بين المتعلم والمثقف

بين المتعلم والمثقف
كاريكاتير: عماد السنوني
الإثنين 22 أبريل 2024 - 21:04

مرة كنت في مقهى بفاس فرأيت عميدا سابقا لكلية الآداب والعلوم الإنسانية يتحدث مع بعضٍ من علية القوم، فحياه كاتب معروف فلم يهتم به ولا بتحيته، فاستفسرت من كان معي في جلستنا وكانوا يعرفونه أكثر مني. قال أحدهم: رغم المنصب السابق وشهادة الدكتوراة والكتب الكثيرة التي أصدرها فهو كالحمار يحمل أسفارا، لم ينفعه علمه في التأمل في صلب الحياة والمجتمع والكون، ما يهمه هو السباق الطبقي ومقارعة أصحاب الملايين والملايير، قصورا وسيارات فخمة وخدما وحشما وما لا ينتهي في أفق الناس التافهين.

هذا ذكرني بفترة شبابي، وقد كنا مجموعة من الفتية نسكن مركز الدرك الملكي بآسني قريبا من مولاي إبراهيم طير الجبال، وكانت هناك ضيعة لإحدى الأميرات يشرف عليها رجل كنا نسميه دّا ابراهيم، وهو أمازيغي من جنوب المغرب. كان يحتفل بزياراتنا له ويهيئ لنا شايا استثنائيا بأعشاب متعددة، وكان حكيما دون شواهد، يسمع من الناس ويضيف من تأملاته العجيبة حتى أضحى مرجعا في كل حيرة تصيبنا. سألته عن سبب عدم إنجابه للأطفال وهو من جهة معروفة بكثرة النسل، فرد عليّ رحمه الله:

– خفت نجيبهم للدنيا ما يديرو طايلة مع سيدي ربي ويعمّر بيهُم جهنم.

آنذاك لم أستوعب كلامه لكن بعد أن ذهبت ردحا طويلا في العمر عرفت أن الرجل مثقف دون شواهد ويتأمل نفسه وخارج ذاته بحكمة لم يملكها البغل المذكور عميد كلية الآداب.

المتعلم قادر على الحصول على شهادات عليا وكفاءة علمية نظرية أوعمَلية على الأرض، طبيب أو مهندس أو أستاذ جامعي أو مخترع أو غير ذلك، وقد تتعدد مواهبه التعلّمية دون أن يكون مثقفا، لأن المثقف هو الذي يتشرب المعرفة والعلم ويخترق العادات والتقاليد والمقدسات الظالمة، من يمتلك حسن النظر في جوهر الأشياء ويعلي ما يستحق وينزل بما لا يستحق.

تجد اليوم الكثير من البغال تعجبك أجسامهم وأموالهم وسُلَطُهم وهم لا يساوون شيئا في ميزان العقل والتمييز الصحيح، لأن معيار احترامهم للآخرين وتقديرهم لهم ينحصر في كمّ المال والسلطة. وقد تجد من يدعي الفن والإبداع وهو من ذلك براء، مثل هؤلاء الذين تابوا عن الغناء والتمثيل واستغفروا الله من ذنب عظيم واعتبروا الفن عفنا أو رجسا من عمل الشياطين، كل ذلك لأنهم متعلمون لا مثقفون، علما أن السواد الأعظم منهم لا هم متعلمون ولا مثقفون.

وقد فاجأني كاتب مغربي “كبير” حين أخبرني أنه عازم على شراء سيارة فاقترحت عليه بعضا من الماركات ذات السمعة الجيدة فرد علي:

– لا، هاد المرة باغي نشوف الناس من الفوق.

كان يقصد أنه سيشتري سيارة كاط كاط، وبقدر ما علا فوق سيارته وتبختر فوق رؤوس الناس بقدر ما سقط من عيني في الدرك الأسفل من الاعتبار والتقدير.

حين شاهدت فيلم “أوبنهايمر” استطعت أن أميز العالِم المتعلم من العالم المثقف، ذلك أن أينشتاين لم يكن عبقريا في الفزياء فحسب وإنما كان مثقفا، اقترب من درجة الفلاسفة، بينما أوبنهايمر لم يتجاوز كونه فيزيائيا في خدمة العسكريين، مهما حاول تبرير صناعة القنابل النووية التي قتلت مليوني ضحية ياباني.

شخصيا، حاولت بدء حياتي دون أن أجني على أحد، مثل سارتر أو أبي العلاء المعري أو حسن المنيعي أو أحمد بزفور، لكني فشلت وتزوجت وأنجبت بريئة واحدة، أتمنى أن تسامحني على أنانيتي، واقتنعت أني لم أتشرب جيدا المعرفة والعلم كما ينبغي، ولم أتجاوز درجة خروف وسط القطيع، وأني لم أرْقَ بعد إلى درجة مثقف.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

21
  • المسعودي
    الإثنين 22 أبريل 2024 - 21:12

    التعلم ليس هو الثقافة،والثقافة ليست هي التعلم.كم من شخص متعلم،لكن ليس مثقفا،وكم من مثقف ليس متعلما،لكن لفهم الحياة فهما صحيحا،يجب ان تتوفر فيك الصفتان معا،التعلم والثقافة،أما الجهل والأمية معا،فتلك طامة كبرى،اللهم علمنا ماينفعنا،ولاتعلمنا مايضلنا عن طريقك الحق.آمين.

  • ع.ع
    الإثنين 22 أبريل 2024 - 22:19

    سيد الوكيلي
    شكرا لك جميل المقال لكونه استنطق وللأسف واقعا بئيسا لكثير من أولئك الذين ظنوا أنهم تكلموا ناصية المعرفة وحازوا الشواهد العليا فقط لأجل التسلق الاجتماعي، اختزلوا سنوات دراستهم وسهرهم فقط في مراكمة المال ونسوا انهم استخلفوا علما ليخدموا به الناس، لكنهم حولوه لاسترزاق الثروة ولو على حساب شرف العلم ومختلف صنوف القسم المهني.
    لهؤلاء اقول ان علماء الغرب ومفكريهم وعلماءهم انما ادركوا قيمة ما يمتلكون فوهبوا علومه لخدمة أبناء شعوبهم وهاهم يخلدهم التاريخ الانساني بماثر ماتركوا وابدعوا، اما بعض مثقفينا وموظفينا من علية القوم فلا هم تزينوا بالعلم ولا هم تركوا الأثر فهم ميتون في حيواتهم

  • احمد
    الإثنين 22 أبريل 2024 - 23:06

    احداثيات مترنحة، حيث التقافة و التعلم متجانبان. الرأي أن كل متعلم قد شق الى الوعى و ليس العامي الأمي الذي لا يجد للرقي (الوعي المجتمعي) إلا قليلا.

  • مهتم
    الإثنين 22 أبريل 2024 - 23:08

    اولا قبل أن نقرأ يجب الإشارة إلى الصورة التي لم تكن في محلها فالحمار او البغال كما جاء في النص هي حيوانات وفية لصاحبها وصبورة على قسوة و همجية “الانسان ” وبالتالي فالحيوانات قد تكون في كثير من الأحيان اسمى وارفع من الانسان في سلوكياتها وتصرفاتها

  • محمد ابو يوسف
    الإثنين 22 أبريل 2024 - 23:44

    ما أجمل الكتابة التي تنطلق من الواقع تشرح سلبياته وايجابياتها تنقب عن الحكمة المنتشرة في كل مكان يلتقطها اللبيب الحكيم ذو العين الثاقبة …تحياتي سيدي الكريم

  • عبد الحق
    الثلاثاء 23 أبريل 2024 - 00:10

    احسنت، فالحيوانات اوفى
    احسنت.. فالحيوانات اوفى. خير ان يكون لديك كلب صديق من صديق (او معرفة ما) كلب. ما اوفى القطط و الكلاب..

  • مقال رائع
    الثلاثاء 23 أبريل 2024 - 00:24

    عظيم جداً تحليلك المنطقي، الواقعي، الذي يبرهن على أنك مثقف واع جدا.

  • ابراهيم- يالها من حكم
    الثلاثاء 23 أبريل 2024 - 11:18

    انها أفكار يجب إدخالها بعد تطويرها وبلورتها في إجرآت في المجال التربوي المغربي. لقد دكرتني أفكار الكاتب بموجوب الاهتمام بالثقافة الانسانية أينما وجدت ، حتى عند الاميين، الدين لايقرأون ولايكتبون. شكرا للسيد الوكيلي، الدي عهدت من مقالاته دائما قيمة مصافة. فما أحوجنا لمقالات نقدية لجميع المجالات كهاته.

  • مواطن عادي
    الثلاثاء 23 أبريل 2024 - 12:10

    تماما..ندخل إلى المدرسة والجامعة اميين ونتخرج منها جهلة أشرار. إعادة تشكيل الذات هي أصعب عملية على الإطلاق.
    متى بدأ انحدارنا الأخلاقي.. منذ انتشر أصحاب الشواهد في كل دواليب الحياة. لما بدأ العمل باللامركزية في السبعينات وكان النواب في معضمهم اميون، لم يفعلوا الشيء الكثير، لكنهم لم يسرقوا شيئا ولم يرتشوا. اتخذها المتعلمون ذريعة للهجوم على إسناد المناصب دون شواهد. نجحوا فعلا واستغلوا ما تعلمون في نشر الفساد ومأسسة الرشوة. يجيدون استغلال الثغرات القانونية لنشر
    لنشر اسوء انواع التلاعب والخداع، ولم يسدوا ثغرة واحدة في ثقوب الناس. نعم عندما اسمع شهادة عليا اتحسس مسدسي انطلاقا من شواهدي العليا.

  • دايز
    الثلاثاء 23 أبريل 2024 - 14:53

    المثقف وكما قال السيد العروي من يحمل هما ليس هم العيش والرفاهية والتعنث المنافسة في الانانية هم المتقف ان يجد حلول ان يرقى بالمجتمع نحو السمو والرقي والتقدم…لكن الان اين هو المثقف اين الرسالة…الكل مختفي…

  • هشام
    الثلاثاء 23 أبريل 2024 - 17:50

    سر النجاح في الحياة الشخصية و العملية مفتاحه التواضع ..المغرور لا يتعلم ابدا..ومن شب على شيء شاب عليه..

  • عبد الهادي
    الثلاثاء 23 أبريل 2024 - 18:39

    جميلٌ كلامُك سيدي وجميلٌ قولُك إياه، وأجمل منهما تواضعك. تحياتي لك

  • معلق.. متعلم
    الثلاثاء 23 أبريل 2024 - 18:48

    لقد صدق الأخ علي الوكيلي في مقالته الرائعة ، إنه لم يترك لجماعة المتعلمين مجال للمناورة.. إن المتعلمين هم أولئك الذين يمتلكون كما معرفيا قد يكون هائلا ، تراهم مطلعون على أبجديات جل العلوم بدءا من علوم التفسير مرورا بالأدب و الشعر الجاهلي و الفلسفة انتهاءا بما استجد في الطب و هندسة الفيزياء النووية ، و هم سادة القوم.. ملأوا الدنيا ضجيجا في ندواتهم و أينما حلوا و ارتحلوا ، لكنهم في آخر المطاف لا ينفعون إلا أنفسهم. أما المثقف ، قد يكون أستاذا جامعيا و قد يكون نجارا ، فهو كالمحسن الذي يلج دكان الحي خلسة كما لو أنه يأتي فعلا جرميا ، و يسأل صاحبه عن دفتر الديون ، و يؤدي ديون أكثر المدينات أو المدينين بؤسا بحيث لا يحس به المجتمع حتى يتوقف إحسانه و يفقد أخلاقه و حكمته لكن ، دائما بعد فوات الأوان… بعد وضع شاهد قبر فوق رأسه.

  • محمد
    الأربعاء 24 أبريل 2024 - 12:04

    سلام عليكم
    كلام جميل.وجيد.والاشكالية اليوم هي فعلا ثعريف الفرق بين المثقف و المتعلم.

  • مرض العالم العربي
    الخميس 25 أبريل 2024 - 05:20

    إنه مرض عقلية العالم العربي، الجاهل يتظاهر بالمال و المتعلم يتظاهر بالثقافة و المثقف يتظاهر بالفلسفة و في الواقع ليس هناك إلا الجهل مع الفقر و التعلم مع الجمود و الثقافة مع العقم.

  • Yassine
    الخميس 25 أبريل 2024 - 13:26

    ! Joyeux anniversaire Oustad Loukili
    Une longue vie en bonne santé inchaAllah

  • hakim
    السبت 27 أبريل 2024 - 08:11

    كلامك صائب لكن تجنب القذف والتجريح بأوصاف مثل الحمار والبغل مما ينتقص من قيمة المقالة ويجعلها غير جدية ومشكوك في مصداقيتها.

  • عبدو
    السبت 27 أبريل 2024 - 11:18

    وما علاقة عدد الاولاد بالثقافة والمثقف .فهذه النظرة نظرة متطرفة ومتشائمة هل هذا يعني ان تكون مثقفا ان تعيش منعزلا فالمثقف يحلل الظواهر المجتمعية بنظرة تأملية فاحصة وناقذة

  • hassan
    السبت 27 أبريل 2024 - 12:13

    قرأت مقالك حتى وصلت إلى تلخيصك الثقافة في عدد الأولاد ، علمت أنه لا فرقة بينك وبين من تنتقده في هذا المقال

  • ملاحظ بسيط
    السبت 27 أبريل 2024 - 21:02

    اظن ان المثقف هو من تعلم ويستعمل تعلمه في نشر الخير وحسن الخلق بين الناس عامة.

  • ريفي مغربي
    الأحد 28 أبريل 2024 - 06:27

    ديننا الحنيف يحثنا على حسن الخلق والتواضع، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعثت لاتمم مكا م الاخلاق، وقال الله تعالى في كتابه الكريم بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم(وانك لعلى خلق عظيم) بأخلاق حميدة نبني مجتمع قوي ومثقف،
    تقبلوا تحياتي

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 6

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 3

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 17

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 4

إصلاح الضريبة على الدخل