المنهجية القرآنية وأزمتنا المعرفية

المنهجية القرآنية وأزمتنا المعرفية
الأربعاء 29 أبريل 2020 - 09:33

إن حال أمتنا اليوم مع القرآن يصدق عليه قوله تعالى: “وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا” -الفرقان / 30 – والهجر هنا متعدد الأوجه، هجر القراءة وهجر التدبر وهجر العمل، وهجر استمداد منهجيته وتعاليمه، واستلهام رؤيته الفكرية والمعرفية، وتوجيهاته الحضارية؛ وذلك راجع إلى طغيان التقليد، ومحاصر كل فكر تجديدي إبداعي بدعوى التقوّل في القرآن بغير علم، ومخالفة اجتهادات الأسلاف، فانحسرت بذلك شمولية القرآن وإطلاقيته، وهيمنته على كل تفاصيل الحياة الإنسانية، فأصبح لا يستدعى إلا في الجنائز وعلى رؤوس المرضى للتبرك به.

لهذا، بات من الضروري، معرفيا وحضاريا، إعادة استدعاء القرآن مرة ثانية إلى الساحة الفكرية والعلمية، ليكون الموجه والقائد للمعرفة والعلم، فتكون هذه بداية الانطلاقة للخروج من أزمة التخلف والضنك الذي يعيشه العالم، فنحن مجبرون على ضرورة إيجاد المخرج للإنسانية جمعاء وليس لأمتنا وحدها، استجابة لعالمية القرآن المجيد من جهة، ولمسؤوليتنا اتجاه العالم من جهة أخرى “وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا”-البقرة /143.

تتجلى أبعاد الأزمة المعرفية في طريقة تعامل المسلمين اليوم مع القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة؛ فلا سبيل للخلاص منها إلا باكتشاف منهجية قرآنية معرفية، تكون حلا لأزمتنا الفكرية والثقافية. لهذا، نرى ضرورة العودة إلى القرآن الكريم والتعامل معه، من المنطلقات نفسها التي تعامل معه جيل الصحابة، باعتباره كلام الله المطلق والمصدق والمهيمن على ما سواه، وباعتباره كذلك خطابا عالميا يتجاوز النظرة الإقليمية الجزئية والطائفية؛ وإذا كان العالم اليوم يتوق كله إلى الخلاص، وهذا الأخير يتعذر أن تأتي به القومية أو الحزبية أو الإقليمية أو حتى اللاهوتية المتعصبة؛ لهذا فالبديل الذي يدعي امتلاك الحل للأزمة العالمية، ينبغي أن يكون قادرا أولا على استيعاب واحتواء الفلسفات والثقافات المتداولة، ثم يكون بعد ذلك قادرا على تجاوزها، بتقديم بدائل تسع الناس كافة؛ وليس هناك من مصدر قادر على تحقيق هذين البعدين: الاحتواء والهيمنة، ثم التجاوز وتقديم البدائل، إلا القرآن الكريم المحفوظ بوعد الله تعالى. “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” سورة الحجر الآية/ 9.

إن الإنسانية اليوم، رغم توفر كل وسائل المتعة، نجدها ما زالت تبحث عن سعادتها المفقودة، نظرا لتشعب مشاكلها وكثرة همومها، وانحسار البعد القيمي والأخلاقي؛ وهو ما أحدث مراجعات فكرية قوية في المعرفة الغربية، تجلت في الدعوة إلى عودة القيم والبعد الروحي الذي يمثل صمام أمان لشبابها خاصة، بحيث لم تعد تنفع مع هذه الوضعية العالمية الحرجة الحلول الجزئية أو الطائفية الضيقة، أو الحلول الإقليمية… فهذه المشاكل ذات صبغة عالمية كونية، لا ينفع معها إلا الحلول العالمية التي تستطيع استيعاب هذه المشاكل أولا، ثم تقوى على تجاوزها بطرح البدائل المواتية لها، ونحسب أن ليس هناك من مصدر تتوفر فيه هذه الشروط غير كتاب الله تعالى “القرآن الكريم”، المهيمن على غيره من الكتب والمحفوظ بحفظ الله تعالى له من التحريف والزيادة، “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” فهو قادر على استيعاب مشاكل الإنسانية نظرا لربانيته ولشموليته، كما هو قادر على طرح البدائل العالمية تبعا لعالميته وخاتميته، لكن لا يمكن أن نجعل من القرآن قائدا للبشرية، إلا إذا أدركنا منهجيته ورؤيته المعرفية والفكرية، “والمطروح بإلحاح كيف يمكن التعامل مع القرآن الكريم، وتدبر آياته، والإفادة من معطيات العلوم وآلات فهمها، ليكون القرآن مصدر المعرفة، وفلسفتها في شعاب العلوم الاجتماعية جميعا؟ حيث لا بد من العودة إلى القرآن لمعارف الحياة، وفقه المعرفة والحضارة للقيام بدورنا بمسؤولية الشهادة على الناس، وللقيادة لهم وإلحاق الرحمة لهم واستئناف السير الذي توقف منذ عهد بعيد في كثير من شعب المعرفة التي يمنحها القرآن” (الشيخ محمد الغزالي “كيف نتعامل مع القرآن” ص22).

فلن يتأتى لشعوبنا اليوم أن تستفيد من معارف القرآن وهيمنته إلا بتجديد الكيفية التي تنظر بها إلى هذا الكتاب المجيد، فحسن التعامل مع آيات الذكر الحكيم شرط أساسي للاستمداد منه، وتفعيله في حياة الأمة بشكل عام.. لا بد إذن من استدعاء وتحديد المنهجية القرآنية التي ندخل بها مرة ثانية عالم القرآن، لنسترشد به ونستهدي به ونحن نطمح إلى تدشين الفعل الحداثي الثاني لأمتنا.

فسؤال المنهجية هو سؤال الكيف.

كيف يمكن التعامل مع الكتاب المجيد لتحقيق الخروج الثاني للأمة؟

كيف نتعامل مع القرآن الكريم باعتباره مصدرا مهيمنا وحاكما على ما سواه؟

كيف يمكننا التخلص من سطوة التراث واجتهادات الأوائل، وعدم الاستسلام لها؟

إن المنهجية القرآنية تقتضي التعامل مع القرآن من منطلق شموليته واستيعابه لكل الإنسان ولكل العالم، أمر لا يتحقق إلا لمن أدرك واستوعب منهجيته ورؤيته الفكرية والمعرفية، فلا بد من وضوح رؤيتنا اتجاه القرآن الكريم، والهدف من قراءته وتدبر آياته، فوضوح الرؤية أمر أساس لانطلاق الأمة من جديد في الاتجاه الصحيح.

فينبغي أن تهتم هذه الرؤية بتحرير العقل المسلم من آفة التقليد، كي لا يبقى أسير مفاهيم ومنطلقات واجتهادات السابقين، الأمر الذي يجعل العقل المسلم عاجزا عن الإبداع والإنتاج واستشراف المستقبل.

فواجب الوقت يحتّم علينا نحن أبناء هذا الزمان النظر في القرآن من جديد وفقه الواقع الذي نعيش فيه، لنجد الحلول لمشاكلنا المعاصرة؛ فلا ينبغي أن نبحث عن الحلول في الزمن الماضي، فلكل زمن مشاكله وإكراهاته الفكرية والعقائدية والمعرفية، فكما أن الأجيال السابقة أدت واجبها اتجاه القرآن واتجاه أمتها، بأن اجتهدت في فهمه واستفرغت وسعها في ملاءمة واقعها مع شرع ربها، فنحن اليوم ملزمون بإنجاز مقدورنا في إيجاد الحلول لقضايانا المعاصرة، دون أن نلجأ إلى عملية تهريب قضايانا إلى عصر ماض.

فحين نؤكد على ضرورة تحديد المنهجية القرآنية التي تسعفنا في استكشاف آيات القرآن الكريم من جديد، استكشافا يؤسس للبناء والعطاء والفعل، فليس من باب الترف الفكري والمعرفي، وإنما على اعتبار أن مداخل هذه المنهجية ضرورة مصيرية لأمتنا، للخروج من أزماتها ومشاكلها التي تعيق نهضتها، فتكون المنهجية المعرفية والرؤية الفكرية القرآنية التي يسترشد بها العقل المسلم في استيعاب آيات الكتاب المسطور، وحسن النظر والتأمل في آيات الكتاب المنظور، وهذا سبيل أمتنا في إدراك خبايا عالم الشهادة ودراسة وإدراك عالم الغيب، فتتكامل الرؤية الإنسانية وتتوحد الذات والآخر والكون، فتكون هذه المنهجية والرؤية المعرفية القرآنية بعد تأصيلها هي البديل الحضاري الذي نقدمه للإنسانية لتجاوز أزماتها الروحية والفكرية.

*باحث في الفكر الاسلامي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • Топ ( ಠ ͜ʖಠ)
    الأربعاء 29 أبريل 2020 - 12:40

    جاء في المقال/لهذا،بات من الضروري،معرفيا وحضاريا،إعادة استدعاء القرآن مرة ثانية إلى الساحة الفكرية والعلمية،ليكون الموجه والقائد للمعرفة والعلم، فتكون هذه بداية الانطلاقة للخروج من أزمة التخلف والضنك الذي يعيشه العالم، فنحن مجبرون على ضرورة إيجاد المخرج للإنسانية جمعاء/
    بدأت قراءة المقال معتقدا أنه أتى بنظرية وصفة جديدة لأزماتنا المعرفية وما إن وصلت إلى أن كتاب الرحمة والشفاء إتخِد مهجورا توقفت وكأني قرأت المقال بأجمله،وصرت أتدكر أنه ليس هناك السيد قطب واحد بل أسياد قطب مازالوا بيننا متناسخين فيما بينهم بفعل المعرفة السلفية الداعية للإحياء الإسلامي.
    ياأخي من قال لك أن العالم يعيش تخلف وضنك سواء قيمي معرفي أو علمي?صدق من قال أنها هزُلت حتى بدا من هزالها…العالم الذي في لاشعورك ومتخيلك هو غير ذلك الذي هو على الواقع.العالم يعيش عالمه فيرقي وازدهار ويمد عالمك بالحياة والسعادة والمعرفة والعلم والتقنية والدواء وووو.وأنتَ تريد مدهم بوصفة خيرالقيم من كتاب يقول"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم"ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا

  • دين لا دولة .
    الأربعاء 29 أبريل 2020 - 13:01

    حتى لو تحققت المعجزة وألغينا إجتهاد السلف وحاولنا إعادة تقديم تفسير جديد للقرآن يساير العصر فلن نستطيع لذالك سبيلا . لأن أوروبا التي تتخدها أستاذي الفاضل نموذجا يحتذي لم تعد قراءة الإنجيل حتى يساير عقلية عصر الأنوار ، لم تستنزف الجهد في قراءة جديدة تؤلف قلوب ما تواتر على القبول به جيدا من إنجيل متى ولوقا أو برنابا . بل ذهبت في اتجاه جعل الساحة ميدانا حرا لجميع الأفكار والتجارب فأطلقت الحريات والفردية وسهرت على تنزيل برامج تخليق الحياة العامة عبر الإقرار بحقوق الآخر في العبادات ، أو في الإعراب علانية على الميولات . وطبعا كل هذه التفاعلات كانت تتم تحت مظلة العلمانية والليبرالية الاجتماعية التي تطورت على مدى الأربعة قرون الماضية إلى ما هي عليه الآن .

  • مصطفى الرياحي
    الأربعاء 29 أبريل 2020 - 15:08

    يزعم الكاتب أن الكتاب المهيمن في هو القرآن ويرى أن الزعامة ترجع للمسلمين وفي نفس الوقت يريد تحرير عقل المسلم من آفة التقليد ,عقل وصفه الكاتب بالعاجز عن الإبداع والإنتاج واستشراف المستقبل
    وكيف لعقل بكل تلك الصفات أن يتزعم العالم ؟ الكاتب له حل يوجد في القرآن
    لم أفهم جيدا هل نشتري عقل آخر من عند "الكفار" لكي يؤدون لنا مستقبلا الجزية ؟
    الدولة الإسلامية في حروب دائمة لبعضها البعض تتديل الأمم في كل المجالات والشٌعب يسود الفقر ,الأمية الشعوذة والكاتب في رؤيته الشامل يريد أن يضع المسلمين في رتبة رقم واحد

  • Saccco
    الأربعاء 29 أبريل 2020 - 16:02

    يفسر الخطاب الاسلامي وضعية التأخر التاريخي للمجتمعات الإسلامية بانحرافهاعن التعاليم الدينية للسلف ويعتقد هذا الخطاب ان الخروج من وضعية التأخر تقتضي العودة الى الايمان الصحيح والاحتكام الى التشريع الإسلامي كما جاء به الاولون والركون الى التعاليم الدينية كمصدر لكل الحلول الكاملة والنهائية من منطق مطلقيتها وتعاليها عن متغيرات الزمان والمكان
    ففي هذه الحالة تنحصر الممارسة المعرفية في استرجاع تلك الإجابات التي تمت صياغتها في الماضي أي هيمنة سيادة تقليد السلف الصالح وضآلة الابداع وهو موقف يتميز بالاتكالية والخرافة والنظرة اللاتاريخية واللاعقلية ، وهي نظرية متأخرة غير قادرة على التميز بين الواقع المادي والفكرى الذي عاشه السلف ضمن تقافة ومعرفة بدائية وقبلية وما نعيشه اليوم
    ولعل الاعتقاد الإسلامي بان المرحلة الأولى لتشكل الفكر الإسلامي اي عصر الصحابة كانت مرحلة كمال وقدسية ويجب أخدها كمرجع الا ان الخلافات والصراعات بين الصحابة والتي جرت فيه الدماء بعيدة موت الرسول وهي خلافات تبدو عقائدية لكن جوهرها سياسي أي الرجوع الى المعتقد الديني بهدف تأويله لاضفاءالشرعية الدينية على مواقف سياسية

  • ABOU DOULAMA
    الأربعاء 29 أبريل 2020 - 20:11

    من الافضل ترك القران للصلاه والراحه النفسيه لانه تجووز معرفيا وواقعيا
    صحيح ان لغته راقيه ولكن

  • عبد العليم الحليم
    الخميس 30 أبريل 2020 - 12:16

    يقول أرنست جيللر:« إن وجود تقاليد محلية للإسلام قد مكن العالم الإسلامي من أن يفلت من المعضلةالتي أرقت مجتمعات أخرى غير متطورة،أثار الغرب فيها الاضطراب والإذلال:معضلةما إذا كان ينبغي إضفاء طابع مثالي على الغرب لمحاكاته.

    لم يكن الإسلام في حاجةإلى هذا الخيار،لأن صورته السامية الخاصة يتوفر لها السمو من الناحية الدولية.
    ونتيجة لذلك،فإن عملية الإصلاح الذاتي استجابة لدواعي الحداثة يمكن أن تتم باسم الإيمان المحلي.
    فذلك هو تفسيري الأساسي لمقاومةالإسلام المرموقةلاتجاه العلمنة»

    تقول مجلةالشئون الدوليةالبريطانية:«إن القضية هي ما إذا كان من الممكن جعل الإسلام يقبل بقواعد المجتمع العلماني- من خلال صراعات كثيرة وطويلة ومؤلمة – أم أن رسوخ الإسلام في المجال السياسي والاجتماعي يجعله يرفض قبول المبدأ المسيحي الغربي الذي يميز بين ما لله وما لقيصر؟!
    ويعكس هذا الطرح إلى أي مدى يميل الفكر الغربي إلى جعل الحضارة المسيحية اليهودية الغربيةهي الحضارة المهيمنة،وجعل أفكارهما مطلقة وليس مجرد ثقافة بين ثقافات عديدة يعج بها العالم.والإسلام من بين الثقافات الموجودة في الجنوب هو الهدف المباشر للحملة الغربية الجديدة»

صوت وصورة
جائزة الشيخ منصور لتصوير الخيل العربي
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 00:16

جائزة الشيخ منصور لتصوير الخيل العربي

صوت وصورة
"أونسا" يواكب خيول معرض الفرس
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 22:31

"أونسا" يواكب خيول معرض الفرس

صوت وصورة
المغرب يستعد لمونديال البيتزا
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 22:30 4

المغرب يستعد لمونديال البيتزا

صوت وصورة
اتصالات المغرب تعزز الثقة الرقمية
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 20:12 2

اتصالات المغرب تعزز الثقة الرقمية

صوت وصورة
استكمال هياكل مجلس النواب
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 18:51

استكمال هياكل مجلس النواب

صوت وصورة
المحافظة العقارية .. خدمات رقمية مبسطة
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 18:00 2

المحافظة العقارية .. خدمات رقمية مبسطة