تراجع كلفة المخاطر ينعش أرباح البنوك المدرجة ببورصة الدار البيضاء

تراجع كلفة المخاطر ينعش أرباح البنوك المدرجة ببورصة الدار البيضاء
صورة: صفحة بورصة الدار البيضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 10:00

أنهت البنوك السبعة المدرجة في بورصة الدار البيضاء النصف الأول من السنة الجارية على وقع مفارقة لافتة بين تطور الأرباح ودينامية المداخيل، بعدما ارتفعت النتيجة الصافية من حصة المجموعة مجتمعة بنسبة 6,7 في المائة، إلى 13,35 مليار درهم، في وقت لم يتجاوز نمو الناتج البنكي الصافي 1,34 في المائة؛ ليستقر عند حوالي 49,7 مليارات درهم. وكشفت هذه الفجوة أن تحسن النتائج لم يكن ثمرة طفرة في النشاط بقدر ما ارتبط بتحول واضح في كلفة المخاطر.

وجاء الدعم الرئيسي للأرباح من انخفاض المخصصات المرتبطة بالمخاطر من 6,9 مليارات درهم خلال النصف الأول من 2025 إلى 4,5 مليارات درهم في الفترة ذاتها من السنة الجارية، أي بتراجع يقارب 35 في المائة؛ ما وفر للبنوك حوالي 2,4 مليارات درهم من التكاليف. واكتسى هذا الرقم أهمية خاصة عند مقارنته بالزيادة المسجلة في الأرباح الصافية المجمعة، التي لم تتجاوز حوالي 840 مليون درهم، بما يعكس الثقل الذي اكتسبه تحسن المخاطر في معادلة الربحية.

في المقابل، حافظ النشاط البنكي الأساسي على قدر من الصلابة، مع تجاوز جاري القروض المجمعة 1.300 مليار درهم واقتراب الودائع من 1.500 مليار درهم، لتستقر نسبة القروض إلى الودائع في حدود 87 في المائة. واستفادت البنوك من ارتفاع هامش الفائدة بنسبة 8,1 في المائة والعمولات بـ6,6 في المائة؛ غير أن هذه المكاسب جرى امتصاص جزء مهم منها، بفعل تراجع مداخيل أنشطة السوق بنسبة 22,7 في المائة وارتفاع تكاليف الاستغلال لدى عدد من المؤسسات.

وكشفت النتائج أيضا استمرار تمركز الأرباح لدى البنوك الثلاثة التجاري وفا بنك والبنك المركزي الشعبي وبنك أفريقيا، التي حققت مجتمعة حوالي 11,64 مليار درهم، أي ما يقارب 87 في المائة من إجمالي أرباح البنوك المدرجة.

وأظهرت المؤسسات المتوسطة دينامية أسرع، خصوصا البنك المغربي للتجارة والصناعة الذي قفزت أرباحه بـ58,2 في المائة ومصرف المغرب الذي سجل نموا بنسبة 19,4 في المائة؛ ما يعيد طرح سؤال قدرة القطاع على المحافظة على وتيرة نمو الأرباح خلال النصف الثاني إذا استنفدت كلفة المخاطر جزءا من أثرها الإيجابي.

كلفة المخاطر تعيد رسم خريطة الربحية

أظهرت القراءة التفصيلية لحسابات البنوك أن المحرك الأقوى لنتائج النصف الأول لم يكن توسع المداخيل، وإنما تراجع المبالغ الموجهة لتغطية المخاطر الائتمانية. فقد انخفضت كلفة المخاطر بحوالي 2,4 مليارات درهم في سنة واحدة، بينما ارتفع صافي الربح المجمع بنحو 840 مليون درهم فقط؛ ما يعني أن الأثر الإيجابي لتراجع المخصصات يعادل قرابة ثلاثة أضعاف الزيادة المحققة في الأرباح.

وازدادت الصورة وضوحا عند النظر إلى نتيجة الاستغلال، التي بلغت حوالي 24,3 مليارات درهم، بارتفاع نسبته 7,7 في المائة. وعند إعادة إدماج كلفة المخاطر، تصل النتيجة التقديرية قبل هذه الكلفة إلى حوالي 28,8 مليارات درهم، مقابل قرابة 29,5 مليارات درهم قبل سن؛ ما يوحي بأن القدرة التشغيلية الخام للقطاع لم تتحسن بالمستوى نفسه الذي توحي به الأرباح النهائية.

واعتبر عثمان أبو الفضل، محلل بيانات مالية ببنك للأعمال بالدار البيضاء، أن “الفارق الكبير بين نمو الناتج البنكي الصافي، المحدود في 1,34 في المائة، وبين ارتفاع الأرباح بـ6,7 في المائة يفرض قراءة النتائج من زاوية جودة الأصول أكثر من زاوية توسع النشاط”.

وأوضح أبو الفضل، في تصريح لهسبريس، أن تراجع المخصصات “حرر جزءا مهما من النتيجة التي كانت تستهلك سابقا في تغطية مخاطر القروض؛ وهو ما سمح بتحويل نسبة كبرى من الدخل التشغيلي إلى أرباح صافية”.

وأضاف المحلل عينه أن انخفاض كلفة المخاطر بنحو 35 في المائة يمثل مؤشرا إيجابيا بالنسبة إلى المحافظ الائتمانية؛ لكنه يجعل المقارنة المستقبلية أكثر صعوبة، لأن “استمرار نمو الأرباح بالوتيرة الحالية سيتطلب إما مواصلة التحسن في المخاطر، وإما تسارع نمو الناتج البنكي الصافي بما يعوض تراجع أثر المخصصات؛ لأن هذه الرافعة لا يمكنها وحدها دعم الأرباح إلى ما لا نهاية”.

وأبرزت حالة البنك المركزي الشعبي هذه المعادلة بوضوح، إذ ارتفعت النتيجة الصافية حصة المجموعة بنسبة 10,4 في المائة إلى 3,22 مليار درهم، على الرغم من تراجع الناتج البنكي الصافي بـ3,2 في المائة وانخفاض نتيجة الاستغلال الإجمالية بـ9,7 في المائة. وفي المقابل، هبطت كلفة المخاطر لدى البنك ذاته من 2,70 مليار درهم إلى 1,08 مليارات درهم، بفارق يتجاوز 1,6 مليارات درهم.

أما التجاري وفا بنك، الذي استحوذ بمفرده على نحو 45 في المائة من أرباح القطاع، فقدم نموذجا مختلفا نسبيا، بعدما رفع أرباحه بـ1,1 في المائة إلى 5,94 مليارات درهم، بالتوازي مع ارتفاع ناتجه البنكي الصافي بـ4 في المائة إلى 18,4 مليارات درهم. كما ارتفع جاري القروض لديه بـ11,2 في المائة إلى 464,3 مليار درهم، والادخار المعبأ بـ13,8 في المائة إلى 553,8 مليارات درهم؛ ما يعكس اعتمادا أكبر على نمو الحجم التجاري.

واصطدم النشاط الأساسي للبنوك بأداء أقل دعما لأنشطة السوق، التي تراجعت مداخيلها المجمعة بـ22,7 في المائة، بعد نصف أول من 2025 شكل قاعدة مقارنة مرتفعة. وانخفضت هذه المداخيل بنحو 37 في المائة لدى بنك إفريقيا و28 في المائة لدى البنك الشعبي المركزي؛ وهو ما حد من أثر نمو هامش الفائدة والعمولات على الناتج البنكي الصافي الإجمالي.

النصف الثاني يختبر استدامة الأرباح

وضعت نتائج الأشهر الستة الأولى البنوك أمام قاعدة مرتفعة نسبيا عند دخول النصف الثاني من السنة، بعدما حققت بالفعل 56,3 في المائة من الأرباح السنوية التي يتوقعها المحللون للقطاع، والمقدرة بنحو 23,69 مليار درهم. وبحساب الفارق، يكفي تحقيق حوالي 10,34 مليار درهم بين يوليوز ودجنبر للوصول إلى هذه التقديرات، أي أقل بنحو 23 في المائة من أرباح النصف الأول.

وظهر التفاوت واضحا بين المؤسسات من حيث نسبة تحقيق التوقعات السنوية. فقد بلغ البنك المغربي للتجارة والصناعة 72,2 في المائة من الربح المتوقع للسنة، مقابل 64,4 في المائة لبنك إفريقيا و62,8 في المائة للبنك الشعبي المركزي و56,1 في المائة لمصرف المغرب؛ فيما بلغت النسبة 51,2 في المائة لدى التجاري وفا بنك، و50,5 في المائة لدى القرض العقاري والسياحي، و46 في المائة لدى CFG بنك.

وأوضح نبيل الخباط، مستشار مالي ومحلل مستقل للأسواق المالية والبورصة، أن هذه النسب “لا ينبغي قراءتها بشكل آلي باعتبارها مؤشرا إلى تجاوز التوقعات السنوية”؛ بالنظر إلى اختلاف موسمية النشاط بين البنوك واحتمال تغير كلفة المخاطر ومداخيل السوق خلال النصف الثاني.

وأشار الخباط، في تصريحات لجريدة هسبريس، إلى أن “السؤال الأساسي بالنسبة إلى المستثمرين لن يكون فقط مقدار الربح المحقق، وإنما نوعية مصادره ومدى قابليتها للاستمرار”.

وشدد المستشار المالي والمحلل المستقل للأسواق المالية والبورصة على أن السوق ستراقب بصورة خاصة قدرة البنوك على تسريع نمو الناتج البنكي الصافي إذا فقد تراجع المخصصات جزءا من زخمه، لافتا إلى أن استمرار نمو القروض وهامش الفائدة والعمولات سيكون عاملا حاسما في هذا الاتجاه.

واعتبر المصرح ذاته أن “النتائج الأكثر متانة على المدى المتوسط هي التي تجمع بين توسع النشاط التجاري وضبط معامل الاستغلال واستقرار كلفة المخاطر عند مستويات منخفضة، بدل الاعتماد بصورة أساسية على عنصر محاسبي متقلب من نصف سنة إلى أخرى”.

وتصاعدت أهمية التحكم في المصاريف في ظل استمرار استثمارات البنوك في الرقمنة وتحديث الأنظمة المعلوماتية. فقد ارتفعت تكاليف الاستغلال لدى بنك إفريقيا بنحو 8 في المائة، بينما انتقل معامل الاستغلال لدى التجاري وفا بنك من 35,3 إلى 36,8 في المائة؛ وهي مؤشرات تعكس الكلفة المباشرة للتحول التكنولوجي وتوسيع البنيات التشغيلية، رغم ما يمكن أن توفره هذه الاستثمارات لاحقا من مكاسب إنتاجية.

في المقابل، أظهرت المؤسسات المتوسطة قدرة أكبر على تسجيل معدلات نمو قوية، إذ ارتفعت أرباح البنك المغربي للتجارة والصناعة من 222,8 ملايين درهم إلى 352,5 ملايين درهم، بزيادة 58,2 في المائة، فيما سجل مصرف المغرب 532 مليون درهم، بنمو 19,4 في المائة، وحقق CFG بنك حوالي 200 مليون درهم، بزيادة 10,5 في المائة. ومع ذلك، لم تتجاوز الأرباح المجمعة للبنوك الأربعة خارج الثلاثي المتصدر 1,7 مليارات درهم، أي حوالي 13 في المائة من أرباح القطاع.

وبين قوة نمو القروض وضعف مداخيل السوق وتراجع كلفة المخاطر، تدخل البنوك المدرجة النصف الثاني بمعادلة أكثر تعقيدا من الصورة التي يعكسها ارتفاع الأرباح. فإذا حافظت جودة المحافظ الائتمانية على تحسنها وتسارع نمو المداخيل التشغيلية، يمكن للقطاع تثبيت المكاسب المسجلة خلال الأشهر الستة الأولى. أما عودة المخصصات إلى الارتفاع، من دون انتعاش مُوازٍ في الناتج البنكي الصافي، فستجعل الفجوة بين نمو النشاط وبين نمو الأرباح أكثر وضوحا في الحسابات السنوية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟
السبت 3 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟

صوت وصورة
أوزين والضائقة المالية
السبت 3 أكتوبر 2026 - 19:34 2

أوزين والضائقة المالية

صوت وصورة
حزب الاستقلال والحكومة المقبلة
السبت 3 أكتوبر 2026 - 16:30 2

حزب الاستقلال والحكومة المقبلة

صوت وصورة
مغربيات وتعيين المنصوري
السبت 3 أكتوبر 2026 - 15:12 3

مغربيات وتعيين المنصوري

صوت وصورة
شوكي: مصلحة الوطن أولا
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:49 11

شوكي: مصلحة الوطن أولا

صوت وصورة
المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:29 5

المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء