باسو يكرم الأم ربة البيت المغربية في حفل مميز بالرباط
مساء يوم السبت 17 أكتوبر الجاري، وبالموازاة مع الوقت الذي كانت تتشكل فيه مسارات الحكومة الجديدة، كان الجمهور الشغوف بالضحك والتنفيس عن همومه ومشاكله الشخصية والعامة، على موعد مع الفنان الساخر باسو بمسرح محمد الخامس بالرباط، لمتابعة عرضه الموسوم بعنوان “أتوت/ À TOUTE “. وهو العرض المستوحي، بذكاء شديد وحذق بالغ من التغيرات الفيزيولوجية والنفسية والاجتماعية التي يعيشها الانسان عند بلوغ سن الأربعين، سن النضج. وقد طرح باسو بشأن هذه المرحلة سؤالا فلسفيا عميقا حول معنى النضج في هذه السن. ليكون بوصلة كاميراه، تلك العين الراصدة لحركة المجتمع من خلال حركة أفراده..
استغل باسو هذا الانتقال الزمني في شخصيته وفي عمر الانسان ليخلق لوحة فنية ساخرة بنفس نقدي يفتح من خلالها نوافذ عدة على المتغيرات في السلوك الفردي والجماعي للمواطن المغربي. واستطاع، كعادته، وبحسه الفكاهي المصقول بمعرفة عميقة ببعض حقول العلوم الإنسانية وإتقانه للتشاكلات في اللغة، تعرية التناقض والتنافر في السلوك الفردي والمجتمعي، وتبئير الفجوة الكبيرة بين ما يفعله الإنسان أو يدّعيه، وبين الحقيقة الواقعية لسلوكه، مما جعل المتفرج يزلق فجأة بين هذه الفجوات ويخرج منها وهو يضحك بالدموع على تناقضاته السلوكية وتصرفاته البلهاء، تماما كمن يكتشف أنه وقع ضحية صدفة طريفة غير متوقعة وفي موقف كوميدي غير مخطط له. هذا النوع من السخرية لا يهدف إلى التجريح لمجرد الضحك، بل يسعى إلى تعرية النفاق الاجتماعي والفكري وإعادة تقييم السلوك البشري.
استهل العرض بالتفاعل المباشر مع الجمهور عبر رقصته الشهيرة المستلهمة من الموروث الغنائي لمنطقة زاكورة التي ينحدر منها، وقد استغل تباين أسعار التذاكر ليرمي بجمل معبرة حور التفاوتات القائمة في سلم الأجور، لينتقل، بأسلوب سلس واستغلال انتباه الجمهور الذي كان مشدودا إليه، من فقرة لأخرى دون فقدان الرابط فيما بينها.
انتقل العرض من حيث موضوع السخرية أو النقد من رصد لحظات بعينها في تطور شخصيته، ومساره المهني وتفاعل الجمهور مع عروضه السابقة، إلى المجتمع، وقد استغل الاشتغال على هذا المدخل ببراعة للخروج إلى الفضاء العام، “البلاد” أو الدوار مسقط الرأس، إلى المدينة “الدار البيضاء” إلى فضاءات خاصة، البيت، المسجد… حيث تبرز مظاهر” تاهركاويت” بشكل واضح، رغم أننا لا نلقي لها بالا، ونستمر في ممارسة هذه السلوكات “الهركَاوية” باعتبارها سلوكات عادية وطبيعية، فيما يسلط الضوء على الجوانب غير العادية وغير الطبيعية فيها، الجانب المضحكي المبكي فيها.
في سياق ذلك، انتقد الفاعل المدني والإعلامي ومهنيي الحرف الخاصة و”شعب” الفيسبوك والانستغرام والتيك توك وغيرها، فاضحا تفاهاتها وتركيزها على القشور وخلق الفضائح من لا شيء، بل من تفاهة أصحابها ذاتهم، منبها إلى تراجع منسوب القيم والخصال الحميدة في المجتمع، وأثر الهواتف “الذكية” على انحراف المجتمع. ولم ينس بسرعة البداهة التي يمتلك أن “يرش” الحكومة برشات “عطره” غير الفواح ويقرصها بلسعاته الحارة.
كل هذا وغيره مما تطرق إليه الأخ باسو في عرضه، كان في كفة، وما قدمه حول الأم ربة البيت المغربية كان في كفة أخرى. لقد استطاع أن يعيد لركيزة الأسرة المغربية كرامتها التي تهدر يوما بعد يوم في النقاش السياسي والعمومي والقانوني بمناسبة طرح مدونة الأسرة للتعديل. وتمكن باسو بشخصيته البدوية الأصيلة أن يرسم أجمل صورة للأم المغربية، ربة البيت، العمود الفقري للبيت، وتدبيرها لمنزلها الذي يمزج بين الفن، العاطفة، والذكاء العملي، محولةً الجدران الصامتة إلى واحة دافئة تفيض بالحنان والراحة، تلك الجدران التي تخبئ فيها “علبة الحلويات” كما تخبئ عواطفها الجميلة لكل طارئ.
بجمل بسيطة وصادقة وخفيفة تحول باسو من خصلة لأخرى في شخصية هذه الأم، مستثمرا ما عاشه، ككل مغربي أصيل، في كنف أسرة مغربية عمادها الأم، ذلك الشخص الطيف، الذي ترى النتيجة النهائية لعمله، دون أن تراه وهو ينجزه.
تطرق لقدرتها الاستثنائية على “التاويل” (حسن التدبير)، حيث توازن بين المصاريف بحكمة، وتضمن ألا ينقص البيت شيء من أساسياته، معتمدة على التخطيط المسبق في الشراء والتخزين. كما وضع الاصبع على حسها الذكي في التنظيم والترتيب الاستباقي حيث يبدأ يومها مبكراً بجدول صارم لكنه غير مرئي، تقسم المهام بين التنظيف، والطهي، ومتابعة الأبناء، مما يحافظ على إيقاع البيت هادئاً ومستقراً. ووصف ربة البيت التي تجعل من الطبخ رسالة حب، فهو لا يقتصر عندها على إعداد الطعام، بل هو تعبير عن الحنان؛ تقضي الساعات في إعداد دون كلل ولا تذمر… حقا لقد شعرت بهذا الفنان وكأنه ينقل لنا على لسان حالها: “أم، ربة بيت وأفتخر”.
لقد استثمر باسو بذكاء تقنيات السخرية الهادفة والكوميديا السوداء التي تعتبر من الأدوات التربوية والنقدية الفعالة التي تُستخدم لتفكيك الظواهر السلبية وتقويم السلوك البشري بأسلوب غير مباشر. فالإنسان بطبعه ينفر من الوعظ المباشر والتوجيه الجاف، وهنا يأتي دور السخرية كمرآة فاضحة للعيوب والمفارقات المجتمعية. وتساهم السخرية في تقويم السلوك عبر عدة آليات منها:
إسقاط الدفاعات النفسية، فعندما يشاهد الفرد عرضاً ساخراً ينتقد سلوكاً خاطئاً (مثل الأنانية، النفاق، أو التبذير)، فإنه يضحك أولاً، ثم يدرك بشكل غير واعٍ أن هذا السلوك معيب، مما يدفعه لمراجعة تصرفاته دون الشعور بالهجوم الشخصي.
التعليم عبر المفارقة، حيث تُبرز الكوميديا الفجوة بين ما يجب أن يكون وما هو كائن بالفعل، مما ينمي لدى المتلقي (خاصة الشباب والأطفال) حساً نقدياً يمكّنه من التمييز بين السلوك السوي والسلوك العبثي.
تخفيف حدة التوجيه: تحول السخرية الموقف التربوي من “أمر ونهي” إلى “تحليل وتأمل”، مما يجعل الرسالة التربوية أكثر قبولاً وأطول أثراً في الذاكرة.
تنويه: لقد تفاديت في هذا المقال الاستشهاد بما جاء في العرض من أوصاف وجمل وعبارات حفاظا على جاذبية العرض ونزولا عند رغبة باسو نفسه الذي طلب عدم التصوير خلال العرض “حيث مازال باغيين نترزقو بيه”…
وكل عرض وأنتم جاهزون للمفاجأة..
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.