النظام السياسي الإسلامي

النظام السياسي الإسلامي
الإثنين 10 أبريل 2023 - 12:24

كيف هو النظام السياسي الإسلامي من منظور الفقيه الدستوري وأستاذ النظم السياسية والعلاقات الدولية قبل وفاته، الدكتور عبد الهادي بوطالب رحمه الله؟ ذلك ما سنعرضه في هذه الورقة الرمضانية الثانية التي تنشرها جريدة “هسبريس ” المحترمة، علنا نضيف شيئا ولو يسيرا إلى المهتم بهذا الموضوع الذي ما زال يثير جدلا كبيرا حوله.

إن قراءة متمعنة فيما جاء في الفصل السابع من كتاب “حقيقة الإسلام ” الذي أشرنا إلى مراجعه في ورقتنا السابقة بعنوان ” في شمولية الإسلام “، تمكننا من ملامسة ماهية النظام السياسي الإسلامي من منظور مؤلفه الفقيه القانوني الدكتور بوطالب. فما الذي نسجله مع القارئ من خلال قراءتنا المتواضعة في هذا الفصل؟

للبرهنة على خصوصيات النظام السياسي الإسلامي، عمد المؤلف إلى المقارنة بين النظامين الديمقراطي الغربي والنظام السياسي الإسلامي. موضحا أوجه التشابه والمفارقات بينهما، ومميزات النظام السياسي الإسلامي.

فأوضح أولا أسس النظام الديمقراطي من خلال القانون الدستوري الذي هو أحدث القوانين، وهي أربعة: 1- وجود دولة القانون. 2- خضوع الحاكمين لسلطة الدولة وسمو إرادة القانون عن إرادتهم. 3- اعتراف الحاكمين للأفراد والجماعات بحقوقهم وضمانها. 4- مشاركة الشعب في الحكم مشاركة تتسع أو تضيق حسب مقتضيات القوانين الانتخابية التي تختلف بين نظام سياسي وآخر.

وبناء عليه، يرى المؤلف أن النظام السياسي الإسلامي يتوفر على جميع الضمانات التي تتيح إقامة النظام الديمقراطي القائم على الأسس الأربعة السالفة الذكر. لكن، هناك مفارقات بين النظامين.

فبالنسبة للأساس الأول: وجود دولة القانون. وانطلاقا من النموذج الأول في عهد محمد (ص)، يبين بوطالب أن دولة الإسلام تقوم على تشريع إلهي. فالحكم والتشريع لله وليس للبشر. ومصادر التشريع الإسلامي أربعة: القرآن، والسنة، والاجماع، والاجتهاد.

القرآن: هو الدستور الإسلامي. ومن بين ما يميزه عن الدساتير الغربية أن مقتضياته لا تقبل التعديل ولا الإلغاء ولا التوقيف. ومن أجل هذه الصلابة لم ترد فيه إلا أحكام الأصول. أما الفروع فقد تكفلت بها السنة أو مصادر التشريع الأخرى حتى يكون ما جاء في القرآن هو مجموع الثوابت. ويبقى ما عداها قابلا للتغيير بالاجتهاد على حسب خصوصيات المجتمعات وتطورها. ولكن، دائما في نطاق الأصول والثوابت التي جاء بها القرآن. (ص105)

والسنة: هي أقوال النبي (وهذا هو الحديث)، وأفعاله أو ما أقره من أعمال الغير ولم ينه عنه ولا أمر بتغييره. وما سكت عنه ولم يصدر عليه حكما لا بالقبول ولا بالنهي عنه (ص 105). ولها أربعة مقاصد: إتمام التشريع، والشرح، والتفصيل، والتنظيم.

أما الإجماع، فهو ” اتفاق جميع مجتهدي الأمة الإسلامية في عصر من العصور على حكم شرعي بعد وفاة النبي ” (ص106). والإجماع عبارة عن مؤسسة علمية دائمة.

والاجتهاد، يعني ” بذل العالم بقواعد الشرع جهده لاستنباط الحكم الشرعي من دليله ” وذلك وفق قواعد مضبوطة تجنبه الخطأ. (ص106)

وبالنسبة للأساس الثاني: خضوع الحاكمين لإرادة الدولة. فالمفارقة أن النظام الإسلامي، أسند الحاكمية لله وحده، وأعطى البشر مهمة الحكم. وفي ذلك تلتقي برأي الكاتب الحاكمية مع تصور السيادة في النظام الغربي الذي يعطيها للأمة أو الشعب. بينما الحاكمية في النظام الإسلامي لله. فالخضوع لإرادته والعمل بتشريعاته والتقيد بأوامره ونواهيه التي جاءت في القرآن والسنة هو الخيار الوحيد الذي يبقى للحاكمين والمحكومين على السواء. وذلك من منطلق أن الإسلام في تصوره الجوهري هو إسلام المرء إرادته لله بالطاعة والامتثال له. فالخضوع للقانون جزأ لا يتجزأ من العقيدة. وقد كان النبي (ص) يقول: ” لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق “. ويخاطب خلفاءه المسلمين قائلا: ” أطيعوني ما أ طعت الله “. (ص107)

وفيما يتعلق بالأساس الثالث: حقوق الأفراد والجماعات وضمانها. يرى الكاتب أن للإسلام في هذا المجال تنظيرا وممارسة لا يختلفان في أغراضهما ومقاصدهما عن مقاصد النظام الديمقراطي. ولكن، لهما خصوصيات ينفرد النظام الإسلامي بها. ففي هذا الأخير، تتحكم في تحديد مجال حقوق الإنسان وحرياته مفاهيم الإسلام الأساسية. ومنها، أن العقيدة المتمثلة في الإيمان بالله والخضوع لتعاليمه هي البداية والمنتهى في جميع تصرفات الإنسان. (ص107)

وإذا كان النظام الغربي يعتبر حقوق الإنسان وحرياته، حقوقا طبيعية. فإن النظام الإسلامي يعتبرها، منحا إلهية، ثابتة. (ص108)

وبالنسبة لمشاركة الشعب في الحكم وهو الأساس الرابع، فإن النظام الإسلامي انطلق هو أيضا من المبدأ نفسه، ولكن بتصورات وتقنيات مختلفة. وقد توقف المؤلف عند تعريف الحكم والسلطة في الإسلام مفتاحا لمعرفة طبيعة مشاركة الأمة في تدبير شؤون الحكم وتفاعلها مع السلطة في القمة.(ص109)

وفي ذلك، فإذا كان الحكم في النظام الديمقراطي يعني قيام علاقة بين طرفي الحكم: من هم في السلطة ومن هم في قاعدتها، أي الحاكمون والمحكومون. وقد تحول الحكم منذ قرنين إلى حكم المؤسسات التي تضطلع كل واحدة منها باختصاصات لا تمارسها الأخرى. إذا كان كذلك، فإن الحكم في الإسلام يعني نظاما يوفر للمجموع حياة يطبعها التوازن. ويسير ولاة الأمور شؤون الحكم فيه، والقصد في النظام الإسلامي، بعدل. وتزدحم في لفظه العربي، معاني: الأمر، والاعتدال، والحكمة، والإتقان. وهو التعبير الذي أخذ به الإسلام لتحديد مفهوم السلطة داخل هذه المضامين. (ص110)

وختاما: حسب الفقيه الدستوري عبد الهادي بوطالب، يتميز النظام السياسي الإسلامي بتوفره على: (ص112/113)

إطار خاص للحكم: هو منهج الشورى الذي يهدف إلى إقامة علاقة دائمة بين القمة والقاعدة، ترتكز على المشورة الدائمة من لدن الحاكم لرعيتيه. كما ترتكز على نصيحة الأمة التي يجب أن تقدمها باستمرار لراعيها.

والآليات التي يعمل بها نظام الشورى ومنها: البيعة، ومجلس الشورى، والرقابة المتبادلة بين طرفي الحكم، وثنائية المساءلة أو تقاسمها بين الطرفين.

(*) وموعدنا في القادم من الأيام الرمضانية بحول الله مع ورقة أخرى تتضمن محورا آخر من الكتاب ذاته.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • mourad
    الإثنين 10 أبريل 2023 - 18:03

    دولة القانون هي الدولة التي يشرع فيها المجتمع قوانين يغيرها عندما تتعار

  • mourad
    الإثنين 10 أبريل 2023 - 18:07

    دولة القانون هي الدولة التي يقوم فيها المجتمع عبر ممثليه بتشريع قوانين حسب المصلحة والسياق الواقعي ومراجعتها عندما تصبح متجاوزة، ولهذا لا يمكن للنظام الديني الإسلامي أن يكون دولة قانون لسببين: السبب الأول أنه يعتبر الله هو المشرع وليس البشر، الثاني لأنه يعتبر القوانين ثابتة لأنها تقوم على نصوص دينية.
    “دولة القانون” مصطلح حديث في حقوق الإنسان ولا ينبغي إسقاطه على نظام سياسي قديم ومتناقض يعود إلى قرون طويلة وثبت فشله تاريخيا بعد انهيار الخلافة الإسلامية

  • مستغرب مروكي
    الإثنين 10 أبريل 2023 - 20:11

    الديانات لا يجب نهائيا أن تكون كنظام حكم لأنه يتم استغلالها للأغراض شخصية، ناخد الإسلام ك صلاة و صيام و زكاة و حسن معاملة الناس و التسامح
    ممكن يأتي شيخ يعطي تفسير ما من مخيلته يعتبرونه من عند الله و العديد من التشريعات التي أتت من عند شيوخ يعتبرونها صحيحة و المشكلة غير موجودة في القرآن.
    للذالك أرى أن يترك الإسلام ك عبادة شخصية بين العبد و ربه، الله هو من يحاسب الناس على اعتقاداتهم و هو من يعلم من سيدخل الجنة أو النار و ليس شيوخ الدين.
    قال الله تعالى “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون”

  • فاطم الزهراء
    الثلاثاء 11 أبريل 2023 - 07:43

    في نظري هناك قوانين بالية يتشبث بها الفقهاء على انها شرع الله, الى ان ياتي حقوقيون غربيون او المتشبعين بافكار الغرب و يغيرونها رغم عن الفقهاء, و لكن بعد صراع مرير, كمثال على ذلك فقه الرق و العبودية و تعدد الزوجات و غيرها من القوانين الفقهية الاخرى, التي ما تزال محل نقاش حقوقي في المجتمع,
    بينما كان على الاسلام ان يكون سباقا لفرض حقوق الانسان على البشرية جمعاء, بما انه دين الرحمة للعالمين, بدل اعطاء نظرة سلبية عن الاسلام للاخارين على انه دين ضد حقوق الانسان الكونية

  • Amaghrabi
    الثلاثاء 11 أبريل 2023 - 14:08

    الحمد لله جميع المعلقين ضد الاسلام السياسي ومع القوانين المعاصرة التي تخدم المصالح العليا للوطن والمواطنين ويبقى دين ربنا هو علاقة شخصية بين العبد وربه لا تهم احدا الا هو.وان شاء الله يتوصل شعبنا ان العقيدة مسألة شخصية وبالتالي فالله سبحانه وتعالى خلقنا مختلفين ولذلك خلقنا واقر بذلك في كتابه العزيز وبالتالي فالقوانين يجب ان تساير العصر وتكون ابداع بشري يراعي مصالح المواطن والمواطن يثور فقط من اجل مصالحه الاساسية من عيش وكرامة وسكن وصحة وتعليم والحرية المطلقة التي تقف عند مصالح الاخرين

  • L'enfer c'est les autres
    الثلاثاء 11 أبريل 2023 - 16:13

    هذا النظام السياسي الاسلامي المطروح هو عبارة عن خلطة لا هي نظام اسلامي حقيقي ولا هي نظام سياسي غربي والنتيجة سيصيبنا ما أصاب الغراب الذي قلد مشية الحمامة

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30

اللغات المغربية في الأدب والإعلام