بعد عبور سبتة.. ماذا ينتظر المهاجرين غير النظاميين في الضفة الأخرى؟

بعد عبور سبتة.. ماذا ينتظر المهاجرين غير النظاميين في الضفة الأخرى؟
صورة: أ.ف.ب
الإثنين 10 غشت 2026 - 06:00

في أول مشهد من فيلم “حراقة” للمخرج الجزائري مرزاق علواش، تتدلى جثة عمر من حبل داخل غرفة متواضعة، بينما يلتقط صديقه الرسالة التي تركها قبل أن ينهي حياته. وبين كلماتها، تستوقفه عبارة تلخص إحساس شاب أنهكه اليأس، في تعبير عن قسوة العيش في الجزائر: “إذا بقيت أموت، وإذا رحلت أموت”.

بهذه القناعة يبدأ قرار الهجرة لدى كثير من الشباب الذين يرون في الرحيل آخر فرصة لتغيير حياتهم. يحملون أحلامهم ويتجهون نحو البحر، مقتنعين بأن أصعب ما في الرحلة هو الوصول إلى الضفة الأخرى. وما ينتظرهم بعد الوصول يكاد يغيب عن الصور والمقاطع المتداولة، مع أنه المرحلة الأطول والأكثر تأثيرا في مستقبلهم.

يندرج هذا الواقع ضمن ظاهرة عالمية ذات أبعاد إنسانية معقدة. فمن معبر دارين، وهو شريط من الغابات الاستوائية الكثيفة والمستنقعات يمتد قرابة مائة كيلومتر بين كولومبيا وبنما، ويعد من أخطر معابر الهجرة في العالم، إلى الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة، ومن الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط إلى سواحل المحيط الأطلسي، يسلك مئات الآلاف من الأشخاص كل سنة مسارات شديدة الخطورة، مدفوعين بحلم الوصول إلى أوروبا أو الولايات المتحدة، وبما ينسج حول تلك الرحلة من آمال وتصورات.

وتكشف المعطيات الدولية الثمن الإنساني الباهظ الذي تخلفه هذه الرحلات. فمنذ سنة 2014 وثقت المنظمة الدولية للهجرة أكثر من 35 ألف وفاة أو حالة فقدان في البحر الأبيض المتوسط، مع تأكيدها أن العدد الحقيقي أعلى من ذلك، لأن كثيرا من حوادث الغرق لا توثق. وخلال سنة 2025 وحدها سجل ما لا يقل عن 2185 وفاة أو حالة فقدان في المتوسط، وأكثر من 1200 وفاة أو حالة فقدان على الطريق الأطلسي نحو جزر الكناري.

ويحتل الطريق الجزائري موقعا بارزا ضمن هذه المسارات. ووفق تقديرات منظمة “Caminando Fronteras”، سجل خلال سنة 2025 أكثر من ألف وفاة أو حالة فقدان على هذا الطريق، كما سجلت المنظمة مئات الحالات خلال الأشهر الأولى من سنة 2026.

أما من ينجح في الوصول، فتبدأ أمامه مرحلة مختلفة تماما، تحكمها القوانين والإجراءات المنظمة للدخول والإقامة.

فخلال السنوات الأخيرة، اتجه الاتحاد الأوروبي إلى تشديد سياسة الهجرة، وفي 12 يونيو 2026 بدأ تنفيذ الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء، الذي ينظم كيفية التعامل مع من يصلون إلى الحدود الخارجية بطرق غير نظامية، من خلال إجراءات أولية تشمل التحقق من الهوية، والوضع الصحي والأمني، وتسجيل البيانات البيومترية، قبل تحديد المسطرة القانونية التي تنطبق على كل حالة.

ومن بين الإجراءات التي قد يواجهها بعض الوافدين ما يعرف بالإعادة عند الحدود أو الإعادة الفورية، وهي آلية قانونية تقضي بمنع الدخول وإعادة الشخص فورا عندما يسمح القانون بذلك. وفي الحالات الأخرى، يستكمل الوافد الإجراءات الإدارية التي تنتهي باتخاذ القرار الذي يحدده القانون.

وهذا يعني أن أول ما ينتظر المهاجر بعد الوصول هو الدخول في مسار قانوني وإداري، يشمل تسجيل بياناته في قواعد المعلومات الأوروبية، وفي مقدمتها قاعدة “Eurodac” الخاصة بالبصمات، ثم دراسة وضعيته وفق القوانين المعمول بها.

وفي ما يخص سبتة، فهي تكتسي وضعا قانونيا خاصا يختلف عن التصورات الشائعة لدى كثير من الشباب. فالوصول إلى المدينة لا يمنح حق الانتقال إلى إسبانيا القارية أو إلى بقية دول الاتحاد الأوروبي. ويظل الانتقال إلى الجزيرة الخضراء أو مدريد خاضعا لمراقبة شرطة الحدود الإسبانية، ولا يتم إلا وفق الشروط التي يحددها القانون.

وتعكس الأرقام هذا التوجه بوضوح. ففي سنة 2025 أصدرت دول الاتحاد الأوروبي نحو 492 ألف أمر بمغادرة أراضيها في حق أشخاص يوجدون في وضعية غير قانونية، ونفذت أكثر من 135 ألف عملية عودة إلى بلدانهم الأصلية أو إلى دول ثالثة. وخلال الربع الأول من سنة 2026 وحده صدر أكثر من 108 آلاف أمر جديد بالمغادرة، في مؤشر على أن السياسة الأوروبية تتجه نحو إحكام مراقبة الدخول غير النظامي، وتسريع البت في الملفات، وتنفيذ قرارات العودة.

وقد ينجح بعض الأشخاص في البقاء داخل أوروبا سنوات، مع استمرار أوضاع قانونية معلقة لدى عدد منهم، وما يرافقها من صعوبات في العمل والسكن والاستقرار، وبقاء احتمال تنفيذ قرار العودة قائما متى استوفت السلطات شروطه القانونية.

ويزداد هذا الواقع حساسية عندما يتعلق الأمر بالقاصرين، لأن الاعتقاد السائد لدى بعض الشباب أن صغر السن يضمن البقاء في أوروبا، بينما يخضع القاصر بدوره لمسار قانوني دقيق. فبلوغ الثامنة عشرة ينقل الشاب إلى القواعد العامة المنظمة لإقامة الأجانب، ويجعله مطالبا باستيفاء الشروط القانونية اللازمة لتسوية وضعيته أو تجديد إقامته، شأنه شأن غيره.

وخلال فترة القصور، يفرض القانون الإسباني، انسجاما مع الاتفاقيات الدولية، توفير الحماية والإيواء والرعاية الأساسية. وترتبط هذه التدابير بمرحلة عمرية محددة، ولا تشكل في حد ذاتها حقا دائما في الإقامة أو ضمانا بالاستقرار. وقد أظهرت أحداث سبتة الأخيرة أيضا أن التدفق الكبير للقاصرين تجاوز القدرة الاستيعابية لعدد من مراكز الإيواء، وأثار نقاشا واسعا داخل إسبانيا حول كيفية توزيعهم، وحدود قدرة منظومة الحماية على استيعاب مزيد من الوافدين.

لهذا، فإن من يصل إلى أوروبا مفتقرا إلى التكوين، وإتقان اللغة، ووضع قانوني مستقر، يجد نفسه أمام مسار طويل، تتداخل فيه الإجراءات القانونية مع تحديات الاندماج في المجتمع وسوق الشغل.

ولعل الدرس الأهم الذي تقدمه أحداث سبتة هو أن حماية الشباب تسبق الوصول إلى الحدود، وقوامها المعلومة الصحيحة، والتوعية، والتعليم والتكوين، وخلق فرص حقيقية تعيد الثقة في المستقبل، حتى يصبح قرار الهجرة، إذا اتخذ، قرارا واعيا ومبنيا على معرفة دقيقة بالواقع، لا على صور عابرة أو وعود مضللة.

فالرحلة إلى الضفة الأخرى تستغرق في كثير من الحالات وقتا وجيزا، أما ما بعد العبور فقد يمتد سنوات، وبين اللحظة الأولى وما بعدها يتحدد مصير حياة بأكملها.

بقي أن إلى أشير أنه في المشهد الأخير من الفيلم الجزائري “حراقة”، يترك المخرج القارب يختفي في الأفق، ويترك معه الأسئلة معلقة.. لا أحد يعرف ما الذي آل إليه ركابه! ثم تظهر أرقام الضحايا تباعا على الشاشة، ويسدل الستار.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • AMIR
    الإثنين 10 غشت 2026 - 06:53

    هاذي لي شفنا في سبته ليست بهجره. وإنما شوهه من العيار الثقيل وفضيحه عابره للقارات اخجلتنا جميعا امام العالم باسره.
    والشوهه ما زالت مستمره على اشدها داخل سبته حيث اطفال وطفلات وقاصيرين وقاصرات بالمئات تائهون على وجوههم في انتظار من يتكلف بهم في مشهد مخزي ومخجل كله يندى له الجبين . ومن لا ضمير لهم من اولياء ومسؤولين مفرحين مسرورين هلى ما يبدو بهاذا الإنجاز العظيم.
    هذه هي الحقيقة المره. أما غير ذالك مجرد كلام في كلام لا ينفع.

  • ملاحظة
    الإثنين 10 غشت 2026 - 07:28

    لماذا لا يتم تكوينهم في عدة مجالات و تشغيلهم ، من حق اي انسان الحياة الكريمة ، الحق الادنى في الطعام و الشراب و السكن واذا اراد اكثر من ذلك فل يعمل ، لكن تبقى حقوق الانسان في هذه الحياة مشروعة و من الواجب مساعدته او منحهم على الاقل قطعة ارض يزرعونها و يعيشون منها ، كل مخلوق لديه الحق في الاكل و الشرب

  • همز
    الإثنين 10 غشت 2026 - 08:06

    الجواب. ينتضره مستقبل مشرق رعاية صحية مجانية وتعليم رائع ومجاني عيش كريم تقة فالنفس لكونه انسان بمعنى الكلمة سينقد نفسه ويساعد اهله بالطبع

  • المهاجرون
    الإثنين 10 غشت 2026 - 08:12

    ماذا ينتظر المهاجرون…..
    ماذا ينتظر المهاجرون
    ؟ ؟ ؟

  • abouReda
    الإثنين 10 غشت 2026 - 08:52

    إذا كان المسؤولون المغاربة مسؤولون حقا فعليهم المطالبة بإرجاع كل المراهقين و المراهقات بدون قيد و شرط! حاليا هؤلاء يتعرضون لكل أنواع الإسغلال، بما فيهم الإستغلال الجنسي. لذا يجب إعادتهم في أسرع وقت لإنقاذهم! و إذا ما تمت هته العملية فلربما تكون درسا لمن تراوده فكرة الهجرة إلى المدينة السليبة و إقناعهم أن سبتة ليست مدينة النجاة، كما يظنون!

  • benha
    الإثنين 10 غشت 2026 - 10:08

    هذا مشكل بشري انساني كوني طبيعي فطري ووو ، لا يمكن ان نختزله في تدبير واحد امني او غيره ، فهو مشكل بنيوي يهم البشرية كلها ، يجب الا نستهين بالامر ، او نلوم او نحمل المسؤولية لجهة دون اخرى ، فالمشكل يهم الجميع ، و على الجميع ان يقف وقفة واحدة ، و يعبيء مختلف العلماء و الخبراء في كل المجالات الاجتماعية و الاقتصادية و غيرها من اجل ايجاد حلول لهذه المعضلة التي يعاني منها ليس فقط بلدان المنشا و بلدان الاستقبال ، بل هذا الموضوع يجب ان يهتم به الجميع بما في ذلك البلدان التي تعتبر نفسها بعيدة عن المشكل و لا يهمها في شيء ، بل هي كذلك مقصودة ، و سبصلها حقها مما يعيشه الاخرون طال الزمان ام قصر ، و لذلك فمن الحكمة ان يشارك الجميع في ابجاد الحلول المناسبة و الملاءمة له ، تكون اكثر انسانية و تراعي ااحقوق البشرية ، بعيدا عن تلك المقاربات الأمنية التي لا تفيد كثيرا ، و بعيدا عن تحميل المسؤوليات لجهات دون اخرى ، فالجمبع في الهوى سواء ، و هذه ازمة إنسانية، اصبحت مزمنة و تزداد حدة ، و بأشكال مهولة و مخيفة ، و لهذا فلابد من اتخاذ ما يلزم من تدابير من شانها ان تعالج الوضع قبا فوات الاوان .

  • حسين
    الإثنين 10 غشت 2026 - 10:21

    ما ينتظر القاصرين الذين وصلوا الى سبتة المحتلة.هو التحرش الجنسي.والتنصير.لان.من سيتولى شؤون هؤلاء القاصرين هو الكنيسة.

  • المغرب قبل كل شيء
    الإثنين 10 غشت 2026 - 10:41

    إلى همز رقم 3 ماتقوله مجرد هراء .قالك العيش الكريم. لكن السلبيات تتحاشاها ولاتريد ذكرها. المشكل الأول في اسبانيا هو السكن . أما الصحة فأنا لاظن ان النظام الصحي الاسباني سبصمد كثيرا لان المجانية تقتله .وتطول مدة المواعيد .

  • مدان علي
    الإثنين 10 غشت 2026 - 11:33

    السؤال هو ماذا هيء الطرف الآخر المعني الحقيقي من ظروف العيش الكريم لتامين بقاء مواطنيه في بلدهم عوض الهروب منه ولو على حساب حياتهم هذه هي الحقيقة يجب اولا توفير ادنى الشروط للعيش الكريم لكافة مواطني البلد وفي كل المناطق لكي لا تصيبهم عدوى الهروب ! لماذا تغطية الشمس ومحاولة الدخول في متاهات والحل واضح

  • Max
    الإثنين 10 غشت 2026 - 12:50

    يجب إصلاح الأراضي الفلاحية في شمال المملكة مخصصة للزراعة و الفلاحة المعطاة مثل جنوب إسبانيا زراعة الفراولة و البطيخ و التوت الأرضي و الطماطم و شتى أنواع الفواكه و الخضروات مخصصة للتصدير و خلق فرص للعمل .

  • تعليق 2
    الإثنين 10 غشت 2026 - 19:15

    واش كاين شي واحد فالمغرب حابسهم من الدراسة او من التكوين يتعلمو شي صنعة
    هوما كيقلبو عليها باردة كيسحابو أوروبا كيفرقو فيها شريحة .

صوت وصورة
تصوير الخيول في معرض الفرس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 23:24

تصوير الخيول في معرض الفرس

صوت وصورة
هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:31 1

هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:00 1

أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة

صوت وصورة
التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 18:22 8

التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب

صوت وصورة
النواب يشرعون في انتخاب الرئيس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 15:51 1

النواب يشرعون في انتخاب الرئيس

صوت وصورة
الرقمنة في خدمة مربي الخيول
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 13:42

الرقمنة في خدمة مربي الخيول