المثقف الانتهازي

المثقف الانتهازي
الجمعة 4 مارس 2016 - 14:50

كان ميشيل فوغو في كل حواراته يقول إن الثقافة ما لم تكن تحرك السياسة وتنعش الإبداع وتجعل الأطفال كما الشيوخ يفكرون بـ”أنانية جماعية” في مستقبل الوطن، لا يمكن أن تكون ثقافة. أتذكر أن فوكو نفسه كان يصف نفسه بالكاتب الفاشل إذا ما عجزت كتاباته في أن تثير حدس السياسي ومخيال الأديب وبداهة المفكر وجشع البرجوازي وأحلام البروليتاري.

في المغرب، الثقافة لم تعد تغري أحد، ولا تحرض أحدا على مناقشة الأفكار والمشاريع الثقافية، وحالها لا يختلف كثيرا عن أحوال التعليم والصحة والصحافة، وحتى معرض الكتاب الذي كان من المفترض أن يتحول إلى لقاء سنوي بين مثقفي المغرب، لنقيس نبض المغرب الثقافي وتحولاته على مختلف المستويات، أصبح مجرد واجهة تسويقية أشبه ما تكون بمعرض لبيع السيارات وتسويق العطور النسائية، تتحكم فيه قوانين السوق.

ما يحدث في معرض الكتاب منذ سنوات يؤشر على أن الكل متواطئ في لعبة السوق: وزارة الثقافة حولت أروقة المعرض إلى فضاء للبهرجة المجانية للكثير من المبتدئين الدخلاء على الثقافة لتحقيق الشهرة المزيفة، وأشباه الكتاب المهرولون، استوعبوا القانون جيدا، وأصبحوا هم أيضا يسايرون منطق السوق، والعارضون، الذين يأتون من كل بقاع الدنيا، يعرفون أن مفاهيم النهضة والتحديث والإقلاع ليست سوى شعارات للاستهلاك المناسباتي لا تتلاءم مع طبيعة قوانين السوق.

وقانون السوق يؤمن بأن الغلبة للأقوى، والأقوى في هذه البلاد، من يتوفر على”الجدة في العرس”، والحال أن الكثير من الكتاب الذين سكنتهم لوثة الإبداع، يبحثون عن فرصة صغيرة جدا كي يثبتوا للناس أن الأدب والرواية والنحت وروافد الثقافة ما تزال بخير، لكن مشكلتهم أن لا أخ ولا أم ولا جدة ولا ربيب في عرس محكم التنظيم، ومدعووه معروفون جدا.

قبل عامين تقريبا كتبت في نفس هذا الركن إن رواية تغريبة العبدي المعروف بولد الحمرية لصاحبها عبد الرحيم حبيبي أسقطت دكتاتورية الأسماء الكبيرة المسكونة بالشهرة والمال، لأنها جعلت لجنة انتقاء جائزة البوكر تعترف بفرادة رواية حقيقية لم يتعرف عليها المغاربة، فهو لا يعرف نقادا “مزيفين” يفهمون في منطلقات الرواية وتشكل الصخور في الهيمالايا ويمزجون اللغة الشعرية بأزيز الرصاص وهدير الشاحنات، ولا يحضر مع رئيس الحكومة وزعماء الأحزاب في الملتقيات الوطنية والعالمية. لم يتغير الشيء الكثير منذ ذلك اليوم، والذي قاله عبد اللطيف اللعبي عن علاقة المال بالثقافة صحيح جدا..إنها علاقة فساد حقيقية.

كي تصبح كاتبا ناجحا في المغرب، ليس مهما ان تكون قارئا جيدا ذو خيال واسع ورؤية ثاقبة ورصيد ثقافي غني، وهي مقومات الكتابة كما تواضع عنهم أصحاب”العشبة الزائدة” كما يقول محمود درويش. يكفي فقط أن تكون على علاقة طيبة ببعض الصحافيين: يمدحونك صباح مساء ويشبهونك بدويستويفسكي جديد ولا شيء يفرقك مع الخطيبي وغراس وراجع، وكتاباتك تستحق نوبل لو أن هؤلاء الغربيين يمنحونها لأبنائهم، وان تتوفر على نقاد يفهمون في كل شيء ولم يقرؤوا يوما شيئا..وأن تتوفر على شبكة علاقات واسعة في كل المجالات: يطبعون لك الكتب الضحلة، ويوفرون لك شروط الراحة في المنتديات، ويدعونك إلى المؤتمرات، ويحرضونك على الكتابة للمجلات الصقيلة.

الكتابة أيضا أصبحت موضة حقيقية، تتغير حسب الفصول والشهور والمواسم، ومعرض الكتاب السنوي هو جزء من هاته الموضة، ولم أجل أفضل من عبارة للشاعر نبيل أكنوش الذي قطع آلاف الكلمترات لتوقع ديوانه الشعري الجديد، لقد قال في لحظة غضب: المثقف ينهش لحم الثقافة..هكذا تصبح الكتابة فعلا انتهازيا يقود نحو الشهرة…والانحطاط..وهذه هي المأساة…

*صحافي بيومية المساء

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • KITAB
    الجمعة 4 مارس 2016 - 16:34

    ليس لدينا مثقف بالمعنى الشمولي للكلمة ، لدينا حاليا في العالم العربي كتاب تقطعت بهم سبل الكتابة فلا يجدون القنوات لصرف أفكارهم وخيالاتهم…. فيتعاطون للكتابة في الصحف الورقية أو الالكترونية… أو يهدرونها في المقاهي. وحتى التكنولوجيا التي هيمنت على الحياة العامة غيرت من مفهوم المثقف ليصبح إنسانا يعانق الكونية ويتأمل حركة السيرورة البشرية. لكن نشر أعماله قد تتربص به الأصابع النشالة ، فتصاب سلعه بالبوار.

  • L autre
    الجمعة 4 مارس 2016 - 16:37

    الكاتب المحترم: الم تفهم بعد يا اخي ان الثقافة دخلت تحت راية المولات وأصبحت تمشي على بسط مدارج استعراض الموضة والأزياء. الثقافة أصبحت أنثى تبيع جسدها على فراش الرأسمالية ودوائر النفوذ … ولما لا تجد جدة او اخا في محافل المال والنفوذ تلجأ للبغاء على طريقة التشرميل ، نعم التشرميل الثقافي، موهمة أينا نحن معشر الاغبياء انها تحمل هموما وقضايا لشرعنة غضبها وعنفها … اخي الكاتب نحن فقدنا حظ الثقافة تحت تأثير تربية السوق فأصبحنا لا نفهم الا منطق الاستهلاك الحيواني لكل ما يعرض علينا في قارعة الطريق … فلا تشغل بالك بشيء اسمه الثقافة وقد صرنا عبيد الشاشات والاعلانات وأجساد البنات … الذي بيع لنا بمصطلحات العبث من نوع العولمة والحداثة والتقدم والنمو وووو … والله المستعان.

  • لا بد من التراكم
    السبت 5 مارس 2016 - 11:15

    إلى التعليق 2: بدأتَ كلامك بشكل مقبول وأنهيته بشكل سخيف: "..الذي بيع لنا بمصطلحات العبث من نوع العولمة والحداثة والتقدم.." فقد اختلطتْ عليك الأمور فخلطتَ بين ما لا يقبل الخلط. ما علاقة الحداثة بما يتكلم عنه المقال؟ الأخ حداد بدأ حديثه بسيرة فوكو كنموذج للمثقف الحقيقي ونحن نعرف أن فوكو ابن الحداثة بامتياز بل من مدشني ما يُعرف بما بعد ـ الحداثة التي هي امتداد للحداثة وليست قطيعة معها كما يُفهم من المصطلح.
    وحتى نُنصف المغرب أُذَكّر بأن هذا المشكل أصبح اليوم شبه عالمي فحتى في بلد فوكو يعانون منه وقد قالها صديقه دولوز قُبيل وفاته أننا نعيش في حالة فقر ثقافي وذكَّر بفكرة نيتشه أن الابداع عبارة عن رمح يُرمى فيطير فوق الرمال القاحلة ويقع في مكان ووقت معين والمحظوظ طبعاً هو من يقع عنده. فلا أستغرب أن لا يكون "رمح نيتشه" الآن في المغرب (كما يصف المقال بدقة) إذا كان غائباً حتى على الغرب المتقدم. طبعاً هذا ليس عذراً للمغرب لكن الواقع أن هذا حال الدنيا اليوم وإذا كان عندنا على الأقل عدد لابأس به حتى من "أشباه المثقفين" فلعل هذا يكون من نوع التراكم الذي يخلق الجودة وماركس أعلم. وشكراً

  • أحفاد محرروا المغرب
    السبت 5 مارس 2016 - 23:22

    كيف للكتاب والمفكرين أن يبرزوا في العالم العربي – والمغرب ضمنه طبعا- وكيف لمعرض الكتاب أن ينشر أفكار المثقفين والمفكرين الحقيقيين الذين يحملون هم الأوطان والمواطن/ الانسان والسعي الى الرقي بها الى مصاف الدول المتقدمة. وبمناسبة حديث صاحب المقال عن معرض الكتاب الأخير الذي عرف هجوما للكتب الوهابية التسطيحية المدعمة من بلدان الخليج الرجعي التي تعادي كل ما هو عقلاني وانساني وتحاول أن تحشر الانسان العربي في بوثقة الكائن المتحجربدعوى المحافظة على الخصوصية والهويةهوسبب انتهازية الكتاب الجدد الذين يرقصون على ايقاعات التخلف.أليست هذه الهوية المتحجرة هي من أنتج" فكر القاعدة"عندما صدم العرب بحضارة الغرب في أمريكا التي انتقلوا اليها حاملين معهم أرصدة مالية خيالية ولكن أدمغتهم الفارغة شكلت أمامهم عائقا في الاندماج ، ولم يجدوا أمامهم سوى نصب العداء والكراهية لكل ما هو متقدم ومختلف عن العربي.
    فحذاري للمفكرين المغاربة من أن تستهويهم دولارات الخليج ويساهمون في تمسيخ الفكر المغربي الذي كان وما يزال فكرا انسانيا قبل كل شيء.

صوت وصورة
شوكي: النتائج تخلف الارتياح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:24

شوكي: النتائج تخلف الارتياح

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في بني ملال
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:02

النتائج المؤقتة في بني ملال

صوت وصورة
مباشر | نتائج انتخابات المغرب
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:41

مباشر | نتائج انتخابات المغرب

صوت وصورة
بنسعيد يتفاءل بالنتائج المؤقتة
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:22

بنسعيد يتفاءل بالنتائج المؤقتة

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في الرباط
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:14

النتائج المؤقتة في الرباط

صوت وصورة
عامل تنغير ونسبة المشاركة
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 22:41

عامل تنغير ونسبة المشاركة