المدينة التي تحجب عنا سماء الحضارة..

المدينة التي تحجب عنا سماء الحضارة..
الإثنين 1 شتنبر 2025 - 15:10

منذ سن مبكرة وأنا أقرأ عن أحلام فلاسفة المدينة الفاضلة (أو المثالية). اكتشفت ربما أن خيالات أفلاطون كانت تستوعب جزءًا من إدراكاتي العقلية والفكرية، وتسع كل طاقاتي الإبداعية، لدرجة أني كنت أعتقد في يوطوبياي الهشة، أن حكمة المدينة المعيارية ستكون علامة فارقة في النبل والإيثار والكفاية والإنصاف. لكن، وفي حدود انقباض الآمال وتجهم الحوافز وتشرذم القيم وارتداد أخلاق الإنسان، تعثرت تلك الأحلام، وانحبست في كسورها وأوابدها، مرتجفة ومستدبرة من هجوم الأضداد والخوالف والانهيارات الحضارية والثقافية على مقدراتها ونواظمها، إذ لم تعد تشمل طبيعتها «المثالية» كمدينة تجلو بصفات المواطنة المعنوية والروحية والهوياتية.

تلك الأنساق القائمة على قوة الدفع والتدافع، وتحقيق مناطات الوجود والرقي، بما هي صفات محايثة للكرامة والعدل والمساواة والرفاهية، داعمة لكل هياكل التحضر والمدنية، ليس في أسلوب العيش فقط، ولكن أيضًا في المظهر العمراني والتنظيم والتخطيط والأداء الخدمي السكاني السلوكي البشري والإداري.

في عالم معكوس يراد به إدانة شرعية العالم الصحيح الواقعي، نلتقي دائمًا كطوباويين متأخرين، نرتقى بأحلامنا نحو علياء مدينة توماس مور “الطوباوية” الاستثنائية، حيث “المكان لا وجود له في أي مكان، وعلى حضور غائب، وحقيقة غير حقيقية”، لكنها محكومة بجغرافيا لا نهائية، وشعب شبحي ونظام صامت غير مأهول بالتعارض أو الاصطفاف.

ينساق هذا الاعتبار الفلسفي إلى مديات قيمية ذات حمولة مجردة من كل احتمالية أو تخلّف، تستتبع في عمقها درجات من الغبطة والسعادة والحظ والخير، كأنها قاطرة للإدامة والتنوع وحياة النموذج، تمامًا كما هو الحال في رمزية حدائق الكينوس داخل نشيد الأوديسا في الجزيرة السعيدة.

تشوهات قضمت لسان مدينتي المتخيلة، وألقت بصمتها في غياهب الضمور والتواري. لم يعد باستطاعتي حتى استحضار وجه المدينة كخلفية نوستالجية اختلستها شيخوخة الزمن واضطراباته العنفية المروعة، كما اختلالاته وانفلاتاته المستعرة، التي غرفت من أيادي آفاقي النصب والسمسرة وفساد الأخلاق. فقد أضحت سرابًا ثاويًا يتجافى عن استرداد الصور والعلامات الدائبة المأسورة في قدورها وأحوازها الضيقة.

ومع الانتشار الواسع لمفهوم الاستبدال الرحلي والتجلي السفري، في أبهى حلله وأبنيته الجديدة، اختلطت القصص الحقيقية بتلك المتخيلة لبلاد سعيدة، توجَّه منسوب تعبيرنا لمجهول يستحكم بقوة الحرية المزعومة، وتسارع التأثير في مخزون المستقبل وانتظاراته البذخية المشتهاة، بغريزة مفتوحة على كل الاحتمالات، غير آبهة بقيم الجمال والحس السليم والذوق الراقي، منحدرة نحو العوالم المفتونة بالغنى المادي والكسب السريع والإغداق السافر وإفراغ كل مبدأ من قيمته الحقيقية.

وإذ يتحول هذا المشهد الدراماتيكي إلى واجهة سحرية متلاشية، تجترحها نتوءات راجفة، في غموضها وانحدارها إلى ما يسميه اليوطوبيون الجدد بـ”العالم الأخلاقي الجديد”، الذي تتنمط فيه النظريات وتتعزز بشعبوياتها المؤدلجة، وتتكرس فيه روابط السياسة الكاذبة، ومزوري الضمائر، ومنعدمي الخصوصية، تصير فيه أحلام البشر المؤمنين الصالحين بالعدالة والمساواة والخير، مجرد حيوانات محشورة في زوايا العسف والبوار والمغالاة. ولم يعد لتحصيل السعادة ها هنا، كما يقول الفارابي، أي امتلاء يجُب ما قبله، حيث تكون “السعادة القصوى غاية قصوى، وخير أسمى يعين الإنسان على تحقيق مدينته الفضلى”.

