المختار بنعبدلاوي.. رحيل مثقف نهضوي نموذجٍ للصبر والتشبث بالحياة

المختار بنعبدلاوي.. رحيل مثقف نهضوي نموذجٍ للصبر والتشبث بالحياة
صورة: صفحة المختار بنعبدلاوي
الجمعة 30 غشت 2024 - 01:00

صدم الوسط الأكاديمي والثقافي والمدني في المغرب والوطن العربي برحيل الأستاذ المختار بنعبدلاوي، أحد أبرز الوجوه المغربية النشطة أكاديميا على مستوى الدرس الفلسفي بالمغرب.

اشتغل الراحل أستاذا للفلسفة بكلية الآداب المحمدية متخصصا في الفلسفة السياسية والإسلاميات المعاصرة، بعد انتقاله إليها من كلية الآداب ابن مسيك التي قضى فيها سنوات طويلة، بعد أن كان من أبرز مؤسسي شعبة الفلسفة هناك نهاية التسعينات من القرن الماضي، حيث كان مسؤولا عن وحدة الدكتوراه “دراسات في الدين والسياسة” التي خرجت الكثير من الباحثين.

عُرف الأستاذ بنعبدلاوي بنشاطه المدني المكثف من خلال تأسيسه منتدى المواطنة إلى جانب ثلة من أبناء الحركة الاتحادية والمقربين من مدرستها، تحت توجيه المجاهد الكبير محمد الفقيه البصري بعد عودته من منفاه الاضطراري، مستوعبا مجموعة من المثقفين والشباب حينها.

تعرفت على الأستاذ المختار بنعبدلاوي في سياق الحراك السياسي الذي عرفه المغرب منتصف التسعينات من القرن الماضي، وأنا المتخرج للتو أستاذا للفلسفة، بعد عودتي إلى البيضاء من فكيك عقب سنتي عمل قضيتهما هناك. حيث كان المشهد السياسي يغلي، وكانت الحركة الاتحادية حينها في قلب المعادلة السياسية تتطلع إلى تغييرها حراكا في الشارع ونضالا داخل المؤسسات، خاصة في مرحلة ما بعد اعتقال الزعيم النقابي الراحل محمد نوبير الأموي حين تحدث سنة 1992 عن الملكية البرلمانية ووجوب بناء ديمقراطية حقيقية في المغرب بعيدا عن سيطرة القصر وتحكمه في اللعبة السياسية، مقابل إعداد النظام لمشروع “التناوب” الذي يعرف الجميع قصة بدايته ونهايته.

في تلك الأجواء التقيت الأستاذ بنعبدلاوي، وخاصة حين تبلور داخل الحركة الاتحادية تيار تصحيحي لمواجهة خطايا التيار المتنفذ في الحزب الذي انتصر لإدماج الاتحاد داخل بنيات السلطة وإلحاقه بها، في تغيير دراماتيكي لمشروع الاتحاد التحرري ومدرسته النضالية وإرثه الممانع الذي امتد لأزيد من ثلث قرن بعد انقلاب الحسن الثاني على حكومة الزعيم عبد الله إبراهيم.

أثار الأستاذ بنعبدلاوي انتباهي بخطابه الهادئ ونفَسه النقدي واستحضاره لجوهر المشروع التحرري الاتحادي بشكل متوازن يركز على جوهر الأشياء وعلى القواسم المشتركة ويبتعد عن المواقف المتطرفة وعن منطق شخصنة الخلاف، قبل أن يبدأ الفرز وتجمعنا صفوف تيار الوفاء للديمقراطية بعد الهزة التي ضربت الحركة التصحيحية للاتحاد في مؤتمره الوطني السادس. وقد كان بالمناسبة أحد محرري وثيقة هذا التيار، حيث كتب الفصل الخاص بالهوية. وبعد مدة قرر الابتعاد عن العمل السياسي المباشر، مُؤْثرا العمل في الواجهتين الأكاديمية والمدنية، قبل أن يعلن عودته إلى العمل السياسي قبل سنة ونيف بحضوره اجتماعات اللجنة التحضيرية لتأسيس حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي والمساهمة في تأسيسه وحضور أنشطته.

جمعنا العمل لفترة في إطار منتدى المواطنة، وبعد مدة غير يسيرة أسس “مركز مدى للدراسات والأبحاث الإنسانية” الذي واصل من خلاله حمل الهموم نفسها في بناء جيل من الباحثين الملتزمين بقضايا المغرب والوطن العربي، مركزا اهتمامه خاصة على الواجهة المغاربية منفتحا على نخب أقطارها المتنوعة في موريتانيا والجزائر وتونس وليبيا، مؤمنا بوحدة المغرب العربي الكبير مهما وصلت حدة الاختلافات بين أنظمتها التي بقيت في معظمها رهينة لمحددات النشأة الاستعمارية وخاضعة لضوابطها السياسية والاقتصادية والثقافية، وهي الأخطر في نظره، وواثقا في الشباب الذي آمن بأنه سيواصل المعركة وسيحمل المشعل.

وكم كنت محرجا ذات سنة من سنوات بدايات الربيع العربي حين اقترح علي أن يجري حوارا معي في مجلة “رهانات”، حول الثورات العربية ومآلاتها، وأنا الطالب وهو أستاذي الذي يؤطر أطروحتي في الدكتوراه. حاولت التهرب جهد المستطاع، لكنه حاصرني حتى قبلت بالأمر، ليفاجئني أكثر بأنه اعتذر بلياقة عالية إن كان الأمر قد سبب لي أي حرج، فكان الحرج مزدوجا، يا لَلُطف هذا الرجل بالفعل.

وفي سياق اهتمامه الثقافي والأكاديمي كان منتصرا دوما لبناء معرفي يتجاوز الأفق الضيق للعمل السياسي والشعارات الإيديولوجية، فأسس المنتدى المغاربي الذي عقد أكثر من عشرة مؤتمرات ناقشت كل الهموم التي تحملها النخب المغاربية وشعبها الواقع ضحية صراعات لا دخل له فيها تلعب عن طريقها اليد الاستعمارية فعلها في المزيد من التشتيت لتُؤبد عملية الهيمنة عليها.

كانت الثقافة واحدة من الهموم الأساسية التي حملها الراحل، وخاصة قضية الهيمنة الفرنكوفونية على منطقة المغرب العربي، والإقصاء المتعمد للغة العربية ولثقافتها الجامعة والموحدة للمنطقة وشعوبها. وكان شديد الدفاع على فكرة أن تحتل العربية مكانتها الحقيقية في المعمار السياسي والثقافي والاقتصادي المغاربي، على أن تكون الإنجليزية هي اللغة الأجنبية الأولى بحكم كونها لغة العلم والمعرفة في العالم، مع ضرورة التخلص من الفرنسية باعتبارها لغة معيقة للتقدم والنهضة في بلدنا والمنطقة.

ناقشت الندوات التي أقامها مركز مدى كل القضايا الشائكة، وساهمت في توعية الرأي العام؛ فمن قضايا التحرر والعدالة، إلى قضايا التجديد الديني، (حيث كان من أوائل التقدميين المنتمين للمدرسة اليسارية والقومية انفتاحا على تيار الإسلام السياسي مستدعيا رموزه ومحاورا لهم ومدافعا عن الكتلة التاريخية)، وقضايا الديمقراطية والنخب المأزومة إلى قضايا التدخل الأجنبي والهيمنة، وقضايا الربيع العربي، والقضية الفلسطينية وقضايا التحرر العربي المختلفة… وأصدر بعضها في كتب. في حين صدر بعضها في مجلة “رهانات” التي ترأس تحريرها.

صدرت له عدة كتب، بدءا من سنة 1996 في دمشق، حيث ترجم كتاب جاك مونتوي: “مختصر تاريخ الفلسفة”، وبعدها أصدر كتاب “الإسلام المعاصر.. قراءة في خطابات التأصيل” وكان أطروحته في الدكتوراه التي ناقشها في جامعة دمشق تحت إشراف الفيلسوف العربي الكبير الطيب تيزيني.

كما أشرف فيما بعد على صدور مؤلف جماعي، بمشاركة فريق من الباحثين من أقطار عربية مختلفة، بعنوان: “ماذا بعد الربيع العربي؟” بالإضافة إلى عدد من الدراسات والمقالات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية في الفلسفة، والإسلاميات المعاصرة.

ورغم انشغاله الأكاديمي والمدني لم يبتعد عن القضايا السياسية والاستراتيجية الكبرى، حيث واكب معظم فعاليات التضامن المغربية ضدا على الاحتلال الصهيوني لفلسطين وبعدها العدوان الأمريكي على العراق واحتلاله، وكذا العدوان الصهيوني المتواصل على فلسطين ولبنان وسوريا. وكان لا يخلف موعدا مع المظاهرات الكبرى التي كانت تؤطرها مجموعة العمل الوطنية من أجل العراق وفلسطين. ورغم أنه واجه وضعا صحيا صعبا ومعقدا، لم يمل أو يكل في اهتمامه بقضايا وطنه وأمته.

أذكر أنني التقيته قبل شهرين وكان قد اجتاز عملية جراحية معقدة في فرنسا، فكان نقاشه منصبا على مآلات المعركة التاريخية التي يخوضها الشعب الفلسطيني في طوفان الأقصى، ومناهضة التطبيع مع كيان الإرهاب الصهيوني. وكلما كنت ألفت انتباهه إلى ضرورة الاهتمام بوضعه الصحي، كان يؤكد لي أن ارتفاع المعنويات بما يحققه الشعب الفلسطيني من منجزات رغم التوحش الصهيوني، جزء من نجاحه في المعركة ضد المرض اللعين الذي كان يواجهه بصبر وتحدّ واطمئنان وإيمان صلب بالحياة، فكان لا يفتأ يحدثني عن مشاريعه الفكرية للسنوات القادمة، مستفسرا عن بعض ما كنا قد تحدثنا عنه في السابق، بروح مرحة وهادئة، مما جعله حديث الجميع في تقديم نموذج للصبر والتحدي والتشبث بالحياة.

لقد كان بحق يمثل نموذجا في الأخلاق وتحمل الاستهداف والابتعاد عن الشتم والمحافظة على أعراض الناس مهما كان الخلاف الفكري والسياسي، حتى أنني أكاد أجزم أنه الشخص الوحيد الذي لم أجده مرة متلبسا بغضب أو متحدثا بصوت عال، رغم لقائي به عشرات المرات، وفي ظروف مختلفة، فكان نِعم المثقف العضوي الخلوق، ومثال الرجل النهضوي الذي لا تستهلكه الصغائر.

رحم الله الأستاذ المختار بنعبدلاوي وأسكنه فسيح جنانه في ديار الخالدين. ولأسرته الصغيرة ممثلة في زوجه السيدة ماجدة قصبة، ابنة دمشق الفيحاء وأبنائه الطبيبة الدكتورة لينا، والمهندسان محمد ورفاعي، ولأمه الطيبة السيدة خديجة عبدلاوي التي أثر فيّ صبرها واحتسابها وصوتها الهادئ لحظة تعزيتها في فقدان ابنها الذي كانت تربطه بها علاقة خاصة لطالما حكى لي عنها، أطال الله عمرها، وهي امرأة التربية الفاضلة التي تخرج على يديها عشرات الآلاف من التلاميذ، أستاذة ومديرة في مكناس وسلا والبيضاء، ولأخته سناء، لهم جميعا ولكل ذويه وطلبته ومحبيه وافر الصبر وجميل السلوان.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • fati68
    الجمعة 30 غشت 2024 - 01:15

    الله يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته ويلهم اهله الصبر والسلوان إنالله وإنا إليه راجعون

  • متقاعد
    الجمعة 30 غشت 2024 - 09:10

    رحمة الله عليه واسكنه فسيح جناتك … والهم دويه الصبر والسلوان.. تعازينا الحرة لكل اصدقاءه المفكرين … وانا لله وانا اليه راجعون!!!!

  • بوعزة بوعزاوي
    الجمعة 30 غشت 2024 - 09:18

    لروحه الطاهرة ألف سلام.
    بالفعل فقدت الساحة السياسية والاكاديمية الفقيد المختار بنعبدلاوي،عرفته محاضرا ضمن الأنشطة السياسية التي نظمتها الحركة التصحيحية في مدينة بنسليمان بحيث لم يتردد في قبول دعوة المناضلين الاتحاديين الاوفياء للخط الأصيل الذي رسمه الشهيد المهدي بنبركة والشهيد عمر بنجلون وكان موضوع محاضراته التيارات الإسلامية في العالم العربي…
    وفاة الأخ بنعبدلاوي خسارة للدرس الفلسفي الاكاديمي وللساحة السياسية النظيفة.

  • sabounidal98@
    الجمعة 30 غشت 2024 - 11:22

    رحمه الله و غفر له و إلهم ذويه و عائلته الصبر
    و السلوان و انا لله و انا اليه راجعون…تعرفت على الاستاذ منتصف سنوات التسعينات داخل الحركة الاتحادية..و ما زلت احتفظ بنسخة من مؤلفه “الاسلام المعاصر” مذيلة باهداء شخصي .. انسان خلوق مثقف و هادئ و نهم للتعلم و المعرفة فرغم شهادة الدكتوراه التي يحملها شاركنا ايضا فصول الدراسة كطالب بعد ان تسجل بكليه الحقوق المحمدية .. لروحه الطيبة السلام.

  • عبدو العلوي
    الأحد 1 شتنبر 2024 - 17:42

    إنا لله وإنا إليه راجعون رحمة الله عليه…ويبقى مساره الثقافي والنضالي بصمة مشعة بين معاصريه ومن عايشوه عن قرب…كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة…

  • عبد الغني
    الإثنين 2 شتنبر 2024 - 12:36

    إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم اغفر له وارحمه واسكنه فسيح جناتك وارزق اهله جميل الصبر والسلوان. اللهم اغفر وارحم أموات المسلمين

صوت وصورة
حفل اليوم السعودي بالرباط
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 23:58 1

حفل اليوم السعودي بالرباط

صوت وصورة
"فلامات" الاتحاد الدستوري
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 22:41

"فلامات" الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
بنعتيق في "دوار الكورة"
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 20:58 2

بنعتيق في "دوار الكورة"

صوت وصورة
قواعد الانتخابات التشريعية
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 20:06 1

قواعد الانتخابات التشريعية

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 19:00

أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك

صوت وصورة
حملة مرشح "الأحرار" في مديونة
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 18:53 3

حملة مرشح "الأحرار" في مديونة