انتخابات بلا مفاجآت

انتخابات بلا مفاجآت
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 15:34

إن المقصود بأنها “بلا مفاجآت” معناه، في جميع الحالات، ما وقع لم يَكن كله غير متوقع، بل ما أسفرت عنه النتائج، الأولية -حتى الآن- تم التعبير عنه من قبل فئة واسعة من المتابعين سواء “المحايدين” أو المدافعين عن تيارات معيّنة، وذلك حتى قبل الفترة السابقة للحملة الانتخابية، ويمكن التوسّع في بيان هذا الحُكم كما يلي:

أولًا: في شأن نسبة المشاركة

كانت ستتحقق المفاجأة إذا تمّ تسجيل نسبة مشاركة تُعادِل أو تتجاوز النسبة المسجلة برسم انتخابات 8 سبتمبر 2021، أي نحو 50% أو أكثر من 50.18% بمعنى تتجاوز كل النسب المسجلة منذ انتخابات25 نونبر 2011، وبالتالي فإن نسبة 38.08% دالّة لأنها تخالف الواقع وتعكس سياق تنظيم هذه الانتخابات الذي تزايد فيه خطاب “اللّاثقة في الصناديق” وهو ما يؤثر بشكل ميكانيكي على الأحزاب من حيث عدد المقاعد المُحصّل عليها.

ترتيبا على ذلك، لا يجوز القول، في سياق مقارنتها بالفترة المذكورة ( أي بعد دستور 2011) مثلا، في أن هذه النسبة تُعيدنا إلى سنة 2016 حيث كانت النسبة المسجلة هي 42.29% مادام لم تصل على الأقل إلى عتبة 40% حيث فارق أزيد من 4% يساوي إحصائيا أزيد من 50 ألف صوت أي نحو 10 مقاعد، باستحضار آلية القاسم الانتخابي ومجموع عدد مقاعد مجلس النواب المحدد في 395 مقعدا.

إذن، والحالة هذه، فإن نسبة 38.08 بالفعل ضعيفة، سواء بمقارنتها مع النسب السابقة (مابين 2011 و2021) وبعدد المسجلين في اللوائح الانتخابية (نحو 15.8 مليون) لكنها ليست مفاجئة للتعبير عن “الصدمة” من العزوف عن المشاركة في التصويت وإلا سيكون تعبيرا عن مشاعر وعواطف لا تقرأ التحولات المجتمعية ببلادنا، لاسيما الديمغرافية، حيث نسبة تسجيل الفئة الأكثر نشاطا في المجتمع (الشباب) في هذه اللوائح لا تتعدى 19% والجميع يعرف الصورة الذهنية لهذه الفئة عن الانتخابات، دون احتساب مؤشرات أخرى داخل هذا المؤشر لاسيما ما يتعلق بنسبة التمدرس ونسبة البطالة وما يرتبط بذلك من إشكاليات مركّبة تنعكس على تجديد النخب !

علاوة على ذلك، هناك مؤشر آخر له أثره على نسبة المشاركة وهو توسع المجال الحضري على حساب المجال القروي، والثابت عندنا في المغرب، كلما اقتربت من “المدينة” وداخل “المدينة” نفسها من الأحياء الشعبية كامتداد للهجرة القروية إلى الأحياء الأكثر تمدُّنًا، تتقلّص نسبة المشاركة، وذلك بتفسير آخر من حقل علم الاجتماع السياسي حيث يتراجع التصويت بناء على النفوذ العائلي والقبَلي القائم على المرشح بصفته الشخصية (ولد القبيلة… ولد الدوار…) دون إغفال سهولة التأثير على إرادة الناخبين بإغراءات نفعية فردية لصالح تحول السلوك الانتخابي، في الغالب، إلى التصويت الحزبي كاختيار سياسي ثم كبرنامج…أو عدم المشاركة إما كفعل مقاطعة بشكل إرادي أو إهمالًا، لذلك توجد تفاوتات صارخة في نسب المشاركة بين الدوائر الانتخابية المحلية الموجودة في المناطق ذات الامتداد القروي والدوائر الانتخابية المحلية في المجال “الأكثر تمدُّنا”.

إن هذين المؤشرين حاسمان لكننا، للأسف لا ننتبه إليهما كثيرا في قراءة النتائج كما لا تنتبه إليهما الأحزاب في قيامها بوظائفها الدستورية، لا سيما ذات الصلة بالتأطير…كما لا تتفاعل معها بالكيفيات الملائمة وسائل الإعلام وباقي وسائط التنشئة في أدائها لمهامها التربوية والتوعوية في فضاء عام صار مفتوحا…بل عاريًا تمامًا.

ثانيًا: في شأن ترتيب المقاعد

إن تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة لنتائج الانتخابات بـ(97 مقعدا 24.56%) أي بزيادة تبلغ 10% مقارنة مع نتيجة انتخابات 8 سبتمبر 2021 وهي نسبة قريبة من النسبة التي تصدّر بها حزب التجمع الوطني للأحرار تلك الانتخابات (102 مقاعد 25.82%) لا يمكن تفسيرها إلا بأن الحزب بالفعل لم يتأثر من مشاركته في الانتخابات كما أنه استفاد من تدعيم قيادته وأيضا من الترحال الحزبي على حساب التجمع الوطني للأحرار كما أنه لم يتضرر من الترحال العكسي.

قلتُ إن حزب الأصالة والمعاصرة استفاد من “تدعيم قيادته” لأن ذلك برز في الحملة الانتخابية من خلال الصدى التواصلي الذي قام به فوزي لقجع، نظرا لِما يتمتع به الرجل من شعبية عند الجميع، ناخبين وغير ناخبين، ثم بفضل ما أبان عنه من قدرة كبيرة على التسويق الانتخابي، ناهجا في ذلك خطابا لا يختلف عن الخطاب السائد في فترة الحملة الانتخابية وقبلها المبني على “الهجوم العاطفي” تجاه كل ما يراه أنه صار “غير مختار” من قبل المزاج العام للمواطنين، أي اختار في غالب الأحيان خطابا شعبويا لكنه بضمّادات مؤسساتية وتكنواقراطية قريبة أكثر من الواقع تنبني على معطيات إحصائية يُتقنها بفضل ممارسته المهنية وأحيانا فضح ما كان غير معلن أو تأكيد ما كانت تتداوله بعض وسائل الإعلام لإبراء ذمة الحزب واتهام حزب التجمع الوطني للأحرار.

تُبرّر هذه المعطيات ووقائع أخرى، القول بأن فوز الحزب بالمرتبة الأولى ليس مفاجئا، كما أن الرتبة التي احتلها حزب التجمع الوطني للأحرار، قد يعتبرها البعض تناقضا، باعتبار أنه مادام جاء ثانيا فهو لم يخسر إذن هذه مفاجأة !

إن هذه القراءة ليست سليمة، وأُبيِّن ذلك بعد القول بأن حزب التجمع الوطني للأحرار هو أكبر الخاسرين لكن بدون مفاجأة، أي خسارة بلا انهيار، خاسر لأنه تراجع بنسبة تقترب من 17% مقارنة مع انتخابات 2021 وبفارق كبير عن الحزب المتصدر وبفارق مقعد واحد فقط عن حزب الاستقلال وبدون مفاجأة للاعتبارات التي أشرتُ إلى بعضها في قراءة نتيجة حزب الأصالة والمعاصرة وفي صدارتها “استغلاله” في حملته الانتخابية بإلقاء كل اللوم الذي يُلقيه الناخبون على الحكومة على حزب التجمع الوطني للأحرار، علاوة على التغيير في قيادته قبل الانتخابات بالرغم من استمرار عزيز أخنوش في دعم الحزب خلال الحملة الانتخابية والفترة التي قبلها والمجهود التعبوي الكبير الذي قام به ولعله هو صاحب الفضل الأكبر في حصول الحزب على هذه المقاعد.

يجوز القول إذن، بأن حزب الأصالة والمعاصرة نجح في المساهمة في قهقرة حزب التجمع الوطني للأحرار بنفس الطريقة التي قام بها هذا الأخير مع حزب العدالة والتنمية في انتخابات 8 سبتمبر 2021، حيث بالرغم من أنه كان مشاركا في الحكومة ويدبّر قطاعات حكومية استراتيجية؛ إلا أنه رمى كل الفشل عليه…وفي جميع الحالات هذا ليس عيبًا لأنه أحد أوجُه التدافع السياسي، مادام الطرف الآخر لا يَقدر على ردّ ذلك الهجوم بوسائل أكثر إقناعًا.

