"تحفة الإمام" .. فقيه مغربي يدعو السلطان الحسن الأول إلى الاقتباس من أوروبا

"تحفة الإمام" .. فقيه مغربي يدعو السلطان الحسن الأول إلى الاقتباس من أوروبا
صورة: مواقع التواصل
السبت 28 دجنبر 2024 - 06:00

صدر عن منشورات بيت الحكمة بتطوان (دجنبر 2024) تحقيق جديد لكتاب تحفة الإمام ونصيحة الإسلام فيما يتوقف عليه الخاص والعام، وهو من تأليف الإخباري المغربي محمد بن مصطفى المشرفي صاحب كتاب الحلل البهية في ملوك الدولة العلوية، ويعد تحفة الإمام، الذي حققه الباحث خالد طحطح من أهم مؤلفات محمد المشرفي في قضايا الإصلاح بمغرب القرن التاسع عشر، حيث يتناول فيه ضرورة إنجاز الإصلاح العسكري والمالي والقضائي والجبائي، ويقف عند العوائق الداخلية التي ساهمت في إفشال كثير من الإصلاحات.

في هذا النص الفريد والاستثنائي الذي حققه وقدّم له الباحث خالد طحطح بدراسة وافية نجد أنفسنا أمام فقيه مغربي من القرن التاسع عشر يحث السلطان الحسن الأول بصريح العبارات على الأخذ بالمستجدات الحديثة، والاستفادة من الدول الأوروبية في هذا المجال، وإن كانت مخالفة لنا في الملة، ويعدد له المزايا التي سيجنيها البلد إن هو أخذ بالتراتيب الأوروبية، ويتهجم على الفقهاء ممن عارضوا في زمانه الاقتباس من الأجانب، وهنا تكمن أهمية هذا الكتاب، إذ نقف فيه على بداية تشكل الأفكار التنويرية بمغرب القرن التاسع عشر.

كتاب تحفة الإمام ونصيحة الإسلام استلهم أفكاره بشكل مباشر من كتاب أقوم المسالك لخير الدين التونسي، وسار على منواله، حيث يبدو فيه المشرفي متأثرا بالفكر النهضوي المشرقي، ونقل لنا نص مرسوم كرخانة الذي اعتمد في الدولة العثمانية في باب الإصلاحات، كما اقترح المشرفي في كتابه على السلطان المغربي رؤيته للإصلاح العسكري والمالي والقضائي والإداري، وهو ما يضع هذا الإخباري على رأس رواد النهضة بالمغرب خلال القرن التاسع عشر.

كتاب تحفة الإمام ونصيحة الإسلام يجعلنا نعيد قراءة تاريخ مغرب القرن التاسع عشر، فنحن أمام نص يختلف في منزعه عن باقي ما دونه معاصروه، ويقترب في تصوراته من نظرائه بالمشرق، ففيما طرحه من قضايا وتصورات نجده أقرب الإخباريين المغاربة لخير الدين التونسي ورفاعة الطهطاوي وأحمد فارس الشدياق، وهو نص لا نجد أي استثمار له في الكتابات التاريخية الأكاديمية، لكونه ظل مغموراً، ولا يزال.

كتاب تحفة الإمام أو “منهاج البشرى وسعادة الدنيا والأخرى” يدعونا لأن نُعيد النظر في فكرة تحفُّظ الفقهاء المغاربة على المستجدات الحديثة، وقد بين الباحث خالد طحطح في قسم الدّراسة أننا أمام نص يُعدِّد المزايا التي سيجنيها البلد من وراء الاقتباس من الدول الأوربية والأسيوية، كما ينتقد الفقهاء الذين ينكرون الاستفادة مما عليه غَيْر المسلمين مِنَ السّيرِ وَالتَّراتِيبِ النافعة، حيث يقول: “فَإِنَّ الأمْر إِذَا كَانَ صادِراً مِنْ غَيْرِنا وَكانَ صَواباً مُوافِقاً لأَدِلَّتِنَا فَلاَ وَجْهَ لِإنْكَاِرِه وَإهْمَالِهِ، بَلِ الوَاجِبُ الحِرْصُ عَلَى اسْتِعْمالِهِ، وَكُلُّ مُتَمَسِّكٍ بِدِيَانَةٍ وَإِنْ كَانَ يَرَى غَيْرَهُ ضَالاَّ في دِيَانَتِهِ فَذَلِكَ لاَ يَمْنَعُهُ مِنَ الاقْتِداءِ بِهِ فِيما يُسْتَحْسَنُ في نَفْسِهِ من أعْمالِهِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ كمَا تَفْعَلُهُ الأُمَّةُ الإفْرَنْجِيَّةُ، فَإِنَّهُم ما زَالُوا يَقْتَدونَ بِغَيْرِهِمْ في كُلِّ ما يَرَوْنَهُ حَسَناً مِنْ أعْمالِهِ حَتَّى بَلَغُوا في اسْتِقامَةِ نِظَامِ دُنْياهُم إِلَى مَا هُوَ مُشَاهَدٌ، وَشَأنُ النَّاقِدِ البَصير تَمْيِّيزُ الحَقِّ بِمِسْبارِ النَّظَرِ في الشَّيْءِ المَعْروضِ عَلَيْهِ قَوْلاً كَانَ أوْ فِعْلاً، فَإِنْ وَجَدَهُ صَواباً قَبِلَهُ وَاتَّبَعَهُ، سَواءٌ كانَ صَاحِبهُ مِن أهْلِ الحقِّ أوْ مِن غَيْرِهِم … وَالحِكْمَةُ ضالَّةُ المؤمِنِ يَأْخُذُهَا حَيْثُ وَجَدَهَا”.

يبدو واضحا من خلال متن الكتاب أن المشرفي استقى نصه -بعد تحويره- من كتاب أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك لخير الدين التونسي (1821-1889) وإن لم يُشر إليه بالاسم، كما أنه استوعب الكثير من أفكار هذا المصلح الرائد، وتبنى الكثير من مواقفه الإصلاحية وكيّفها مع الواقع المغربي. وهذا الكتاب هو خير مثال على شمولية الفكر التحديثي بالمغرب، حيث حاول فيه المشرفي التوفيق بين الأصالة من جانب، والانفتاح من جانب آخر، مشددا على أهمية الاجتهاد في الشريعة الإسلامية بما ينسجم وملابسات العصر، ومؤكدا على أهمية الأخذ بمعارف الآخر الأوروبي وبأسباب العمران والتقدم والرفاهية.

يسود انطباع لدى الباحثين بكون مغرب القرن التاسع عشر لم يعرف إسهامات تحديثية أو تنويرية على غرار ما عرفته تونس ومصر والشام والدولة العثمانية، وهو انطباع قد يبدو صحيحا إذا حكمنا على المسألة من خلال الكتابات التي ذاع صيتها آنذاك كمؤلفات الكردودي والفلاق، لكن الأمر يختلف حين نقف على مؤلفات أخرى تنتمي إلى نفس الحقبة من قبيل رحلة الصفار ومنهاج البشرى للمشرفي، والابتسام عن دولة ابن هشام لأبي العلاء ادريس، والفتوحات الوهبية للحسين بن عبد الرحمان، ونهاية المقول لعلي بن محمد السوسي. فهذه الكتابات تتميز بنفس تجديدي وبالدعوة للإصلاح بما يتناسب مع التحديات الجديدة القائمة آنذاك.

يختلف منهاج البشرى للمشرفي إلى حد بعيد عن كتابات أقرانه خلال القرن التاسع عشر، لاسيما كتابات الكردودي والفلاق واللجائي وابن عزوز، التي ظلت تقليدية في بنيتها، والتي كانت تستقي معلوماتها من كتابات الآداب السلطانية السابقة دون أن تحمل أية أفكار أو قضايا من راهن القرن التاسع عشر وتحولاته السياسية والاقتصادية والإدارية والعسكرية والتقنية.

إن كتاب منهاج البشرى أو تحفة الإمام هو نص متميز وفريد من نوعه في مجال الكتابة الإصلاحية بالمغرب خلال القرن التاسع عشر، فقد تناول فيه مؤلفه قضايا الإصلاحات بكثير من الدقة والتفصيل وبرؤية مُغايرة لباقي الفقهاء والكتاب الذين عاصروه، وهو ما يضعه على رأس رواد النهضة بالمغرب خلال القرن التاسع عشر. بيد أن الكتاب مع ذلك لم يكن له أي صدى فعلي، لأنه ظل مجهولا ومغمورا وبعيدا عن الأضواء، ومن ثَم لم يكن له أي تأثير لا في زمن تأليفه ولا في الفترة الموالية له.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • خطبة الجمعة
    السبت 28 دجنبر 2024 - 06:25

    على اقل نرير خطبة جمعة علمية غنية بعلوم الرياضيات والفيزياء وبيولوجيا، كفنى من اعادة أسطوانات 1460 سنة

  • ديوري
    السبت 28 دجنبر 2024 - 07:49

    هذه الأفكار التنويرية التي أشير إليها في المنشور أعلاه هي التي قادتنا إلى التبعية المقيتة للغرب واوصلتنا إلى مانحن عليه من التخلف لأننا قلدناهم واخدنا منهم كل أمر سخيف ….أما العلوم الدنيوية النافعة فبخلوا بها علينا ومن تعلمها منا صار عميلا عندهم…..ولازلنا نستورد الأفكار الرديئة من عندهم….والمدونة ليست ببعيدة علينا….

  • الشرقي
    السبت 28 دجنبر 2024 - 08:02

    نعم ناخد من أوروبا الديمقراطية والحقوق لشعوبها وليس المساءل التافهة

  • البصيرة
    السبت 28 دجنبر 2024 - 09:43

    سلاطين المغرب خلال القرن التاسع عشر لم يكن يخفى عليهم اقتباس تقنيات العمل من الدول الخارجية ولم يكن يعجزهم تطبيقه في الداخل لكن الأمر لايتوقف عند هذا الأمر بل يهم مسألة الملكية الفكرية وأيضا التفاوض حول المقابل وراء السماح بالإقتباس لذلك أغلب الدول اليوم تمنح صفقات الأشغال والمشاريع لشركات دولية معترف بها وبشروط على كل النقاط والثمن الذي يجب دفعه ودفتر التحملات وكل هذا تجنباللغموض للمشاكل التي قد.تحدث لاحقا .

  • الحسين
    السبت 28 دجنبر 2024 - 10:10

    وما اكثر علماء السلطان حتى في القرن الواحد والعشرين هناك من يفتي للحاكم لقتل شعبه كما حصل في مصر وسورية.
    ثانيا الاسلام .ليس ضد ان ناخذ من غيرنا ما يفيدنا في الامور الحديثة مثل علوم الزراعة والصناعة بل العكس بل هو واجب …فقط الا يتعارض ذالك مع عقيدتنا الاسلامية.

  • Hakim
    السبت 28 دجنبر 2024 - 13:44

    لماذا لا نأخذ من الغرب عندما يتأخر القطار ربع ساعة يقدم وزير النقل استقالته

  • محماد الشلح
    السبت 28 دجنبر 2024 - 13:47

    يجب ان نفهم ان جل التشريعات الغربية انذاك كانت تؤخذ من تشريعات في كتب اسلامية ولمن اراد ان يعرف هذا الموضوع فليرجع الى اقتباسات في القوانين الاوربية من تلك الفترة.

  • محمد بن علي
    الأحد 29 دجنبر 2024 - 01:49

    يعد المشرفي بحق من كبار علماء القرن التاسع عشر وهو من أصول جزائرية، ولا جدال في كونه من أشهر من كتبوا في تاريخ الدولة العلوية، إلا أنه يعاب عليه كراهيته للمغاربة وإكثاره من الدم والطعن في سكان فاس وأهاليها، كما كان معروفا بالسرقة الأذبية وانتحال مجهودات وإبداعات غيره ومن ذلك ما نقله حرفيا من كتاب “الأنوار الحسنية..” لصاحبه أحمد بن عبد العزيز العلوي دون أن يشير إلى صاحبه، وغير ذلك من الاقتباس اللامحدود.
    كما عرف بسرقته من كتاب الفقيه العلامة الشريف سيدي علي بن محمد السوسي السملالي البعقيلي، “مطالع السعادة في فلك سياسة الرئاسة” عند تفصيله لأقسام السياسة، في كتابه “الحلل البهية..”
    كما يعاب عليه تاييده للاحتلال الفرنسي للصحراء الشرقية ومنها منطقة توات، وفي هذا الصدد نستحضر التساؤل الوجيه الذي طرحه الأستاذ عبد الله العروي: “هل الكاتب المشرفي مغربي حقا؟ هل هو من المهاجرين الجزائريين الذين انحازوا إلى الفرنسيين؟ لأن مثل هذا الكلام لا يكتبه مغربي عموما ولا يحتج مغربي بمثل هذه البراهين. هل هو جاسوس؟ لا ندري، إنما هذا ما نقرأ”
    …

  • مولود - التغيير والقوالب الجاهزة
    الأحد 29 دجنبر 2024 - 06:52

    إذا كان المشرفي حقا ضد المغرب وتابع للفرنسيين المؤيدين للجزاءر وجاسوس كما يقول البعض فإن رءيس موريطانيا ولد الغزواني أيضا أفصح عن وجهه الحقيقي وظهر أنه مجرد خديم للبوليساريو يتفاني لتحقيق أهدافها العدوانية والشريرة باستخدام المكرومراوغةالمجتمعات المحليةهناك

  • رأي حر
    الإثنين 6 يناير 2025 - 09:50

    في رأيي المتواضع أن هذه التجارب لا تفتح حقيقة سوى التبعية و الغرب بطبيعته يتخبط في مشاكل كبيرة الى درجة انه سن قوانين تخالف الفطرة البشرية و ايضا لا يحرم حراما و كثير من الاحيان يحرم الحلال … الغرب فقد بوصلته في قيادة العالم لانه راسمالي مقيت المشكلة عندنا تكمن في حب التبعية رغم ان الغرب يشهد بتقدم الحضارة الاسلامية و الاندلس خير دليل و الاثار بالحمراء و باقي جنوب اسبانيا شاهدة و تردد اسماء عربية في العديد من المجالات والعلوم خير دليل على اننا فقدنا البوصلة و اصبحنا نبحث عن التبعية عوض الاخذ بالاسباب الصحيحة من اجل نهضة ووعي . اذا كنت تريد ان تتبادل يجب ان تكون في موقف قوة لكي يكون المكسب على قدر المنفعة لا التبعية و الانبطاح بدعوى تقدم الغرب والا سوف يشوه كل المكتسبات و يطمس الهوية و نصبح عبيد بين ايديهم وزماننا في التبيعة التكنولوجية و الغذاء و كل شيء مستورد خير دليل على هذا الانفتاح المشوه …

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 4

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء