المعنى النبيل للسياسة

المعنى النبيل للسياسة
السبت 5 شتنبر 2026 - 20:18

السياسة حاضرة في جميع المجالات التي تهم الإنسان داخل المجتمع. ويمكن تعريف السياسة باعتبارها تدبيراً لشؤون الدولة والمجتمع من خلال مؤسسات الدولة والمجالس المنتخبة وهيئات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والتواصل. وتهدف إلى توزيع السلطة والموارد، وكيفية التعامل مع القضايا المهمة مثل التعليم، الصحة، الشغل والأمن. كما تهدف إلى إدارة حياة المواطنين وتحقيق مصالحهم المشتركة.

وترى الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت في كتابها “ما السياسة؟” أن السياسة هي تدبير للاختلاف بين المواطنين المختلفين، باعتماد الفعل الديمقراطي وعدم السقوط في البيروقراطية. وترى أن دور السياسة هو حماية الإنسان والحفاظ على إنسانية الإنسان. كما تقدم قراءة نقدية عميقة للحداثة السياسية. وتدعو إلى استعادة السياسة بوصفها نشاطاً إنسانياً نبيلاً يمارس في العلن بين مواطنين مختلفين، قصد تدبير الاختلاف وبناء العيش المشترك عن طريق الفعل الديمقراطي النبيل. وفي عالم اليوم، حيث تتراجع الديمقراطيات وتصعد البيروقراطيات، يظل سؤال آرندت الأهم: كيف نعيد إلى السياسة روحها كفضاء للحرية والديمقراطية وجودة العيش؟

السياسة في الفضاء العام

تعتبر حنة أرندت أن السياسة ليست فقط علماً بالإدارة والاقتصاد، ولا وسيلة للهيمنة، بل هي فضاء للحرية. يقوم على التعددية الإنسانية، حيث يمارس الأفراد الفعل السياسي بوصفه قدرة على المبادرة والتفاعل مع الآخرين في المجتمع. السياسة تتحقق في الفضاء العام عندما يتيح الحوار والتفاعل بين مواطنين مختلفين ومتساوين في الحقوق والواجبات. وتمارس السياسة حيث يتوقف الإكراه والعنف وتبدأ المساواة والمنافسة. تنتقد آرندت اختزال السياسة إلى الاقتصاد أو البيروقراطية، وتدعو إلى استعادة جوهرها الإنساني كممارسة للحرية.

في هذا السياق، تميز حنة أرندت بين الفضاء العام والخاص. يصبح الفضاء العام كفضاء للحرية يمارس فيه الأفراد الفعل السياسي، أي القدرة على المبادرة وممارسة المواطنة. والحرية السياسية ليست شعوراً داخلياً، بل واقعاً عملياً يتحقق في الفضاء العام من خلال الحوار والنقاش والعمل بين الأنداد من أجل اتخاذ القرارات باعتماد الحوار والنقاش. من جهته، يرى الفيلسوف الألماني أكسل هونت في كتابه “الصراع من أجل الاعتراف” أن السياسة هي تدبير للصراع من أجل الاعتراف والإنصاف، بحيث يقول: “المجتمع الجيد هو المجتمع الذي يسمح لأفراده من خلال توفير الظروف الثقافية والاقتصادية والاجتماعية بتحقيق ذواتهم واستقلاليتهم. كما أنه المجتمع الذي يسمح لأفراده بتحقيق أحلامهم دون المرور من تجربة الاحتقار أو الإقصاء. أو بعبارة أخرى جامعة، فالمجتمع الجيد هو الذي يضمن لأفراده شروط حياة جيدة”.

ينتمي أكسل هونت لمدرسة فرانكفورت النقدية. وقد تأثر بالكتابات الفلسفية لإيمانويل كانت وهيغل ويورغن هابرماس، في بعدها الاجتماعي والتواصلي في الفضاء العام، ليجعل التواصل السياسي والثقافي والاجتماعي من أهم الركائز المهمة لمعالجة الصراع، لتحقيق الاعتراف والإنصاف في المجتمع وبناء العيش المشترك. كما يصبح دور السياسة هو معالجة الصراع وتحقيق الاعتراف والعدالة الاجتماعية.

من جهته، يركز الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس في مشروعه الفكري والسياسي على أهمية الفضاء العمومي، باعتباره مجالاً للتواصل العقلاني بين المواطنين والجمهور وصناعة الرأي العام. وذلك اعتماداً على حوار الأفكار وأتيقا المناقشة والحجاج، قصد الإقناع لخدمة المصلحة المشتركة. وبذلك تساهم السياسة من خلال الديمقراطية النيابية والديمقراطية التشاركية في تحقيق مطالب المجتمع ككل بما فيها الفئات الاجتماعية المهمشة. كما تعمل على إدماج المواطن داخل المجتمع ومشاركته الفاعلة في السياسة والحياة العامة.

السياسة والتعددية السياسية

تقوم السياسة على التعددية وتدبير الاختلاف بين المواطنين في الأفكار والتصورات. ومن دون التعددية الحقيقية لا معنى للسياسة، لأنها تقوم على التفاعل بين مواطنين مختلفين. السياسة ليست توحيداً، بل معالجة للاختلاف في فضاء يحترم الأفراد والجماعات. لذلك، فإن أي نظام يلغي التعددية أو ينكرها، يلغي السياسة ذاتها، كمثال على ذلك الأنظمة الشمولية كالنازية والفاشية.

لكن حين هيمنت النيوليبرالية وأحزابها اليمينية على الدولة والمجتمع، ابتداءً من بداية الثمانينات من القرن الماضي وإلى اليوم، عملت على إزاحة السياسيين الباحثين عن التوازنات الاجتماعية والمدافعين عن مصلحة المجتمع. وبذلك أصبح رجال الأعمال في مقدمة المشهد السياسي يدافعون عن مصالحهم الخاصة، ويراكمون الثروات على حساب باقي الفئات الاجتماعية بدون الاهتمام بالتوازنات الاجتماعية. والأمثلة عديدة ومتنوعة في أوروبا وأمريكا وفي بعض الدول النامية. وهذا يبين كيف استغلوا ووظفوا السياسة لإنتاج قرارات تقشفية وتنفيذها وفق مصالحهم. وبذلك ضربوا دور الدولة الاجتماعية في بناء تعليم جيد ومنظومة صحية قوية وتشغيل يدمج المواطن في سوق الشغل بأجر مناسب يضمن له حياة كريمة. فازدادت أرقام الفقر والتهميش والإقصاء الاجتماعي.

بالمقابل، قامت الأحزاب اليسارية بمراجعة وتجديد خطابها مع سقوط جدار برلين وبحثها عن دور جديد في معادلة العمل السياسي والمدني لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية سواء من داخل مؤسسات الدولة أو من خارجها، باعتماد النضال الديمقراطي السلمي للدفاع عن تصوراتها وبرامجها الاجتماعية في التعليم والصحة والتشغيل لحماية الطبقات الاجتماعية المتضررة من الفقر والتهميش. وذلك ضمن تصور مجتمعي ينبني على جدلية إنتاج الثروة وتوزيعها بشكل عادل من طرف الدولة.

السياسة وجودة العيش

إن الهدف النبيل والحقيقي من السياسة هو تحقيق ضروريات الحياة للمواطن وجودة العيش، من خلال البرامج التنموية في التعليم والصحة والشغل وإدماج الشباب داخل المجتمع. لكن السياسة حين تنحرف عن مسارها النبيل تصبح حرفة عند البعض من أجل الاغتناء وتحقيق المصلحة الخاصة أو إنتاج قرارات قاسية ومجحفة تجهز على المكتسبات المحققة. كما تؤدي إلى أزمات مركبة تنتج الفقر والهشاشة وتعطل حركة المجتمع في التقدم والتطور.

لذلك نحتاج إلى المعنى النبيل للسياسة لفرملة النيوليبرالية التي هيمنت على مفاصل الدولة والمجتمع منذ سقوط جدار برلين، واتساع الهوة والتناقضات الاجتماعية داخل المجتمع، وخلقت أزمات اقتصادية وتوترات اجتماعية وقرارات تعسفية جعلت المواطنين يخرجون للاحتجاج في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية والدول النامية على السواء، للتعبير عن غضبهم ورفضهم لتلك القرارات. وهذا يبين أن الرأسمالية لم تعد مصدراً للرخاء وإنتاج المجتمع الجيد، بل أصبح المواطن يرى فيها نمطاً ينتج البؤس والفقر ويدمر البيئة ويجعل العالم على مشارف حرب نووية مدمرة للحياة على وجه الأرض.

في هذا السياق، لا يمكن بناء الديمقراطية بدون تطوير الثقافة السياسية وجعلها ترتكز على الصدق والمصداقية والنزاهة. وهذا يتطلب من الأحزاب السياسية العمل على إنتاج نخب جديدة وكفاءات باعتماد الديمقراطية الداخلية والتكوين والتأطير، لتحمل المسؤولية الحزبية والقدرة على تسيير المجالس المنتخبة والتواصل مع المواطنين والدفاع عن المصلحة العامة. إن جودة العيش هي الغاية التي يطمح الإنسان إلى تحقيقها عبر سيرورة اجتماعية وسياسية لتجسيد الاعتراف والإنصاف على أرض الواقع لصالح المواطنة والمواطنين في المدن والبوادي على السواء.

كما يكمن جوهر السياسة في تقليص الفوارق الاجتماعية، ببرامج اجتماعية لتوفير شروط العيش الكريم وإدماج الفئات الهشة والمهمشة في المجتمع، بإنصافهم وتمكينهم من حقوقهم في التعليم والشغل والصحة والسكن والخدمات الاجتماعية. وبذلك تصبح السياسة في خدمة المجتمع لتسهيل شروط العيش وبناء الإنسان واستدراك الزمن الضائع واللحاق بسيرورة التطور والتقدم للأمم المتقدمة.

تخليق السياسة

تؤدي سياسة السوق والربح السريع من طرف الليبرالية الجديدة إلى نتائج وخيمة على الإنسان وعلى الدول والمجتمعات وبيئته على المدى القصير والمتوسط والبعيد. وهذا الوضع يحتم مراجعة عميقة في الفكر والممارسة لإنقاذ العالم من قبضتها أو على الأقل الحد من أضرارها، لتحقيق التوازن الاجتماعي للمجتمع المعاصر والحد من الفوارق الطبقية وأشكال الإقصاء والتهميش والاستغلال.

إن تدبير شؤون الدولة والمجتمع يتطلب تخليقاً للسياسة حتى تساهم في بناء الديمقراطية النيابية والتشاركية بعيداً عن لغة الكذب والتضليل والفساد. كما أن بناء المجتمع الجيد يتطلب ترسيخ ثقافة الاعتراف للأفراد وحقوقهم، بحيث تتضافر الجهود من طرف الدولة، باعتبارها حامية وضامنة للحق والقانون والتأويل الجيد للدستور، لإنتاج قرارات جيدة. تعيد الأمل في عالم ممكن على الرغم من التحديات المركبة التي تعترض المجتمع المعاصر.

وكذلك، يساهم تخليق السياسة في إعطاء مصداقية أكبر للمؤسسات الدستورية وجعلها متفاعلة بشكل إيجابي مع المجتمع، لإعادة بناء الثقة المتبادلة، وهذا رهين بمدى ترسيخ وتطوير المسار الديمقراطي لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وبناء العدالة الاجتماعية والمجالية. لأن المواطنة سيرورة تاريخية من البناء السياسي الجاد والهادف. جعلت المجتمعات المتقدمة تحقق المكتسبات وجودة العيش، بترسيخ دولة الحق والقانون وفصل السلط وتوازنها وربط المسؤولية بالمحاسبة وتخليق السياسة والحياة العامة والحفاظ على المال العام.

خلاصة

إن الهدف النبيل والحقيقي من السياسة هو تحقيق ضروريات الحياة للمواطن وجودة العيش، من خلال البرامج التنموية في التعليم والصحة والشغل وإدماج الشباب داخل المجتمع. لكن السياسة حين تنحرف عن مسارها النبيل تصبح حرفة عند البعض من أجل الاغتناء وتحقيق المصلحة الخاصة أو إنتاج قرارات قاسية ومجحفة تجهز على المكتسبات المحققة. كما تؤدي إلى أزمات مركبة تنتج الفقر والهشاشة وتعطل حركة المجتمع في التقدم والتطور.

لقد أصبحت السياسة في حاجة إلى ثقافة وقيم جديدة للخروج من الأزمات. تعيد الاعتبار للإنسان في معادلة الدولة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية برؤية ديمقراطية وتشاركية، لمعالجة اختلالات المجتمع التي سببتها الليبرالية الجديدة ببرامجها القاسية. وذلك بتنزيل برامج اجتماعية بديلة تنهض بالتعليم والشغل والصحة والسكن. وتساهم في بناء المواطن والمواطنة بمجهود جماعي للدولة والمجتمع، لتحقيق عالم أفضل وممكن، بدون إقصاء أو تهميش، وتجديد الأمل في مجتمع جيد. يضمن الحرية والكرامة والعيش الكريم للجميع. ويؤمن بثقافة الاختلاف والاعتراف والإنصاف كبوصلة لبناء مجتمع قوي ومتضامن قادر على مواجهة التحديات.

-أستاذ باحث في الترجمة بالمعهد الجامعي للدراسات الإفريقية والأورومتوسطية، جامعة محمد الخامس، الرباط

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الأحد 6 شتنبر 2026 - 23:14

    “In politics, stupidity is not a handicap”
    “في السياسة، الغباء ليس عائقاً.”
    Napoleon Bonaparte

    “The only title in democracy superior to that of President is the title of Citizen.”
    “اللقب الوحيد في الديمقراطية الذي يفوق لقب الرئيس هو لقب المواطن.”
    Louis Brandeis
    (السياسة النبيلة تعزز دور المواطن كشريك أساسي في بناء المجتمع.)

    أيها الكاتب الكريم،
    لقد وفقت حقاً في قرع ناقوس الخطر حول انحراف مسار السياسة المعاصرة وتحولها من رسالة نبيلة لخدمة الإنسان إلى بيروقراطية مادية تخدم مصالح الأقوياء على حساب الضعفاء. إن دعوتك لإحياء الفكر التداولي والاعتراف الاجتماعي، المستلهم من رواد الفلسفة النقدية، تلامس الجرح الحقيقي الذي يعاني منه المواطن اليوم في ظل غطرسة الأسواق واختلالات التنمية. أرى أن الأزمة ليست أزمة نصوص أو برامج فحسب، بل هي أزمة “أخلاقيات حكم” تعاني من أفق مسدود وغياب للإرادة الحقيقية في الإصلاح الجذري. إن استعادة السياسة لمعناها الإنساني تستوجب ثورة ثقافية وتربوية تبدأ من المدرسة والجامعة لتنشئة جيل يؤمن بأن الشأن العام مسؤولية أخلاقية وليست غنيمة شخصية.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
حامي الدين والبراءة في الاستئناف
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 16:56 5

حامي الدين والبراءة في الاستئناف

صوت وصورة
ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 15:21 1

ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي

صوت وصورة
الراشدي يشيد بالبرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:37 1

الراشدي يشيد بالبرنامج الحكومي

صوت وصورة
فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:00 2

فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"

صوت وصورة
مغاربة يشيدون بإنجاز أسود الفوتسال
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 12:50 2

مغاربة يشيدون بإنجاز أسود الفوتسال

صوت وصورة
استقالات وتعيينات بمجلس النواب
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 10:51 1

استقالات وتعيينات بمجلس النواب