملكي ورئيسه عبد السلام خشان لتسجيل النشيد الوطني”.
وشهد محمد مصطفى القباج على أن عليا الصقلي “رفض أي تعويض عن مهمته هذه، واعتبرها واجبا وطنيا وحبا للبلد”، قبل أن يختم بقوله: “هو من الناس الذين ظلموا في المغرب”.
اليوم العالمي للفلسفة
كان اليوم العالمي للفلسفة، مثل اليوم العالمي للشعر، اللذين تنظمهما منظمة اليونسكو، مبادرتين نابعتين عن المجتمع المدني المغربي، تبنتهما وزارة الثقافة المغربية في عهد الوزير الشاعر والروائي محمد الأشعري.
ويحكي محمد مصطفى القباج أصل المبادرة قائلا: “كنا في ندوة لربيع الفلسفة بفاس، وهو مهرجان كان ينظم لسنوات، وكنا نناقش ابن رشد، فتحدثنا عن الفلسفة والحكمة وحاجتها ليوم عالمي، مثل مبادرة الشعراء؛ فاقترحتُ على رئيس الجمعية مساعي في هذا الاتجاه، علما أن منظمة اليونسكو تستقبل المقترحات فقط من الدول. وهكذا قبل الوزير محمد الأشعري بعث رسالة إلى اليونسكو مرفقة برسالتنا، وللأسف هناك من ادعى أن كلية من الكليات هي التي طلبت الأمر، أو جمعية أخرى، وهذا افتراء، مع كامل الأسف”.
وواصل المتحدث ذاته: “بعدما قبلت اليونسكو الطلب قالت إنه ينبغي أن ينظم أول يوم عالمي للفلسفة في المغرب للإعلان الرسمي عن الموعد؛ وتواصلنا مع جهات عديدة ووقع الاتفاق على كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، وتواصل عميدها مع شعبة الفلسفة، لتنظيم لجنة تحضيرية، لكن بعض الإخوان أرادوا وضع اليد على الموضوع، وبعدما أحسسنا بمضايقات، بل إن رئيس الشعبة آنذاك أراد إبعاد رئيس الجمعية التي اقترحت الموضوع بحجة أنه ليس أستاذا بكلية الرباط، فانسحبت وإياه احتجاجا.”
وتأسف الأكاديمي المغربي لأن “هناك أمورا نحن شهود عليها، ووثائقها موجودة، ويفترى عليها في حياتنا، ولذلك علينا فضح من يكذبون، فليس من شيم المغاربة الكذب على الأحياء، ونسب الفضل لغير أهله، فهذا أمر غير أخلاقي”.
ومن الأحداث المفترى عليها كذلك إعلان ساحة اليونسكو تراثا عالميا للإنسانية، وكانت مفتتحا لاستعمال هذا المفهوم في العالم؛ إذ يتذكّر محمد مصطفى القباج أن “خوان غويتسولو كتب مقالا جميلا عن ساحة جامع الفنا، ونقاشاتها وفنها وأساطيرها، وشبهها بـ’الأغورا’ المراكشية؛ وهو مقال قرأه مدير اليونسكو آنذاك فيديريكو مايور، وأعجب به، واقترح إعلان هذه الساحة تراثا عالميا للإنسانية، وأن تُختار ساحات عالمية مثيلة تعلن تباعا بعدها، وراسل في ذلك مع غويتيسولو وزارة التعليم العالي التي كان مسؤولها إدريس خليل وكنت في ديوانه”.
وزاد المتحدث: “طلبت منا منظمة اليونسكو في هذا الإطار تنظيم ندوة دولية لصياغة مفهوم التراث غير المادي للإنسانية، وكلفني الوزير فنظمت هذه الندوة في مراكش، وجرى الإعلان عن الأمر خلالها، وزكى الملك الحسن الثاني الأمر، ثم استقبلَ مدير اليونسكو والوزير، وكنت حاضرا، لشكرهما على هذه البادرة”.
الفلسفة بالمدرسة المولوية
أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي محمد مصطفى القباج درّس الملك محمدا السادس الفلسفة لما كان وليا للعهد، ويقول حول هذه المرحلة: “من الأشياء التي لم أفهمها من رشحني لأكون أستاذا في المدرسة المولوية (…) وقد قمت بواجبي، ولم أقصر من جهدي، مع مدير المدرسة المولوية آنذاك محمد شفيق، في أن يكون درس الفلسفة درسا مهما في المدرسة المولوية، سواء الموجه إلى الأمير وأصحابه أو الأميرة وصاحباتها”، وأضاف: “اهتممنا بكيف يكوّن أمير ليصير ملكا (…) وكنا بموافقة الملك الحسن الثاني نستدعي كبار الفلاسفة في العالم وكبار المفكرين ليلقوا محاضرات تحاول الاهتمام بالمهمة الخطيرة التي تنتظر الأمير آنذاك”.
راهن الثقافة بالمغرب
تأسف محمد مصطفى القباج في حوار “أول الفهم” على هسبريس لكون “القراءة لم تعد شيئا مرغوبا فيه بالمغرب”، مردفا: “عندما يطبع الكتاب لا يباع منه إلا النزر اليسير، ولذلك لم أضع أحدث كتبي ‘لا أخاف الموت’ للبيع، بل اخترت التبرع به للمؤسسات والجامعات، صدقة”، وواصل: “في المغرب أزمة الكتاب أزمة حادة، ورغم الدعم والجوائز أقول إن المسؤولين لم يعيروا هذه الأزمة مسؤولية كبيرة (…) ولو أن هناك الأمية الفعلية وهناك الأمية الثقافية والفكرية أيضا”.
ويقدر المدير العلمي السابق لأكاديمية المملكة المغربية أن “المغرب مجتمع غير متوازن ثقافيا، كما أن الثقافة لا تشكل موضوعا له أسبقية بالبلاد، ويبقى مهمشا بشكل كبير، بل إن أدنى ميزانيات الحكومة هي ميزانية وزارة الثقافة، وتعمل أشياء ليست من اختصاصها، مثل التنشيط الثقافي، وذلك دور الجمعيات، بينما دورها الحقيقي التدبير المالي والدعم والحكامة الإدارية”.
ومن بين ما انتقده الأكاديمي وجود “تدن في مستوى من أطروا وزارة الثقافة”، موردا: “نرى مستويات الوزراء الذين تعاقبوا على هذه المهمة، ونحكم من حيث الحكامة الثقافية”، ليجمل بقوله: “الثقافة المغربية تعاني من حيث هذا، كما تعاني من معضلة توالي الوزراء، وكل وزير يؤرشف عمل سابقه، وينقل أرشيفه لقبو الوزارة؛ وهكذا هناك توال على وزارتي الثقافة والتعليم، دون تراكم (…) كما أن للمثقفين بدورهم نوعا من الخذلان للثقافة، مثل مأساة اتحاد كتاب المغرب، رغم وزنه، حتى وصل إلى التفاهة التي نعيشها الآن”، وأكّد في هذا الإطار أن من مسؤولية الدولة التدخل لإنقاذ هذه المنظمة الثقافية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.