في ذلك الجلال المنصف لمعنى السعادة في مدينتنا المثالية، يرتقي هذا الإحساس ويسمو، كأنه ينهل من بواعث هذه المعارف التي تخلد لجزء من تاريخنا المقروء، المستنير المستعطر من مرجعيات فكرية قدوية تعتبر زوال الشرور عن المدينة وحصول الخيرات الطبيعية والإرادية كلها، نافذة لاحتواء السعادة الفاضلة، كما هي كائنة عن الكمال المطلوب.

ومن عجيب هذا التفكير، أن ترتبط السعادة في المدينة الفاضلة بما يتوجب على الساكنة القاطنة فيها أن تسمو بما يلزم من النفس والإرادة والمعرفة، وكلها تشوفات تضاهي في بلاغتها نزوعية نحو الإخلاص واستبطان قوة المروءة، حيث يصير الإنسان بإرادته واختياره سعيدًا بأخلاقه ومعرفته، غير منساق لملذاته وغرائزه.

فهل كان لنا اليوم، وفي ظلمة طويلة ممتدة عبر كل هذه الانهيارات، أن نصل باب الحكمة في القبض على سعادة مدينتنا المأمولة؟

لا أعتقد أن مدينة بهذه الصفات الروحية العلوية ستستيقظ فجأة، وتعود إلى ملقاها الإنساني فينا. فقد ضيعتنا الأحقاد والفتن وحب الأموال وانتشار الجهالات. لكننا بإزاء هذا البلاء العظيم، صار من الضروري إعادة تطويع وتصنيف أفعالنا وسنننا الإرادية وأخلاقنا وملكاتنا وسجايانا، دون أن نحيد عن حقيقة انشغالنا بالتفاهات والخوالف المهيضة، مع تجفيف كوابح رؤيتنا للعالم ومتغيراته، في ظل تقعر الغايات والمحسوسات، التي تجعل من حالاتنا العقلية والنفسية مضمارًا للتوازن والتحلي بروح المعرفة وتحكيم العقل وارتضاء الأفضل.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الثلاثاء 2 شتنبر 2025 - 06:23

    “.Je ne crois pas à l’utopie, mais je n’ai jamais pu me dispenser de la chercher”

    “لا أؤمن باليوتوبيا، ولكني لم أستطع قط التخلي عن البحث عنها.”

    (André Gide) (1869-1951)
    (كاتب فرنسي)

    (البشر مدفوعون بطبيعتهم لتخيل مجتمع أفضل والسعي نحوه، حتى لو كانوا يعلمون أنه حلم مستحيل.)

    عزيزي الكاتب،
    لقد جسدت في كلماتك الألم والانكسار الذي تشهده المدن اليوم، تلك المدن التي من المفترض أن تكون بعيدة عن الانحطاط، مشرقة بالعدل والكرامة. لكن الواقع مرير، حيث تحولت الأرض التي تحمل المدينة إلى مسرح لصراعات وحروب مادية وأخلاقية تجعل الحلم بالمدينة الفاضلة يبدو بعيد المنال. رغم ذلك، تبقى الفلسفة والوعي حجر الزاوية في أي تغيير حقيقي.

    المدينة التي تغيب عن سمائنا الحضارية ليست سوى انعكاس لما يغيب في أنفسنا من قيم السمو والكرامة. لا يمكن تأسيس فضيلة مجتمع دون فضيلة الفرد، ولا بناء حضارة بلا بناء الإنسان. لذلك، فإن مهمة النهضة تبدأ من داخل كل واحد منا، بإعادة توجيه إرادتنا نحو الخير، والعدل، والحكمة.

    “ليست المدينة الفاضلة مكانًا نبحث عنه، بل هي وعيٌ نسعى لخلقه داخلنا لنضيء به فضاء الآخرين.”

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
جلسة عمل | إدريس الكراوي
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 21:53

جلسة عمل | إدريس الكراوي

صوت وصورة
بنعبد الله بعد لقاء المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 21:26 5

بنعبد الله بعد لقاء المنصوري

صوت وصورة
لشكر في مقر ''البام''
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 20:15

لشكر في مقر ''البام''

صوت وصورة
المغرب والخليج في مواجهة التحديات
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 19:00

المغرب والخليج في مواجهة التحديات

صوت وصورة
إدريس لشكر يهنئ رئيسة الحكومة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 18:29 4

إدريس لشكر يهنئ رئيسة الحكومة

صوت وصورة
كيفاش تجيب شهادة الملكية أونلاين؟
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 18:00 2

كيفاش تجيب شهادة الملكية أونلاين؟