الملك يمد شريان الحياة لغزة

الملك يمد شريان الحياة لغزة
السبت 9 غشت 2025 - 07:41

لم يكن خبر شحنة المساعدات المغربية إلى غزة، في 31 يوليوز 2025، مجرد خبر إنساني عابر في شريط الأنباء، بل كان فعلا سياسيا محسوبا، يعكس توازنات القوة، ومعادلات التحرك في واحدة من أعقد ساحات الصراع في العالم. فالأمر الملكي بإرسال نحو 180 طنا من المساعدات الإنسانية والطبية، في وقت تتفاقم فيه أزمة الغذاء والدواء بفعل الحصار الطويل، حمل أكثر من رسالة في آن واحد. أولى هذه الرسائل أن المغرب يريد أن يكون حاضرا في قلب المشهد الفلسطيني، لا كصوت بعيد، بل كفاعل يضع على الأرض ما يتجاوز الخطاب إلى الفعل الملموس:

مواد غذائية أساسية، وحليب وأغذية للأطفال، وأدوية ومستلزمات جراحية، وأغطية وخيام، جميعها جرى تنظيم إيصالها عبر مسار وصف بأنه آمن ومباشر، بعيدا عن تعقيدات الممرات الدولية التي كثيرا ما تتحول إلى مسارح للتجاذبات السياسية قبل أن تكون معابر للمساعدات.

على المستوى الإجرائي، لم يكن اختيار المسار اللوجستي تفصيلا ثانويا، بل كان عنصرا أساسيا في المعادلة. فقد تحدثت تقارير عدة عن هبوط طائرات شحن مغربية في مطار بن غوريون، ثم نقل المساعدات برا عبر معبر كرم أبو سالم إلى داخل غزة، وهو مسار يختصر الوقت، لكنه يتطلب ترتيبات سياسية وأمنية دقيقة. وهنا يبرز البعد الذي يتقنه المغرب في تحركاته الإقليمية: العمل بهدوء، وتجنب استعراض النزاع على الممرات، مقابل ضمان وصول الشحنة إلى حيث يحتاجها الناس. وليست هذه المرة الأولى التي يتدخل فيها المغرب بهذا الأسلوب؛ فقد سبقت ذلك شحنة مماثلة عام 2024، نقلت فيها نحو 40 طنا مباشرة إلى غزة عبر المسار نفسه، في خطوة وصفت حينها بالجريئة في ظل تجمد قنوات الإغاثة.

غير أن وراء هذه التفاصيل التقنية سؤالا أعمق: لماذا الآن؟ فالتوقيت في السياسة لا يقل أهمية عن الحدث نفسه. جاءت هذه الدفعة في لحظة تتكثف فيها الضغوط الدولية لإعادة تفعيل الممرات الإنسانية، بينما تتحرك أطراف إقليمية لترسيخ مواقعها في ملف إعادة الإعمار المستقبلي. وبإرسال هذه الشحنة في قلب الصيف، وضع المغرب نفسه على خريطة الفعل الإنساني في غزة، موجها إشارة للأوروبيين والعرب على حد سواء، بأنه يمتلك القدرة على التحرك العملي في الميدان، من دون انتظار توافقات بطيئة أو قرارات لمجلس الأمن، التي كثيرا ما تختطف في أروقة الفيتو. إنها سياسة الخطوة المحسوبة: فعل يراه أهل غزة على أرضهم، ويلتقطه الآخرون كرسالة في لعبة أوسع.

أما الأثر المباشر، فقد بدا واضحا في مناطق مثل المواصي قرب خان يونس، حيث تتكدس آلاف الأسر النازحة في ظروف قاسية. صور توزيع السلال الغذائية والمواد الطبية حملت وجها إنسانيا خالصا، لكن صداها السياسي لم يكن أقل وضوحا. فقد أشادت شخصيات فلسطينية، من بينها مدير المسجد الأقصى، بالمبادرة واعتبرتها امتدادا لدعم مغربي متواصل للقضية، فيما وجه طلبة فلسطينيون في المغرب رسائل شكر أضافت بعدا وجدانيا للعلاقة. هكذا، امتزج الإنساني بالسياسي، وأصبح مشهد الشاحنات المغربية وهي تعبر إلى غزة جزءا من سردية أوسع عن دور الرباط في واحدة من أعقد ملفات الشرق الأوسط.

