تحديات الجاليات المسلمة في بريطانيا

تحديات الجاليات المسلمة في بريطانيا
الجمعة 9 ماي 2025 - 23:21

انطلاقًا من توجهات وثيقة مكة المكرمة، واستنادًا إلى الرسالة الحضارية لرابطة العالم الإسلامي الهادفة إلى التعريف بحقيقة الإسلام، ونشر ثقافة السلم لتحقيق الأمن المجتمعي، والدفاع عن الحقوق الدينية والثقافية والاجتماعية للجاليات المسلمة عبر العالم، تباحث الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، الأمين العام للرابطة، مع عدد من القيادات الإسلامية البريطانية جملةً من القضايا والمواضيع التي تهم الجاليات المسلمة في بريطانيا، وذلك خلال اجتماع عقد يوم 30 أبريل 2025 في المدينة المنورة.

ويكتسي هذا اللقاء أهمية بالغة بالنظر إلى اعتبارات وعوامل عديدة نذكر من بينها ثلاثة، هي:

الارتفاع المتزايد لأعداد المسلمين في بريطانيا، حيث انتقل عددهم، حسب إحصاء أجري عام 2021، من 4.9% عام 2011 إلى 6.5%. وأكد الإحصاء المذكور أن نسبة المسلمين دون سن الخمسين بلغت 84.5%، وهو ما يؤشر إلى زيادات كبرى محتملة في أعداد المسلمين مستقبلًا. ويتطلب هذا الأمر اعتماد مقاربة حضارية وحقوقية وقانونية في الدفاع عن هويتهم الثقافية والدينية، وتعزيز اندماجهم ومشاركتهم الفعالة في تنمية مجتمعاتهم وترسيخ مواطنتهم الإيجابية.

الشعور المتزايد بخطر التحريض على الجاليات المسلمة في بريطانيا، والانتشار المضطرد لخطاب الكراهية ضدهم من اليمين المتطرف، خصوصًا في شبكات التواصل الاجتماعي. لقد لوحظ تراخي الحكومة في التصدي للإسلاموفوبيا على غرار سابقاتها، الأمر الذي دفع بوزير شؤون العقيدة واجد خان إلى الإعلان عن تخصيص ما يقارب مليون جنيه إسترليني لإنشاء هيئة مستقلة لرصد جرائم الكراهية ضد المسلمين، والتبليغ عنها، ودعم الضحايا. وأكدت تقارير صحافية أن الشرطة البريطانية حذرت من ارتفاع غير مسبوق في شكاوى التحريض والعنصرية ضد الأقليات المسلمة، حيث كشفت عن ارتفاع بنسبة 73% في نسب الحوادث المرتبطة بالإسلاموفوبيا خلال السنة الماضية، مشيرة إلى أن 40% من حوادث العنف المرتبطة بأسباب دينية عام 2024 كان ضحيتها مسلمون. ولذلك، قامت حكومة حزب العمال بتشكيل لجنة استشارية من الخبراء لوضع تعريف للإسلاموفوبيا يساعد الدوائر الحكومية والشرطة على التعامل مع شكاوى التحريض والكراهية ضد المسلمين.

الجدل الواسع الذي أثاره قرار الحكومة البريطانية بتعيين شخصية إسلامية مرموقة على رأس أعلى سلطة تعليمية في البلاد مكلفة بمراقبة المناهج ومعايير الجودة، وزادت من حدة هذا الجدل مزاعم بفرض تدريس الإسلام في المراحل الابتدائية والثانوية. ومن مظاهر الزوبعة الناجمة عن هذا القرار قيام عدد من السياسيين والإعلاميين في بريطانيا بشن حملات على مواقع التواصل الاجتماعي متهمين الحكومة بالعمل على “أسلمة التعليم” في البلاد، خصوصًا في ظل تزايد الإقبال على الإسلام والاهتمام بدراسته. لكن تقريرًا نشرته وكالة رويترز يوم 28 مارس 2025 أورد أن مسؤولين في إدارات التعليم في إنجلترا وويلز وأسكتلندا أكدوا أن تدريس الإسلام ليس إلزاميًا على مستوى البلاد. غير أن التقرير المذكور أكد، من جهة أخرى، أن إنجلترا تفرض توفير التعليم الديني في المدارس، فالمادة 375 من قانون التعليم لعام 1996 تنص على ضرورة أن “يعكس المنهج الدراسي التقاليد الدينية لبريطانيا العظمى، وهي في الغالب مسيحية مع مراعاة تعاليم وممارسات الديانات الرئيسية الأخرى الممثلة في بريطانيا العظمى”. وأشار التقرير إلى أن المدارس المستقلة عن سيطرة السلطة المحلية، مثل الأكاديميات، حرة في تحديد مناهجها الدراسية الخاصة.

بالإضافة إلى هذه الاعتبارات الثلاثة، فإن جلسة العمل مع القيادات التي تمثل الجاليات المسلمة في بريطانيا تندرج في إطار سيرورة الجهود والمساعي الحثيثة التي تبذلها رابطة العالم الإسلامي للعناية بشؤون الجاليات والأقليات المسلمة عبر العالم، والتواصل معها لعلاج المشكلات التي تواجهها في حدود دساتير وأنظمة الدول التي يوجدون فيها. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى قيام الرابطة بإنشاء مجلس للقيادات الإسلامية في أمريكا الشمالية والجنوبية، والذي يعد الأولَ من نوعه في تاريخ الأمريكتين، ويشمل عموم المذاهب والطوائف الإسلامية التي أقرت ‫وثيقة مكة المكرمة‬.

إن اهتمام رابطة العالم الإسلامي بأوضاع الجاليات المسلمة خارج العالم الإسلامي يتجلى بالأساس في إيلاء العناية الفائقة للدفاع عن الحقوق الثقافية والدينية والمدنية للمواطنين من أصول مسلمة في المجتمعات غير الإسلامية، وبحث السبل الناجعة للحد من انتهاك حقوقهم. ومن هذا المنطلق، تعمل الرابطة على تأصيل التعددية الثقافية والتنوع الثقافي والمذهبي، وتعزيز برامج التبادل الثقافي بين الأقليات المسلمة في العالم، وتعزيز قيم الاعتدال والحوار والتسامح والتآخي، ونبذ التعصب والكراهية المذهبية، وإبراز الخصوصيات الثقافية والفكرية للأقليات المسلمة في العالم.

واستثمارًا لتجربتها التنظيمية والعلمية المتراكمة، واستنادًا إلى رؤيتها الواضحة حول حاجيات الجاليات والأقليات المسلمة عبر العالم، يمكن لرابطة العالم الإسلامي أن تقوم بأدوار مهمة في مجال تفعيل دور قيادات العمل التربوي والثقافي من الجاليات المسلمة في تعزيز الحوار والاحترام المتبادل، والتصدي لمظاهر التطرف والكراهية. وفي هذا الصدد، يمكن تنفيذ مجموعة من الأنشطة والبرامج من أجل بناء قدرات الأئمة والمرشدين الدينيين العاملين في المؤسسات التربوية والثقافية الإسلامية في الدول غير الإسلامية، لاعتماد الخطاب الإسلامي المعتدل والمنفتح، وتكوين قيادات العمل الثقافي الإسلامي فيها في مجال محاربة التطرف الفكري والعنيف، والتخويف من الإسلام.

ولعل أفضل متعاون مع الرابطة في هذا المجال هو المركز الثقافي الإسلامي في لندن، الذي يعود الفضل في تأسيسه ورعايته ودعمه إلى المملكة العربية السعودية، حيث أصبح اليوم يكتسب مصداقية كبيرة وسمعة طيبة لدى الدوائر الرسمية البريطانية والرأي العام والإعلام في المملكة المتحدة، بفعل الجهود المتميزة التي يقوم بها مديره الدكتور أحمد الدبيان ومساعدوه، والتي جعلت من هذا المركز منارة إسلامية وحضارية وثقافية تجسد بحق ثقافة الحوار والتسامح والانفتاح وقيم الوسطية والاعتدال والعيش المشترك.

باحث في الاتصال والحوار الحضاري

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • MC
    السبت 10 ماي 2025 - 07:57

    شكرًا للأستاذ المحجوب على هذا المقال القيّم.
    لكن دعني أتناول النقاط بجدية، مع قليل من الابتسامة على الطريق.
    أولاً، مسألة تزايد أعداد المسلمين في بريطانيا ليست مجرد رقم في الإحصاءات، بل هي مسؤولية كبيرة للجالية وللمجتمع البريطاني معًا. فكل طفل مسلم يولد هناك يحمل معه حلمين: حلم والديه بأن يكون طبيبًا أو مهندسًا، وحلم المجتمع بأن يندمج دون أن ينسى أصوله. التحدي الحقيقي هو كيف نجمع بين الاثنين دون أن نحتاج إلى جلسات علاج نفسي جماعي.
    أما عن خطاب الكراهية، فالحكومة البريطانية تبدو أحيانًا وكأنها في سباق ماراثوني مع ظاهرة الإسلاموفوبيا: كلما حاولت اللحاق بها، غيرت الظاهرة مسارها إلى وسائل التواصل الاجتماعي أو إلى البرلمان أحيانًا. ومع ذلك، يبقى تخصيص مليون جنيه لرصد جرائم الكراهية خطوة إيجابية، ولو أنني كنت أفضل أن يخصص جزء منها لدروس في “كيف تحب جارك المسلم ولو كان يشخر في الليل”.
    ولا يمكن أن نغفل دور المركز الثقافي الإسلامي في لندن، الذي أصبح بحق منارة للحوار والتعايش. أظن أن مدير المركز لو فتح دورة في “فن التعامل مع الإعلام البريطاني”، لامتل لقاعة بالسياسيين قبل الصحفيين.

    ALHOCEIMA

  • فوبيا ..
    السبت 10 ماي 2025 - 10:55

    العمليات الانتحارية الفردية التي يقوم بها بعض المسلمين تزيد من عدم الثقة وتعزز ظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب وداخل العالم الإسلامي نفسه . وهذا يشبه الى حد كبير كيف نشأت لدي فكرة غير حقيقية عن اليهود في طفولتي ، حيث كنت أعيش في مدينة يمثل اليهود خمس سكانها ، وكنت أسمع عن مهارات خارقة لهم ، مثل تجميد الدم في جسم الإنسان أو تحويل الناس إلى تماثيل بلمحة بصر . كنت أصدق هذه الأفكار ، مروري بسوق اليهود كان تجربة مخيفة ، رغم أن والدي هو من كان يرافقني وهو نفسه من كرس تلك الحقيقة المزيفة في كياني .

  • amaghrabi
    السبت 10 ماي 2025 - 18:09

    أولا شكرا لك سيدي المحجوب المحترم على مقالك الاخباري عن أحوال المسلمين في بريطانيا وشكرا لك على مقامك المحترم الذي يخول لك متابعة هموم الجالية المسلمة في بريطانيا والدفاع عن حقوقها ومكتسباتها التي هي ضرورية أحب الغرب بصفة عامة أو كره لان نسبة السكان مستقبلا لمن يلد وينجب والمسلمون معامل الولادة تشتغل صباح مساء والحمد لله.وكما قال شاعرنا وهو صاحب مذهب اسلامي وازن”نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا” سيدي نحن المسلمون في مشارق الارض ومغاربها تنقصنا شيئا من التربية لاننا نطلب من الغرب حقوقا ونتهمه صباح مساء في تقصيره في حقوقنا وفي نفس الوقت نرتكب فوق ارضه وهو يعتقد انها ارضنا نحن كذلك لانه يعلم ان كل من ولد في الغرب سيخدم مصالح الغرب وخاصة انهم لا يلدون ونحن نلد وبالتالي فاتمنى من هذا المشروع الذي تقفون وراءه سيدا أن يهتم بالتربية السليمة التي تدعو الى الاندماج الايجابي والتربية السليمة ومعاملة غيرنا باساليب حضارية

صوت وصورة
ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:23 2

ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟

صوت وصورة
غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:22

غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء

صوت وصورة
إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 21:31 2

إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"

صوت وصورة
ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:30 11

ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟

صوت وصورة
أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:25 6

أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري

صوت وصورة
مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 19:00 14

مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب