مباحثات قضائية بظلال سياسية تعكس حجم التوتر بين باريس وقصر المرادية

مباحثات قضائية بظلال سياسية تعكس حجم التوتر بين باريس وقصر المرادية
صورة: رئاسة الجمهورية الجزائرية
الثلاثاء 19 ماي 2026 - 09:00

فتح جيرالد دارمانان، وزير العدل الفرنسي، فصلا جديدا في مسار التعاون القضائي بين فرنسا والجزائر، خلال زيارته اليوم الاثنين إلى الجزائر، في محاولة لإعادة ضبط العلاقات الثنائية بعد أشهر من التوتر الحاد الذي بدأ منذ صيف 2024، على خلفية الموقف الفرنسي المعلن الداعم لمغربية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي، وهو التطور الذي شكّل نقطة تحول في طبيعة العلاقة بين البلدين وأدى إلى اهتزاز كبير في قنوات التواصل السياسي والدبلوماسي.

جاء هذا التوتر ليعكس عمق الخلافات الكامنة بين باريس والجزائر، حيث انتقلت العلاقة من منسوب تعاون تقليدي إلى مرحلة شد وجذب حادة، شملت تعطّل عدد من آليات التنسيق في ملفات حساسة، مقابل استمرار محاولات فرنسية للحفاظ على حد أدنى من التواصل، بالنظر إلى تشابك المصالح في مجالات الأمن والهجرة ومكافحة الجريمة المنظمة.

وتشكل زيارة دارمانان اختبارا عمليا لإمكانية تجاوز الأزمة الدبلوماسية الحادة، من خلال الدفع نحو “استئناف فعلي للتعاون القضائي العملياتي”، وفق ما أكده مقربون من الوفد الفرنسي، مع الإعداد لإرسال وفد من كبار القضاة الجزائريين إلى باريس مطلع يونيو المقبل، وذلك في إطار إعادة بناء الثقة على أساس براغماتي يركز على الملفات التقنية بدل الخلافات السياسية.

ورغم هذا المسار الثنائي الحذر، تظل ملفات ثقيلة حاضرة بقوة في أجندة المباحثات، من بينها قضايا الجريمة المنظمة، وعلى رأسها ملف شبكة “دي زد مافيا” الناشطة في مرسيليا، إضافة إلى ملف الصحافي الفرنسي كريستوف گليز المحتجز بالجزائر، وموضوع “المكاسب غير المشروعة” المرتبط بمرحلة ما بعد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وهو ما يعكس حجم التعقيد في العلاقة القضائية بين البلدين وتشابكها مع اعتبارات سياسية وأمنية.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو الزيارة خطوة في اتجاه إعادة ترميم ما تضرر خلال أزمة 2024، مع استمرار رهانات الطرفين على إمكانية فصل المسار التقني عن التوترات السياسية، لإحياء تعاون قضائي ظل لسنوات أحد أعمدة العلاقة بين باريس والجزائر، رغم الإرث التاريخي الحساس وتباين مواقف البلدين من قضايا إقليمية محورية.

تفاعلا مع الموضوع، قال السالك رحال، الناطق الرسمي باسم حركة “صحراويون من أجل السلام”، إن زيارة وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان إلى الجزائر، مرفقا بوفد قضائي رفيع المستوى، تعكس وجود إرادة متبادلة لطي صفحة التوتر الحاد الذي خيم على العلاقات الفرنسية الجزائرية خلال السنتين الأخيرتين، غير أنها في المقابل لا تحمل أي مؤشر على تراجع باريس عن موقفها الداعم لسيادة المغرب على صحرائه ولمبادرة الحكم الذاتي.

وأضاف رحال، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن قبول الجزائر استقبال الوفد الفرنسي بعد أشهر من القطيعة السياسية والدبلوماسية يؤكد أن السلطات الجزائرية بدأت تتعامل بواقعية أكبر مع التحولات الدولية المرتبطة بقضية الصحراء، خاصة بعد اتساع دائرة الدعم الدولي للمقترح المغربي، مشيرا إلى أن باريس حسمت موقفها بشكل واضح منذ إعلان دعمها الرسمي والتاريخي لمغربية الصحراء سنة 2024.

وأوضح المتحدث أن الجزائر وجدت نفسها خلال الأشهر الأخيرة أمام عزلة سياسية متزايدة بخصوص عدد من التطورات المرتبطة بالنزاع، خصوصا بعد الإدانات الدولية الواسعة للهجوم الذي استهدف مدينة السمارة بداية الشهر الجاري، موردا أن عددا من الدول، من بينها فرنسا، أدانت العملية بشكل واضح، في وقت غابت فيه أي مواقف داعمة لجبهة البوليساريو، حتى من طرف الجزائر نفسها.

ونبّه المصرح لهسبريس إلى أن زيارة المسؤول الفرنسي لا يمكن فصلها عن سياق التفاهمات السياسية غير المعلنة بين باريس والجزائر بخصوص ملف الصحراء، مذكرا في هذا الصدد بتصريحات وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف خلال ندوة صحافية في أكتوبر 2024، عندما تحدث عن وجود “صفقة” أو تفاهمات مرتبطة بهذا الملف بين المغرب والجزائر وفرنسا، معتبرا أن المعطيات الحالية توحي بأن بعض تفاصيل تلك التفاهمات بدأت تتضح تدريجيا.

وخلص السالك رحال إلى أن الجزائر تحاول اليوم الخروج من تداعيات مرحلة التصعيد السابقة بأقل الخسائر السياسية والدبلوماسية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها ملف الصحراء، وتنامي القناعة داخل عدد من العواصم الدولية بجدية وواقعية المبادرة المغربية باعتبارها أرضية أساسية لأي تسوية سياسية مستقبلية.

من جانبه، شدد محمد فاضل بقادة، رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية لحركة “صحراويون من أجل السلام”، على أن الجزائر ما تزال تتعامل مع قضية الصحراء باعتبارها المحدد الرئيسي لعلاقاتها الإقليمية والدولية، رغم خطابها الرسمي الذي ظل لعقود يؤكد أنها “ليست طرفا” في النزاع المفتعل، لافتا إلى أن ردود فعلها تجاه الدول الداعمة لمقترح الحكم الذاتي تكشف حجم الارتباط السياسي والدبلوماسي الذي يبنيه قصر المرادية على هذا الملف.

وأكد بقادة لهسبريس أن الموقف الفرنسي الداعم لمغربية الصحراء شكل لحظة مفصلية في العلاقات بين باريس والجزائر، خاصة بعد زيارة الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون إلى الرباط سنة 2024، والتي أنهت “مرحلة الضبابية الفرنسية” وكرست انتقال باريس إلى موقع الوضوح السياسي الداعم لسيادة المغرب على صحرائه ولمبادرة الحكم الذاتي.

وأضاف أن “رد فعل الجزائر كان متناقضا مع خطابها التقليدي بخصوص النزاع، كما أنه لم يكن محسوبا من حيث الكلفة السياسية والدبلوماسية، بالنظر إلى طبيعة العلاقة التاريخية المعقدة التي تجمعها بفرنسا، وما تمثله باريس بالنسبة للجزائر على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والجيو-سياسية”.

وأوضح رئيس مركز الدراسات السياسية أن فرنسا، رغم دعمها الواضح للمغرب داخل مجلس الأمن وتصويتها لصالح القرار 2797، ظلت حريصة على حماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وهو ما يفسر التحركات الأخيرة لإعادة ترميم العلاقة مع الجزائر، من خلال زيارات متبادلة لمسؤولين فرنسيين رفيعي المستوى، آخرهم وزير العدل الذي حل بالجزائر مرفقا بوفد قضائي كبير.

وسجل المصرح ذاته أن “زيارة جيرالد دارمانان تحمل في ظاهرها طابعا قضائيا وتقنيا، لكنها في العمق تعكس محاولة فرنسية لإعادة قطار العلاقات إلى سكته بعد قطيعة فرضتها الجزائر بسبب دعم باريس لمغربية الصحراء، كما ترتبط برغبة فرنسية في الحفاظ على نفوذها ومصالحها داخل منطقة الساحل وشمال إفريقيا”.

وفي هذا السياق، يرى محمد فاضل بقادة أن التحولات الدولية المتسارعة في ملف الصحراء أصبحت ترخي بظلالها على مختلف التحركات الدبلوماسية المرتبطة بالمنطقة، مبرزا أن الجزائر تواجه اليوم صعوبة في استيعاب التحول المتزايد داخل المنتظم الدولي لصالح الطرح المغربي، خاصة بعد المواقف الصادرة عن قوى كبرى، من بينها فرنسا، وهو ما يفرض، بحسبه، مرحلة انتقالية لإعادة ترتيب مقاربتها السياسية تجاه النزاع وتداعياته الإقليمية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • مسافر
    الثلاثاء 19 ماي 2026 - 09:12

    الجزائر اصبحت معزولة و لا تعرف ماذا تفعله بعد انهيار حليفتها ايران و هي مسألت وقت فقط حتى يأتي دورها و سيكون لترامب دور كبير في القضاء على هذا النظام الارهابي المجرم الذي يجاورنا و سبب كل مشاكل افريقا

  • العلام مصطفى
    الثلاثاء 19 ماي 2026 - 09:29

    فرنسا والمغرب يعرفان خبث ونوايا هذا النظام العسكري ،دولة مارقة لا تحب دول الجوار وهمها الوحيد هو اشعال الفتنة في منطقة الساحل وشمال افريقيا.

  • حاميها حراميها
    الثلاثاء 19 ماي 2026 - 09:55

    نداء للمغاربة والجزائريين :

    احذروا من هذه الأفعى بسبعة رؤوس (( فرنسا و انجلترا ))

    سياستهم مثل بني صهيون يضربون هذا بهذا (( zig zag )) يخربون في خفاء

    مشاكل افريقيا منبعها فرنسا انجلترا (( حكام افريقيا معظمهم عملاء يطبقون فقط ما يملأ عليهم ))

    التوتر بين باريس وقصر المرادية فقط في مخيلة المغفلين

    (( فرنسا و انجلترا )) معروفين عند أحرار العالم كانوا وما زالوا وسيبقون امبرياليين بدون نهب خيرات الشعوب النائمة اقتصادهم سينهار في شهر

  • hamid
    الثلاثاء 19 ماي 2026 - 10:06

    بعد اطاليا واسبانيا ، ها هية فرنسا تزور الجزائر لكي
    تقبل الشروط الجزائرية وهي تسليم المطلوبين وارجاع الاموال والعقارات المنهوبة واعدتدها الى الجزائر

  • الزهوانية
    الثلاثاء 19 ماي 2026 - 10:22

    الجزائر هي البنت الغير الشرعية لفرنسا والبنت لآ يمكن ان تتنكر لإمها وحتى إن كانت بنت غير شرعية و طال الزمن او قصر سترجع البنت إلى حضن أمها وتطلب الصفح والغفران على عقوقها وهذا ما سيحدث في القريب العاجل والأيام بيننا

  • الجزائري الذي لا يخشى من الحقيقة
    الثلاثاء 19 ماي 2026 - 10:23

    معزولة تماما. وصل بهم الحد إلى فبركة فيديوهات على سبيل المثال لا الحصر زيارة الرئيس الانغولي مفبركة 100 بالمئة. لم يدخل الجزائر إطلاقا. قبله زيارة الرئيس النيجيري لم تحدث على الإطلاق و زيارة وفود التشاد و ساحل العاج و الكثير الكثير لم تحدث. هذا الوزير الفرنسي أتى لان فرنسا كانت تريد فضح النظام عن هذه الفبركات. هذه ليست عزلة . عزلة غير مسبوقة لما يصل بك الحد إلى فبركة زيارات رؤساء دولة. الله يستر

  • مغربي
    الثلاثاء 19 ماي 2026 - 12:04

    مجرد مسرحية على الجزائرين كعادتهم………………

  • عبد الله
    الثلاثاء 19 ماي 2026 - 15:22

    المغرب و الدزاير خاصهم يتصالحو باش يزيدو للقدام حيت بجوج بنا جينا فموقع جغرافي عظيم أما دول الغرب هما تيهمهم فقط التجارة و يشريو عليك داكشي لي مطلوب عندهم و قريب منهم يعني التنقل غادي يتنقام لهم رخيص بلا مايمشيو للقارات الأخرى و تيخدمو فقط المصلحة ديال الشعوب ديالهم و من حقهم و الله يعاونهم و فعلا ربي عاونهم.

  • الورياغلي
    الأربعاء 20 ماي 2026 - 10:28

    هذآ الوزير الجزائري الفرنسي المسمى موسى دارمانان أمه من أصول جزاءرية
    وهو في الحقيقة يخدم مصالح النظام الكابرانيي .
    كما قال عمر هلال في إحدى تدخلااته الشهيرة في الأمم المتحدة أنه أحسن محام للجزاءر
    وهو كان يقصد المبعوث الغير مؤسوف عليه كريستوفر روس
    وفي كلتا الحالتين هما وجهان لعملة واحدة

صوت وصورة
عروض فرقة المسيرة الخضراء
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 19:35

عروض فرقة المسيرة الخضراء

صوت وصورة
محافظتي تتيح تتبع العقارات عن بعد
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 18:00

محافظتي تتيح تتبع العقارات عن بعد

صوت وصورة
إعادة هيكلة جوطية درب غلف
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 17:12 4

إعادة هيكلة جوطية درب غلف

صوت وصورة
"صاك طنجة" يشعل مجلس البيضاء
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 14:37 14

"صاك طنجة" يشعل مجلس البيضاء

صوت وصورة
محامو المغرب يعودون إلى المحاكم
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 13:18 4

محامو المغرب يعودون إلى المحاكم

صوت وصورة
المنتجات المغربية في أبوظبي
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 12:24

المنتجات المغربية في أبوظبي