وحيث قلتُ إن حزب التجمع الوطني لأحرار “أكبر الخاسرين بلا انهيار” فإن حزب العدالة والتنمية “أكبر الفائزين” لكن بلا مفاجآت حتى وإن حدث واحتل المرتبة الثانية، ففوزه بالمرتبة الرابعة (54 مقعدا) يعود لمجموعة من العوامل، في صدارتها استفادته من تراجع نفوذ حزب التجمع الوطني للأحرار في أغلب الدوائر الانتخابية التي تصدر فيها نتائج الاقتراع، وأيضا عودة عبد الإله بنكيران إلى قيادة الحزب بعد الهزيمة الكبرى سنة 2021 حيث استطاع إعادة حد أدنى من التماسك بين كتلته الناخبة شبه المستقرة، التي كانت “عاقبته” يوم 8 سبتمبر، ومناضليه، بصرف النظر عن خطابه الصدامي المشحون بالغلوّ في اتهام كل معارضيه، أشخاصا طبيعية أو اعتبارية، والإسناد الديني، علاوة على عوامل خارجية أخرى بامتداد وطني عرف كيف يستثمر فيها إما بالتواصل الشخصي المباشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو بمناسبة التجمعات الخطابية وببلاغاته إثر انعقاد دورات الأمانة العامة للحزب والتي يُجسد فيها بإتقان دور “المُستَهْدَف” من قبل ما يعتبرها بالقوى المعادية لقيم المجتمع.

بناء عليه، يُمكن اعتبار التصويت على حزب العدالة والتنمية كان تصويتا سياسيا، مقارنة بباقي الأحزاب الأخرى، لا أعتقد أن برنامجه الانتخابي ساهم في تحفيز أغلب المصوتين عليه ليحتل هذه الرتبة وبالتالي ليكون مستفيدا من دون مفاجآت أخرى، كأن يكون حصل على نسبة قريبة من النسبتين الّلتين حصل عليهما في انتخابات 2011 و2021.

لذا، فإن الحضور الشخصي المفرط للرجل الأول في الحزب وإن كان قد يكون له خطر على عدم تحفيز المشاركة المكثفة في الانتخابات فإنه يكون نافعًا للحزب في التأثير على الكتلة الناخبة الأكثر تعاطفا مع الحزب، وهذا ينسحب على حالة عزيز أخنوش أيضا كما سبق الإشارة إلى ذلك وأيضا إلى حالة فوزي لقجع، بالرغم من أنه عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة وليس عضوا في القيادة الجماعية، ورغم أنه حديث الالتحاق بالحزب للاعتبارات الأخرى المشار إليها حين مناقشة فوز حزبه بصدارة الانتخابات.

أما بالنسبة لباقي النتائج، لاسيما نتيجة حزب الاستقلال حيث حافظ على المركز الثالث، مقارنة مع انتخابات 8 سبتمبر 2021، فإن ذلك لا يعني انتصارا كما لا يعني صمودا، مادام الحزب خسر 16 مقعدا لكن دون فارق كبير مع صاحب المرتبة الثانية (مقعد واحد مما يعني احتمال تغيير الترتيب بإعلان النتائج النهائية) وبالتالي سيبقى له نفس الوضع في مسار التفاوض لتشكيل الحكومة المقبلة.

وفيما يخص حزب الحركة الشعبية، بالرغم من المجهود التواصلي الذي قام به أمينه العام، لكنه كان مجهودا متأخرًا جدا ولم تُسعفه محاولته باختيار لعب الدور الذي كان يتميز به حزب العدالة والتنمية “الضحية” فإنه فشل في ذلك لكنه نجح في الحفاظ على مركزه المكتسب سنة 2021 ولم يتأثر بترحال بعض قادته حيث نجح في تعويضهم بـ”محترفين آخرين” للترحال !

أما بالنسبة لتيار “اليسار” فإنه خاسر منذ تفريخه لأحزاب، ولا يمكن بالنسبة لي اعتبار حصول “فيدرالية اليسار” على 8 مقاعد نجاحا، فهذا التحالف لم يفز إلا على نفسه مقارنة بالنتيجة التي حققها في انتخابات 2021 بالرغم من الدور المنتظر أن يقوم به في المعارضة، قياسا على ما قام به خلال الولاية التشريعية المنتهية بنائبتين فقط، إحداهما نجحت في العودة إلى مجلس النواب (نبيلة منيب) والأخرى لم تتوفق في ذلك، وكلاهما بمدينة الدار البيضاء.

على سبيل الختم: ما هي احتمالات التحالف الحكومي؟

إن الاحتمال الأرجح هو تشكيل الحكومة بنفس التحالف الذي تفكّك بمناسبة الانتخابات، إلا أنه سيكون له خطر على تعزيز الثقة الشعبية الهشّة في الخطاب السياسي وفي العملية الانتخابية برمّتها، بالنظر إلى الصراع الحاد بين حزبي الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار خلال فترة الحملة الانتخابية، بالرغم من أنه سيكون له انعكاس إيجابي على المعارضة إذا سيقودها حزب العدالة والتنمية بفريق نيابي كبير يضم نوابا بسير ذاتية في المجال السياسي مشهود لها بإتقان هذا الدور وتعرف جيدا الحياة السياسية والواقع الاقتصادي وحالة الإدارة، كما سيكون لأحزاب اليسار، بالرغم من “الشتات” وجهٌ آخر لممارسة المعارضة لكن لن تكون أقوى من العدالة والتنمية حتى وإن اجتمعت في تحالف نيابي، لاسيما إذا اختارت القيام بمعارضتين، الحكومة والحزب”الإسلامي” !

وعلاوة على ذلك، قد يكون التحالف يُلغي التجمع الوطني للأحرار ويضم كلا من حزب الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أوالتقدم والاشتراكية، دون حساب الاتحاد الدستوري المتعود على مساندة الأغلبيات الحكومية، حتى وإن يُعلن اصطفافه في المعارضة فإنها تبقى معارضة ناعمة أو ما يُسميها بـ”النقْدية” وبالتالي لا يكون لها تأثير على ميزان أي تحالف.

ويوجد أيضا احتمال آخر ممكنا، رغم ضعفه، إن لم يكن صار مستحيلا، وهو التحالف بين الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال وحزب العدالة والتنمية، إذا أخذنا بعين الاعتبار تحفّظ أغلب قادة الحزب خلال فترة الحملة الانتخابية عن الجزم باستحالة التحالف مع الأصالة والمعاصرة.

إلا أنه ولئن كان هذا التحالف نظريا يبدو ممكنا، فإنه واقعا يصعب ترجيحه بالنظر إلى المواقف السلبية المتبادلة بين الحزبين منذ سنة 2008، ولن يخدم في شيء الحياة السياسية التي تحتاج إلى تمايزات حقيقية، رغم أن هذا الاختيار قد يَكون مفيدًا أكثر لحزب الأصالة والمعاصرة، فإنه ستكون له أعراض غير مرغوب فيها على حزب العدالة والتنمية قد تُعيد له سيناريو انتخابات 2021 في انتخابات 2031، وبالتالي فإن الحزب المذكور اذ يختار عدم المشاركة في الحكومة ليس فقط لاعتبارات إيديولوجية محضة وإنما أيضا لمثل هذا الاعتبار علاوة على أسباب ذاتية نفسية، لاسيما بالنسبة لأمينه العام.

وبصرف النظر عن أطراف التحالف، فإن الحكومة ستكون لها معارَضة برلمانية أقوى، عددا وكيْفًا، من المعارضة السابقة، كما أنها ستكون لها تحديات كبرى وطنيا وخارجيًا وبالتالي فإن رئيس الحكومة اذا لم يكن في مستوى هذه التحديات، من حيث تدبير تحالفه وتدبير تواصله مع العموم مستحضرا أخطاء رئيس الحكومة المنتهية مهامه فإنه سيساهم في تعقيد الحلول لا تبسيطها وتيسير مهام كل أعضاء حكومته.

-أستاذ محاضر بالمعهد العالي للإعلام والاتصال

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
البطالة تُهجّر شباب تيفلت
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 14:42

البطالة تُهجّر شباب تيفلت

صوت وصورة
أسعار اللحوم تواصل الارتفاع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 10:48

أسعار اللحوم تواصل الارتفاع

صوت وصورة
خصاص الكتب يرهق الأسر
الخميس 24 شتنبر 2026 - 23:48

خصاص الكتب يرهق الأسر

صوت وصورة
احتفالية في بيت المنصوري
الخميس 24 شتنبر 2026 - 23:42

احتفالية في بيت المنصوري

صوت وصورة
شوكي: تراجع النتائج رسالة للتصحيح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 18:46

شوكي: تراجع النتائج رسالة للتصحيح

صوت وصورة
المنصوري: العلاقة مع إسبانيا ضرورية
الخميس 24 شتنبر 2026 - 15:48

المنصوري: العلاقة مع إسبانيا ضرورية