حين ننظر إلى هذه الخطوة من منظور أوسع، ندرك أنها ليست مجرد استجابة لحاجة إنسانية عاجلة، بل جزء من هندسة سياسية عميقة يتقنها المغرب في محيطه الإقليمي. فإرسال المساعدات في توقيت بالغ الحساسية، وبحجم لافت يصل إلى 180 طنا، يمنح الرباط ورقة حضور مباشر في ملف غزة، في وقت يتنافس فيه اللاعبون الإقليميون على مواقع النفوذ قبل أن تتضح معالم التسوية أو إعادة الإعمار. مثل هذا التحرك يتيح للمغرب أن يرسخ صورته كفاعل قادر على الوصول إلى الميدان، ليس فقط عبر البيانات الدبلوماسية، بل من خلال أفعال ذات أثر فوري وملموس على الأرض. ومن هنا، يصبح الفعل الإنساني بوابة للفعل السياسي، وتتحول الشاحنات المحملة بالغذاء والدواء إلى رسائل مشفرة يقرأها كل طرف وفق موقعه ومصالحه.

هنا، لا تقل اللوجستيات أهمية عن الرسائل السياسية. فاختيار مسار آمن ومباشر يختصر المراحل التقليدية لوصول المساعدات، ويتجاوز التعقيدات التي واجهتها مبادرات أخرى عبر الممرات البحرية أو القنوات الأممية. هذا المسار يتطلب بالضرورة تفاهمات غير معلنة، وضمانات على مستويات متعددة، بدءا من النقل الجوي، مرورا بالعبور البري، وصولا إلى نقاط التسليم داخل غزة. مثل هذه الترتيبات لا يمكن إنجازها بلا شبكة علاقات سياسية وأمنية متداخلة، وهو ما يعكس أن العملية لم تكن ارتجالية، بل ثمرة تخطيط دقيق وتنفيذ محكم.

وفي الميدان، تضاعف أثر المساعدات بفعل ندرة الموارد، إذ تزامنت مع تقارير أممية تؤكد تفاقم أزمة الغذاء والدواء في القطاع. العائلات التي تلقت السلال الغذائية أو الأدوية في المواصي وخان يونس لم تنظر إليها كإعانة عابرة، بل كنافذة تنفس وسط الحصار الخانق. صحيح أن الأرقام الإجمالية لا تكفي لسد الفجوة الهائلة في الاحتياجات، لكن الأثر النفسي والسياسي لمشهد وصول هذه المساعدات، في ظل حصار محكم وانقطاع متكرر للممرات، هو ما يمنحها وزنا مضاعفا في ميزان السياسة.

بهذا المعنى، لم تكن دفعة 31 يوليوز 2025 مجرد شحنة إنسانية، بل كانت عرضا حيا لقدرة المغرب على توظيف العمل الإغاثي كأداة استراتيجية. إنها سياسة تتجاوز رد الفعل، لتؤسس لقاعدة نفوذ تقوم على الحضور العملي في بؤر التوتر. فكما أدركت القوى الكبرى أن من يملك القدرة على الإغاثة يمتلك مفاتيح التفاوض، يدرك المغرب أن تقديم الدعم في اللحظات الحرجة هو استثمار طويل المدى في مكانته ودوره. وفي مشهد غزة المعقد، حيث تتشابك السياسة مع الإنسانية، تصبح هذه المبادرة فصلا من فصول الدبلوماسية الفاعلة، التي تكتب بلغة الأرقام والحمولات، لكنها تقرأ في سياق أوسع من مجرد الإغاثة.

وتكتسب مبادرة 31 يوليوز 2025 بعدا أعمق حين تقرأ باعتبارها ترجمة عملية لموقف الشعب المغربي المتضامن مع غزة. فهذا الدعم الإنساني لا ينفصل عن المشهد الداخلي في المملكة، حيث تشهد مختلف الأقاليم، بشكل شبه يومي، خروج حشود من المتظاهرين في مسيرات ووقفات تضامنية، يرفعون الأعلام الفلسطينية ويهتفون ضد الحصار وسياسة التجويع التي يتعرض لها أهل القطاع. ويعكس هذا الحراك الشعبي، المتواصل منذ اندلاع الحرب، مكانة القضية الفلسطينية في الوجدان المغربي، ويضفي على المبادرة الملكية بعدا وطنيا جامعا، يجعلها امتدادا لإرادة شعبية راسخة ترى في نصرة غزة واجبا أخلاقيا وقوميا قبل أن يكون مجرد عمل إغاثي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • خالد-FSW101
    الإثنين 11 غشت 2025 - 18:35

    ليس من المستغرَب، في سجلّ الخصال الحميدة والأعمال المجيدة، أن يمضي المغربُ، ملكًا وشعبًا، في نصرة الشعوب المستضعَفة، وبسط يد الأخوّة والإنسانية، إمعانًا في ترسيخ جذور السلام، ونشر الخير والمحبّة بين أمم المعمورة. فذلك إرثٌ عريق ورثناه عن آبائنا وأمهاتنا، وعن ثقافتنا المغربية الأصيلة السمحة. إنّ شحنةَ المساعداتِ المغربية إلى غزّة، ليست مجرّد مبادرة إنسانية، بل هي تجسيدٌ صادقٌ لموقفٍ رشيدٍ ومبدئي، جاء متزامنًا مع موجة الغضب العارم والاستنكار الواسع التي عمّت ربوع المملكة، تأكيدًا لرفض المغاربة القاطع لما يتعرّض له أهل غزّة من تقتيلٍ وتهجيرٍ وتجويع، على مرأى ومسمع من العالم الحرّ والعالم الإسلامي على حدّ سواء.
    إنها مواقف شريفة، تُسطَّر بماء الذهب في سجلّات تاريخ مغربنا الحبيب، تاريخٌ سيبقى للأجيال القادمة شاهدًا على صفاء النية، ونبل المسار، وعمق الأثر. ولكن… ولأن الوفاء للمبادئ لا يكتمل إلا بالصدق مع الذات، وجب أن نُقرّ بجرأة أن هناك ثغرة ما تزال جرحًا مفتوحًا في جسد تاريخنا المعاصر: إنها قضية التطبيع مع إسرائيل، العدو الغاصب لأرض فلسطين، والمجرم في حق غزة وأهلها الصامدين – يتبع…

  • خالد-FSW101
    الإثنين 11 غشت 2025 - 18:35

    أيُعقل أن نحمل في يدنا ماء الرحمة نغيث به إخوتنا المنكوبين، نعبر عن حزننا الصادق ونتألم لآلامهم، وفي اليد الأخرى نصافح من يقتلهم بدم بارد، لا يرحم رضيعًا ولا طفلًا، لا امرأةً ولا شيخًا؟!
    إن المبدأ واحد، والحق لا يتجزأ، ومن أراد أن يكتب للتاريخ صفحة ناصعة، فلتكن بيضاء لا يشوبها رماد التناقض ولا سواد التردد.
    كان ذلك من منطلقٍ إنسانيٍّ تشترك في مبادئه كلُّ شعوب الأرض، على اختلاف أعراقها وثقافاتها وأديانها. غير أنّه، ونحن كمسلمين، أرى أنه من الواجب أن نطرح السؤال الجوهري: ماذا سنقول عن أهل غزة وضحاياها المروّعة حين نقف بين يدي الله يوم القيامة؟
    هل ستنفعنا حينها العلاقات الدولية، أو يشفع لنا التذرّع بالإكراهات التجارية، في عالمٍ يسوده النفاق، وازدواجية المعايير، وبيع الضمائر، وابتغاء متاع الدنيا على حساب الآخرة؟ وماذا ستغني عنّا يومئذٍ مقولة: «تازة قبل غزة»؟ …

  • خالد-FSW101
    الإثنين 11 غشت 2025 - 18:38

    أهل غزة العُزَّل يناشدوننا أن نبادر بكل وسيلة متاحة لوقف هذا الظالم الغاشم عن سفك الدماء البريئة، والمقاطعة –في هذه اللحظة الحرجة لشعب فلسطين– هي أضعف الإيمان – انتهى-

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان