المغرب والبرازيل

المغرب والبرازيل
الثلاثاء 16 يونيو 2026 - 04:21

عندما يلتقي الإرث بالطموح.

لم تكن مباراة المغرب والبرازيل أمس في افتتاح مباريات المجموعة الثالثة لكأس العالم 2026 مجرد مواجهة كروية عادية، انتهت بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله في ملعب ميتلايف بنيوجيرسي. لقد بدت أقرب إلى لحظة رمزية التقت فيها مدرستان كرويتان تمثلان مرحلتين مختلفتين من تاريخ اللعبة: البرازيل بوصفها إرثاً عالمياً راكم خمسة ألقاب عالمية وصنع جزءاً كبيراً من أسطورة كرة القدم الحديثة، والمغرب بوصفه نموذجاً صاعداً يسعى إلى تحويل إنجاز نصف نهائي مونديال 2022 من حدث استثنائي إلى واقع دائم.

دخل المنتخب المغربي المباراة دون عقدة النقص التي كانت تلازم منتخبات كثيرة حين تواجه البرازيل. كما دخل المنتخب البرازيلي من دون الشعور المطلق بالتفوق الذي كان يرافقه لعقود طويلة. لهذا السبب جاءت المباراة متوازنة نفسياً قبل أن تكون متوازنة فنياً. وأظهر ذلك التحول العميق الذي عرفته كرة القدم العالمية خلال السنوات الأخيرة، حيث تقلصت الفوارق التقليدية بين القوى التاريخية والمنتخبات الصاعدة، بحيث أصبح من الصعب الحديث عن منتخبات صغرى وأخرى كبرى إلا في حالات معينة.

المغرب يفرض منطقه على المباراة.

فرض المغرب خلال فترات طويلة من الشوط الأول إيقاعه الخاص على المباراة. واعتمد على تنظيم دفاعي متماسك وانتقالات هجومية سريعة استغلت المساحات التي ظهرت خلف خطوط المنتخب البرازيلي. ولم يأت هدف إسماعيل الصيباري من فراغ، بل كان نتيجة بناء تكتيكي واضح بدأ بافتكاك الكرة ثم التحول السريع نحو الهجوم عبر تمريرة حاسمة من إبراهيم دياز قبل إنهاء ناجح للهجمة.

في هذا السياق أبرزت معظم التحليلات التقنية لمختصين أن المغرب نجح في معركة وسط الميدان خلال أجزاء مهمة من المباراة. فقد تمكن لاعبوه من تقليص المساحات أمام صناع اللعب البرازيليين، وفرضوا ضغطاً ذكياً على حامل الكرة، الأمر الذي جعل البرازيل تفقد الكثير من الكرات وتظهر بصورة مترددة وغير مستقرة. كما كشفت المباراة أن المنتخب المغربي أصبح يمتلك القدرة على التحكم في إيقاع اللعب أمام أقوى المنتخبات العالمية.

عندما تتكلم الموهبة الفردية.

لكن الفرق الكبرى تملك عادة قدرة خاصة على البقاء داخل المباريات حتى عندما لا تقدم أفضل مستوياتها. وقد جسد فينيسيوس جونيور هذه الحقيقة عندما سجل هدف التعادل إثر لمحة فردية عالية الجودة. ففي الوقت الذي كان فيه المنتخب المغربي يقترب من إنهاء الشوط الأول متقدماً، ظهر النجم البرازيلي ليذكر الجميع بأن الموهبة الفردية تظل أحد العناصر الحاسمة في البطولات الكبرى.

وقد أجمع كثير من محللين المواقع والقنوات الرياضية أن هدف التعادل كان أقرب إلى إنجاز عبقرية فردية منه إلى ثمرة سيطرة جماعية برازيلية تكتيكية مخطط لها ومفكر فيها.

اختبار النضج في الشوط الثاني.

حاول مدرب النخبة البرازيلية أنشيلوتي تعديل التوازن التكتيكي لفريقه عبر مجموعة من التغييرات قام بها في الشوط الثاني. تحسن أداء البرازيل نتيجة لذلك نسبياً من حيث الاستحواذ على الكرة والتمركز في رقعة الملعب، غير أن المنتخب المغربي واصل إظهار انضباط كبير في الدفاع والارتداد. كما نجح في الحد من خطورة العديد من المحاولات البرازيلية رغم الضغط المتزايد.

وقد كشفت الشوط الثاني من المباراة المثيرة عن جانب مهم من شخصية المنتخب المغربي. فقد حافظ اللاعبون على هدوئهم تحت الضغط، وأظهروا قدرة على التكيف مع تطورات المباراة دون فقدان التوازن أمام ضغط نفسي وتكتيكي وبدني رهيب.

اللياقة البدنية بوصفها عنواناً للتحول.

كشفت المباراة كذلك من الناحية البدنية عن تطور لافت لدى لاعبي المنتخب المغربي. فقبل سنوات قليلة كانت المنتخبات الإفريقية عموما، وضمنها المنتخب المغربي، تعاني غالباً من تراجع نسبي في الإيقاع والعطاء البدني في الأشواط الثانية من المباريات الكبرى. وقد أظهر اللاعبون المغاربة في مباراتهم الأولى ذد منتخب البرازيل، قدرة جيدة على المحافظة على التركيز والضغط والانضباط حتى الدقائق الأخيرة.

لم يعد معطى اللياقة البدينة وصلابة الحضور الجسدي طيلة المباراة مجرد انطباع عابر، بل أصبح جزءاً من التحول البنيوي الذي عرفته الكرة المغربية خلال العقد الأخير.

من المفاجأة إلى الاعتراف الدولي.

لا يتعلق ما كشفته مباراة المغرب ضد البرازيل، فلسفيا، بنتيجة المقابلة في حد ذاتها، بل يتعلق بطبيعة المكانة الجديدة التي أصبح يحتلها المغرب داخل الوعي الكروي العالمي. ففي الماضي كانت المنتخبات الكبرى تنظر إلى مواجهة المغرب باعتبارها اختباراً يمكن تجاوزه بالخبرة والتاريخ والتكتيكات العالية والنسقية. أما اليوم فقد تغيرت المعادلة.

لقد تحول المنتخب المغربي من فريق يبحث عن الاعتراف إلى منتخب يفرض الاحترام.

التعادل الذي يساوي أكثر من نقطة.

في هذه المباراة التي نحن بصدد تحليلها تكمن تحديداً القيمة الحقيقية للتعادل. فالتاريخ الكروي لا يتغير عندما تحقق فوزاً واحداً على منتخب كبير، بل يتغير عندما يصبح التعادل معه أمراً عادياً لا يثير الدهشة. لقد أمضى المغرب سنوات طويلة يحاول الوصول إلى هذه المرحلة.

ولا ينبغي أن يحجب التعادل بعض النقائص التي ظهرت أيضاً. فقد أضاع المنتخب المغربي فرصاً كان يمكن أن تمنحه الفوز.

ليلة نيوجيرسي ورسالة المستقبل.

خرج الفريقان معا، المغرب والبرازيل، بنقطة واحدة لكل منهما في النهاية، لكنهما لم يخرجا بالرسالة نفسها. فالبرازيل خرجت وهي تبحث عن حلول لتحسين أدائها. أما المغرب فخرج وهو يرسخ فكرة جديدة في كرة القدم العالمية إن: ما حدث في قطر 2022 لم يكن استثناءً عابراً، بل كان بداية مسار طويل نحو تثبيت مكانة دائمة داخل نخبة كرة القدم الدولية.

وربما كان هذا هو الانتصار الرمزي الأهم في ليلة نيوجيرسي؛ ليلة تعادل فيها التاريخ مع التحول، وتعادل فيها إرث الماضي مع طموح المستقبل، وأعلن فيها المنتخب المغربي أنه لم يعد ضيفاً على موائد الكبار، بل أصبح واحداً من الجالسين حولها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
محامو المغرب يعودون إلى المحاكم
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 13:18

محامو المغرب يعودون إلى المحاكم

صوت وصورة
المنتجات المغربية في أبوظبي
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 12:24

المنتجات المغربية في أبوظبي

صوت وصورة
أزمة السكن تخنق طلبة أكادير
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 10:50 3

أزمة السكن تخنق طلبة أكادير

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | أحداث سبتة.. وماذا بعد؟
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 21:00

أبعاد استراتيجية | أحداث سبتة.. وماذا بعد؟

صوت وصورة
"الكتاب" يدرس المشاركة الحكومية
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 20:30 3

"الكتاب" يدرس المشاركة الحكومية

صوت وصورة
عاصفة قوية تضرب فاس
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 17:34 6

عاصفة قوية تضرب فاس