من الغرائب التي يعيشها المغرب، صمت مثقفيه عن فئات جديدة لم تستطع الابتكار في عالم الفكر، بحكم محدودية قدراتها التأويلية وعجزها عن الإبداع، بحثها عن عالم الخبرات الشبيه بالمعرفة التقنية، أو لنقل إنهم يمثلون مجموعات ميدانية للبحث، بتجميعها لمعطيات يحتاجها الباحثون الأنتروبولوجيون الغربيون ليقرروا بها ما يصلح للعالم العربي والشمال الإفريقي.
لكنهم تحولوا، بعد دراسات تقنية، إلى حاملين لمشعل هذه الدعوات، بل منهم من حمل دكتوراه في مثل هذه البحوث، اكتشفناها بتلك الشهادات التي يقدمها أنصار الدفاع عن اللهجة المغربية، ليصيروا خبراء، يُنتجون المعجمات الدارجة، ويبحثون في كيفيات تطوير مهارات الشعوب التي تتواصل شفاهيًا، لتُدمج في مجالات تعلم حروف الدارجة، ليسهل إدماجها في سوق العمل الجديد، الذي تحتاجه الشركات الأوروبية وحتى بعض شركائهم المغاربة.
فتصير الكليات بدورها مستقبلا منتجة لخدام السوق والمسيطرين عليهم، فهل المدرسة ومؤسسات التعليم مجرد دور لفرز العمال الجدد؟ أم فقدت الكليات قدرتها على خلق رجالات العلم والفكر والإبداع، إضافة إلى رجالات الاقتصاد النظري والتطبيقي البنكي؟
1- مغرب الخدمات
هذه الفئات، التي لا يمكن نفي صفة “المثقفة” عنها، بغض النظر عن مدى مساهماتها في إنتاج المعرفة العلمية أو الفنية أو الإنسانية، تحاول جر المغرب لتحقيق نمو من خلال الخدمات، التي تولد اقتصادًا هشًّا، بحيث يصير المغرب بمثابة ورش لإعادة الإنتاج، الذي تتطلبه السوق العالمية في إطار توزيع جديد للعمل العالمي.
حجتها في ذلك الاستحواذ على المشاريع التي يمكنها فك العزلة عن المناطق التي فشلت الدولة في إيصال النمو الاقتصادي والتجاري لها. وهذا التوجه في ثقافة العصر لا يُولي اهتمامًا للخيرات الرمزية، من فنون وآداب وحتى فكر، فهو فكر برغماتي، غاياته تحقيق ربح هذه المؤسسات والفوز بصفقات البحث، وتعليم المشتغلين لغة التواصل البسيطة التي تيسر عملية التعلم السريعة والربحية، بعيدًا عما يعتبرونه “تعقيدات حضارية” لم يُعرها الغرب الأوروبي أي اهتمام، من قبيل الهوية والثقافة والمعرفة النظرية.
وهو اتجاه عُرف في أوروبا بالوضعية العلمية، التي تخدم الأبعاد الحيوية في الإنسان، من خلال التركيز على الغايات والمتطلبات التي تخدم أغلب الفئات الاجتماعية. لكن الوضعية الغربية اختلفت عن هذه التوجهات بتقدير العلوم الوضعية ودعمها، لأنها تمتلك القدرة على تحقيق المنافع ودرء المخاطر المهددة لسلامة المجتمعات الغربية، حياةً وصحةً.
وفي ظل الأزمة التي عاشتها أوروبا، وإدراكها لأهمية المجتمعات والقارات القريبة منها، كان عليها الاقتراب من الفئات المهمشة والتواصل معها، بعد أن أدركت فشل الدعوات التبشيرية المسيحية ومحدودية اعتبارها مدخلًا لتأمين ولوجها. فاختارت أسلوبًا برغماتيًا، سرعان ما أعدت له عدته البشرية، من دراسات مختصة في اللغويات الشفاهية، وفاعلين مجتمعيين، غايتهم العلنية تحقيق التنمية بوتيرة سريعة، أما الخفية، فهي إيجاد مناصب للتحكم في المجتمعات الشفاهية والمناطق النائية، تعليمًا وتلقينًا.
وليتها كانت صحةً وطرقاتٍ ومسالك، لكن المثقفين الجدد سينالون نصيبهم من الثروة المنتجة، وكذا اقترابهم من مراكز القرار، وبذلك يتحولون إلى موجهين للتنمية الجديدة، تحت إمرة الدولة، لتحقيق أسرع المداخل للتنمية الاجتماعية.
ولا تنمية اجتماعية بدون محو الأمية، والانخراط الفعال والسريع في الإنتاج الواعي بثروة تؤهلهم لتسيير أمور حياتهم اليومية وأسرهم المهمشة في دواوير نائية.
2- مغرب الثقافات
لا يمكن لأي حضارة إنسانية توفير الثروات المادية وإهمال ما هو روحي ورمزي، وإلا اقتربت من الحيوانية رغم المظاهر الحضارية، من بنايات وسيارات وحتى صناعات. فالثقافة حاجة ملحة، والمدارس والجامعات ليست مجرد معاهد لتخريج متطلبات سوق الشغل، بل هي كذلك مشاتل للمعرفة العلمية، بما ينبغي أن تخلقه من رجالات العلم والفن والآداب.
وهذا ما لا تريد فهمه “جماعة عيوش” وفعاليات المجتمع المدني المهتمة بتحقيق التنمية وفق حاجات حددتها المؤسسات الغربية، وفق فهمها الخاص للمجتمعات ذات الكثافة السكانية الشفاهية، كما يحلو لهم تسميتها.
وبذلك، فإن رهان المثقفين المغاربة المناهضين لأطروحة “التهجين” هو الرقي بمدارك الناس المعرفية والوجدانية، دون التنكر لحاجاتهم الحيوية المادية، ووفق ما يسمح به التطور الاقتصادي للبلد. كما يتمثل هذا الرهان في دفع الفاعلين الاقتصاديين إلى تأدية الضرائب، واعتبار ذلك مساهمة في بناء المجتمع النامي، مع مساهمة أثرياء البلد في دعم صناديق التطوير والابتكار العلمي.
هنا نريد لجماعة عيوش أن تكون فاعلة ومؤثرة، فلماذا لا يستحضرون تجارب الأمم الأوروبية، من حيث مساهمات أثريائها في النمو، ودعم الفن والعلوم الحقة وحتى الإنسانية منها، بل والتشكيلية؟
إن المثقف المغربي لا يمكنه السماح لمثل هذه المقترحات المخربة للذوق الفني، والمتحاملة على الثقافة المغربية المكتوبة باللغة العربية، لصالح مشاريع جُربت من قبل في لبنان وبعض الدول الغربية، لكنها أغلقت ثقافاتها في وجوه عالمها الإنساني، الذي لا يفتح أبوابه إلا للغات الحية، وليس لدارجة بها الفصيح والإسباني والفرنسي، تواصلية فقط، وعملياتية، غايتها خدمة المتطلبات اليومية.
باستثناء الجزل المغربي، كقول فني يمتح من صور اللغة الفصيحة ويغنيها بآليته التعبيرية الجميلة، والأمازيغية التي بإمكان الناطقين بها تحويلها إلى لغة شمال إفريقية، تفرض ذاتها مستقبلا على التجمعات البشرية القارية أو حتى الحضارية الأخرى.
خلاصات
على “المثقفين الجدد” والخبراء التمييز بين العروبة واللغة العربية، فالعربية عربيات، قابلة للتطور بوتائر متغايرة، وكونها جزءًا من الهوية التاريخية للمغاربة لا يعني أنها مناقضة للأمازيغية، ولا يعني أن المدافع عنها منحاز للتيارات السلفية، كما يوحي بذلك أنصار اللهجات.
إنها لغة ابن رشد، والسهروردي، وابن طفيل، وابن خلدون، ورواد النهضة العربية في القرن التاسع عشر، الذين تعلمنا منهم الكثير. كما توجنا معارفنا بإنتاجات العروي، والجابري، وسالم يفوت، ومحمد سبيلا، وغيرهم الكثير.
نحن جميعًا طلبتهم، فأرونا مثقفيكم وطلبتكم، يرحمكم الله؟
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.