حين يَختلّ ميزان القِيَم في المجتمع تسكنه سَريعًا فِئةٌ تَعرف كيف تُحوّلُ النَّقص إلى مِهْنة، والتَّلوّن إلى كفاءة، والاقتراب من أصحاب النفوذ إلى سيرة ذاتية كاملة الملامح والحروف. هؤلاء هم المتسلّقون الجُدد: مُحْترفو التَّلوّن، وسَرَقَةُ المكانة، وخُبراءٌ في تَحْويل أكْتاف الآخَرين إلى سَلالم شَخْصية.
لا يصنع الواحد منهم مكانة، إنما يستأجر ظلّ غيره، ثم يقفُ تحته منتفخًا كأنه يحملُ الشمس بيديه. لا يَحملُ فكرةً تُثقل رأسه، ولا مشروعًا يُرهق ضميره، يحمل معهُ شبكة علاقات واسعة تكفي لتعويض غياب العقل والعمل معًا. يعرف أسماء النافذين، ومواعيدهم، ومزاجهم، ونوع المديح الذي يفتح كلَّ باب.
يعيش المتسلّق من دُون عمود فقري، لأنَّ العمود الفقري يفرض على صاحبه أن يقف مُستقيمًا، والاسْتقامة تُعرقل الحركة في الممرَّات الضيّقة. يلينُ أمام القَويّ حتى يكاد يذوب في سجَّاد مكتبه، ويشتدّ أمامَ الضَّعيف حتى يتخيّل نفسهُ مؤسَّسة سِيادية.
يُبدّلُ نَبْرته وملامحهُ ومبادئه وفق ترتيب الجَالسين، فيمنحُ صاحب السّلطة ابتسامة رحبةً، ويترك للموظف البسيط نصف وجه ونصف تحية. لا يرى الناسَ أفرادًا لهم قيمة، يراهُم درجات مُتفاوتة في سُلّم المنفَعة: درْجة تصعدُ به، ودرْجة لا تستحقّ أن يضعَ عليها قدَمه، ودرْجة قد تنكسر تحت ثقله فيتظاهر بأنه لم يعرفها قطّ.
لا يبني المتسلّق علاقاته على المودّة أو الاحترام، يبنيها على الحساب البارد. يقترب حين تلمع الأسماء، ويبتعد حين تخفُت، ويعود حين تتبدّل الموازينُ. ذاكرته انتقائية إلى حدّ الإعْجَاز: ينسَى منْ وقَف معه في العُسْر، ويحفظ رقم هاتف من قد ينفعه بعد خمس سَنوات.
يوزِّعُ اهتمامه كما يوزّع المستثمر أمواله، مع فارق بسيط: المستثمرُ يخاطر بمَاله، والمتسلّق يخاطر بكرامة الآخرين. يحبُّ الصفوف الأولى لأنها تمنحُه صورة أكبر من حجْمه، ويكرهُ المقاعد الخَلفية لأنها تعيدهُ إلى قيَاسِه الطّبِيعي.
الصعود السريع لمن لا يحملُ وزنًا
يجعل المتسلّق مظهره قِسْمًا للعلاقات العامّة. يرتدي ما يعلنُ عنهُ قبل أن يتكلَّم، ويختار ما يلمع أكثر مما يليق، لأن اللَّمعان يُنجِزُ في ثوانٍ ما يعجز عنه المحتوى طوال العُمر. يحمّل ساعته مسؤولية الهيْبة، وعِطرَه مسؤولية الحُضور، وثيابَه مسؤولية إقْناع الناس بثرَاءِ ذوْقه.
هكذا، يجدُ المتسلّق في الثقافة مسرحًا مثاليًا، لأن أسماء الكتب تمنح هيبة أسرع من قراءتها. يكفيه أن يحفظ أسماءَ ثلاثة فلاسفة، وعبارتين عن الحداثة، ونَبْرةٍ حزينة عند الحديث عن أزمة الفِكْر، حتى يقدّم نفسه حارسًا للمعرفة. لا يهتمُّ بالسُّؤال، يهتم بطول المداخلة وموقعه داخلها.
يبدأ من موضوع الندوة، يمرّ بسيرته الشّخصية، يُعرّج على أسْفاره، وينتهي عند النّقطة نفسها التي انطلق منها، بعدما يكون قد اسْتَهلك وقت الحاضرين وأثبت أنَّ الفراغ يستطيعُ أن يتكلَّم طويلًا من دون أن يشعرَ بالتَّعَب. الثقافة عنده ليست بحثًا عن الحقيقة، إنها قاعةُ انتظار أنيقة يقابل فيها من يريد إضَافتهم إلى قائمة مَعارفِه.
العملُ للآخرين والمجْدُ لهُ
وفي الإدارة والعمل، يطوّر المتسلّق مهاراته إلى نموذج تشغيلي. يُراقب الجُهد من بَعيد، وينتظر اقتراب النَّتيجة، ثم يدخل في اللّحظة المناسبة حاملاً ملاحظات لا تغيّر شيئًا سوى موقع اسمه. يُتقنُ فنّ الظُّهور عندَ النّجاح، ويُتقنُ أكثر فنَّ الغياب عند الخَطأ. يَنسبُ الإنجاز إلى روح الفريق حين يريد حِصةً منْه، وينسب الفَشل إلى ضُعْف التَّنسيق حينَ يبحث عن مخرج.
يعرف كيف يضعُ نفسه في مقدمة صورة جماعية، وكيف يحذف أصحاب العمل الحقيقي من رِوَاية المشروع، وكيفَ يحوّل اقتراحًا عَابرًا إلى قيادة اسْتراتيجية. لا يرهقه التنفيذ، لأن التنفيذ عنده وظيفةُ الآخرين. مهمته أن يصل بعد انتهاء الغُبار، يمسح كَتفه، ثم يتحدَّث عن المعركة بضمير القائد العَائد من الجَبْهة.
موْسوعَة الانحناءِ أمام الكبَار
يحفظ المتسلّق تفاصيل رؤسائه بدقة تثير الإعجاب والقَلق: أذواقهم، حساسياتهم، خصوماتهم، الأشخاص الذين يرضون عنهم، والنّكات التي يضحكون لها. في المقابل، يتعثّر في أبْسَط المهامّ، ويعَامل الكفاءَة مثلَ عِبْء إداري يمكن تفْويضه. يقدّم الولاء الشخصي على جودة العمَل، لأنّ الجودة لا تردّ التحية ولا تمنح الدّعوات.
وإذا رأى مسؤولًا يحبُّ المديح، أحاطه بوسائد لُغوية ناعِمة حتى يعزله عن كُلّ رأي صَادق. يطمئنه إلى عبقريته، ويشرحُ له أن النقد مُؤامرة، ويقنعه بأن المطيع أكثر نفعًا من الكُفء. بعد مُدة، لا يبقى حول المسؤول إلا من يصفق له، ولا يبقى في المؤسّسة إلا صوتٌ واحد يمدحُ نفسه عبر أفواهٍ كَثيرة.
يخاف المتسلّق أصحاب الكفاءة خوفًا غريزيًا، لأن الكفاءة تكشفُه من دون أن تتكَلم. وجود شخص يعملُ بصمت يهدِّد مصنع الصَّخبِ الذي يُديره، واستقلال صاحب الرأي يفسد عليه سُوق الطّاعة. لذلك لا ينافسُ الموهوبَ في ميدانه؛ ينقلُ المنافسة إلى الممرّات والهواتف والمجالس المغلقة.
يُشوّهُ السُّمعة حين يعجزُ عن مجاراة الإنجاز، ويضع علامات استفهام حول كل شخص لا ينحني بالسّرعة المطلوبة. ثمّ إنّ المنصّات الحديثة قد وهَبت هذا الكائن جَناحين من ورقٍ، مكّنتهُ من أن يُحوّل مُصافحةً عابرةً إلى شَراكة فكرية، وصُورةً جَماعيةً إلى صلةٍ ممتدّة في الزمن، وحضورًا هامشيًا إلى دورٍ محوري.
يكتبُ عن كلِّ لقاء كأنه شارك في رسم سياسات العَالم، ويغلِّف الفَراغ بعبارات عن النِّقاش المثمر وتبادُل الرُّؤى. لا يحتاج الآن إلى إنجاز؛ يحتاج إلى زاوية تصوير مناسبة وتعليق مُبْهم يحتملُ كلَّ شيء. يصنعُ لنفسه أرشيفًا من القُرب المصطنع، ثم يعرضُه على النَّاس بوصفه رَصيدًا منَ التَّأثير. ومع كثرة الصُّور، ينسَى أنَّ العَدسة تُوسّع الإطار ولا تُوسّع الإنْسان، وأنَّ الوُقوف قُربَ الناجحين لا ينْقلُ النجاح بالعَدْوى.
فراغٌ يلبسُ هيئَة إنْسان
لا يقتصرُ ضرَر المتسلّق على قُبح سُلوكه؛ إنه يفسِدُ البيئة التي تسمحُ له بالنّمو. حين تكافئ المؤسّسات القرب أكثر من الإنجاز، يتراجع المجتهد، ويتقدم المصفِّق، وتتحوَّل الكَفاءة إلى ضيف ثقيل. وحين يفضّل المسؤول المديح على الحقيقة، يفتح الباب لمن يسرقون قَراره أولًا، ثم يسرقُون صورته، ثم يتركُونه وحده أمام النَّتائج.
قد يصل المتسلّق إلى مكتب واسع، وقد تتكرر صورته حتى يظن الناس أن التكرار دليلُ أهمية؛ غيرَ أنَّ الزَّمن لا يقرأ المنشورات ولا يتأثر بالعِطْر؛ يغيّرُ أصحَابَ الكَراسي، ويمحُو وَهج الأسْماء، ويُعيدُ كلَّ شخصٍ إلى حَصيلةِ ما صَنعَه. عندها يكتشف المتسلّق أنه لم يَبْنِ مَجْدًا، إنَّما جمَع إيصالاتِ قُرب من مَجْد الآخرين.
لم يصعد بقدميه، زحَف فوق ظهورٍ كثيرة. لم يصنع اسمًا، علّقه على أسماءٍ نافذَة كما يعلّق معطفًا في بَهْوِ فُندق. وحين تسقط الأكتاف، يبحث عن قامته فلا يجدُ إلا انحناءات قديمة؛ وحين تغلق الأبواب، يكتشفُ أنَّه أمضى عُمره في المداخل ولم يَدخل بيتًا يخُصُّه… يبقى أخيرًا أمام مرآة لا تعرف المُجاملة: طُفَيلي أقنَعَ نفسَه أنَّ طول إقَامته فوْقَ الشَّجرة جعله نَسرًا.
لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.
تحية خاصة للسيد الحجمري الذي يتحفنا و يفيدنا في آن واحد، بتأملاته الغنية في اللفظ و المعنى. أتمنى أن يبادر الأستاذ المحترم إلى جمع مقالاته الراقية في كتاب… تحيتي.
صراحة كل ما قيل واقع معاش خاصة شاهدناه بأم اعيننا في الحملة الإنتخابية و مع نجومها