تسع ملاحظات في الرد على النويضي في رسالة مفتوحة

تسع ملاحظات في الرد على النويضي في رسالة مفتوحة
الأحد 8 يوليوز 2018 - 08:58

لم يكن أبدا من عادتي الرد بشكل مُباشر على “وجهات النظر”، لأنني أعتبر الأمر يتعلق بنقاش له قواعده التي تقتضي مُقارعة الحجة بالحجة.

لكنني لاحظت أنك ذكرتني بالاسم، لذا يهمي أن أرفع لك هذه الرسالة لتصحيح ما جاء في تصريحك أو مقالك من قضايا مجانبة للصواب، وتكملة العديد مما جاء فيها من معطيات ناقصة أدت إلى التعويم وإضافة بياضات أخرى لن يتمكن القارئ من إدراك سبب إخفائكَ لها.

الأستاذ عبد العزيز النويضي المحترم؛

بعد التحية والسلام، أرفع لك تسع ملاحظات، مُوزعة بين أمور عامة تهم القارئ العادي، وأمور تقنية قانونية صرفة تهم المتخصصين:

أولا، إن تعريف العفو العام يستند في كل الدراسات إلى فكرة أنه “ينزع الطابع الإجرامي عن الأفعال موضوع العفو العام” لكن لا أحد تحدث عن إلغاء تلك الأفعال من القانون الجنائي بصفة نهائية، بل نزع الصفة الجرمية عن تلك الأفعال بأثر رجعي بالنسبة للأشخاص المستفيدين من العفو لوحدهم فقط.

ولتوضيح ذلك، نورد تعريف العفو العام، الوارد بدراسة لمجلس الشيوخ الفرنسي حول العفو العام والخاص، جاء فيه “ينصرف أثر العفو العام بفرنسا، المنصوص عليه في المادة 133-9 من القانون الجنائي، إلى حذف الطابع الجرمي بأثر رجعي عن الأفعال التي ترتبط به”.

En France, l’amnistie, prévue par l’article 133-9 du code pénal, a pour effet de supprimer rétroactivement le caractère délictueux des faits auxquels elle se rapporte.

لذلك، فإن القارئ العادي يفهم هذا القصد، فما بالك بالمتخصص، حيث إنه مهما بحثْتَ في الدراسات العلمية والأكاديمية، فستجد نفسك أمام التوجه نفسه، إلا إذا تعلق الأمر بالبحث في الكتابات ذات الصبغة الأدبية والعامة فهذه مسألة أخرى.

ثانيا، فعلا سبق أن أشرتُ إلى أنه “عندما يصدر العفو التشريعي، فإن الجريمة المرتكبة تزول وكأنها لم توجد لأن تجريمها يزول بأثر رجعي، وتزول معه العقوبة على الأشخاص المحكوم عليهم، ويعتبرون كأنهم لم يرتكبوا أية جريمة”، وهي جملة مركزة، ينبغي أن يستنتج منها القارئ (وخاصة المتخصص) أن العقوبات تُمحى، وبالتالي “لا يتم تسجيل أي معلومة عنها في السجل العدلي.

وبالمناسبة، أنبهك إلى أن السبب هو الذي يؤدي إلى النتيجة وليس العكس، أي إن الفعل الجرمي هو الذي يُؤدي إلى العقوبة، لذلك يجب نزع الصفة الجرمية لتسقط العقوبة، وليس إلغاء العقوبة ليَسقط الفعل الجرمي، وإلا فإنه سيحدث خلط بين العفو العام والعفو الخاص الجماعي.

ثالثا، إن تساؤلي “هل سيتمكن قانون العفو التشريعي من نزع صفة الجرم عن الأفعال المسجلة في الحكم القضائي؟ جاء بعد سرد لائحة الأفعال الواردة بالحكم القضائي، وتركت الجواب مفتوحا. لكن إذا كان من الضروري أن أجيب، فإنني أقول إنه في كل التجارب الدولية، وخاصة منها فرنسا التي استشهد بها الأستاذ النويضي، هناك تزايد لعدد الأفعال الإجرامية التي ينبغي ألا يشملها العفو.

ولمعلومات القارئ، فإن النص القانوني المؤطر للعفو العام بفرنسا، بعد أن حدد نطاق تطبيق العفو العام، وضع في المادة 14 منه لائحة تضم 49 صنفا من الجرائم تم إخراجها من دائرة العفو العام (قانون رقم 2002-1062 بتاريخ 6 غشت 2002) بعد أن كانت اللائحة تضم فقط 14 مجالا سنة 1981.

أما عن المثال الذي استشهدتَ به، فقد جاء في غير سياقه.

ففي فرنسا، ودون الرجوع إلى التاريخ، فإن قانون العفو الذي أشرتَ إليه، المتعلق بالوقائع المرتبطة بالحرب مع الجزائر، فقد صدر بشأنها فعلا قانون للعفو العام سنة 1962، وتم تعديله بدوره سنة 1966، ثم 1968، ثم أخيرا مع فرانسوا ميتران سنة 1982، والسبب في هذا يعود إلى نوعية العقوبات التي كان يشملها النص القانوني من مرحلة إلى أخرى، حيث إنه بالنسبة لميتران، كان يتعلق فقط بالسماح للمعنيين من الاستفادة من التقاعد واسترجاع أوسمتهم.

وللتوضيح، فإنه في فرنسا، هناك ممارسة خاصة، تسمح لرئيس الجمهورية عند انتخابه باستصدار قانون للعفو العام، ولم تتوقف هذه الممارسة عمليا إلا ابتداء من سنة 2012.

رابعا، سأقول لك باختصار شديد (لكن يُمكننا العودة إلى الموضوع عند الضرورة) إنه حتى لا نُعطي للموضوع بُعدا أكبر بالحديث عن التجارب الدولية، فإن العفو العام في التجارب الدولية، يتميز بما يلي:

– إنه يأتي في سياق سياسي في الأغلبية المطلقة من الحالات؛

– إنه كممارسة معروف خاصة في فرنسا؛

– إنه نادر كممارسة في الدول الأوروبية (ألمانيا، إيطاليا، البرتغال، سويسرا)؛

– أو إنه غير موجود أصلا (إنجلترا، بلجيكا، إسبانيا)؛

– أو حتى منصوص عليه دستوريا لكن لم يتم اللجوء إليه (الدنمارك، هولندا).

خامسا، أما تأويلي للمقتضى الدستوري “يُمارس الملك حق العفو”، فإن هذه وجهة نظري، أطرحها وأدافع عنها، وذلك لا يُمكن أن يكون “مجانبا للصواب”، وإلا فإنك تدعو إلى إغلاق باب الاجتهاد، ومصادرة حرية التعبير، وهذا لا ينبغي أن يكون من شيمك.

لكنني أذكركَ، الأستاذ النويضي، أولا، بأن هذا المقتضى لم يكتبه لا الأستاذ عبد اللطيف المانوني ولا الأستاذ محمد معتصم كما جاء في ردك، وإنما هو موجود بالصيغة نفسها في دساتير 1962، 1970، 1972، 1992، و1996. وهذه ليست مجرد وجهة نظر بالنسبة لي، ولكنها قناعة، ولو كانت هناك رغبة في إضافة كلمة “الخاص” أمام كلمة “العفو” لما أضر ذلك بالنص الدستوري الذي يتكون من أزيد من 10 آلاف كلمة.

سادسا، رغم أن الأستاذ النويضي أشار إلى أن العفو ينظمه في المغرب قانون 1958 الذي عدل سنة 1977، فإنه ربما لم ينتبه إلى التعديل الجوهري للنص الأصلي:

لقد كان الفصل الأول من قانون 1958، ينص على ما يلي:

“إن العفو الذي يرجع النظر فيه إلى جنابنا الشريف، هو التخفيض الجزئي أو الكلي من كل عقوبة تصدرها محاكم مملكتنا، ويُمكن أن يصدر هذا العفو بشروط أو بطريقة استبدال العقوبة”، كما أن الفصل الثاني نص على أنه “لا يجوز إصدار العفو إلا إذا أصبح الحكم بالعقوبة المطلوب العفو من أجله لا مرد له وقابلا للتنفيذ”.

وأضح هنا أن الأمر يتعلق هنا بعفو خاص.

لكن وفق تعديلات 1977، فإن الفصل الأول أصبح كما يلي:

“إن العفو الذي يرجع النظر فيه إلى جنابنا الشريف يمكن إصداره سواء قبل تحريك الدعوى العمومية أو خلال ممارستها أو على إثر حكم بعقوبة أصبح نهائيا”، بينما أصبح الفصل الثاني ينص على ما يلي: “إن العفو الصادر قبل الشروع في المتابعات أو خلال إجرائها يحول دون ممارسة الدعوى العمومية أو يوقف سيرها حسب الحالة في جميع مراحل المسطرة ولو أمام محكمة النقض”.

“وفي حالة ما إذا صدر العفو على إثر حكم بعقوبة أصبح نهائيا جاز أن يترتب عنه طبقا لمقتضيات المقرر الصادر بمنحه وفي نطاق الحدود المنصوص عليها في هذا المقرر إما استبدال العقوبة أو الإعفاء من تنفيذها كلا أو بعضا وإما الإلغاء الكلي أو الجزئي لآثار الحكم بالعقوبة بما في ذلك قيود الأهلية وسقوط الحق الناتج عنه”.

وأعتقد، كما هو وارد بالعديد من الدراسات، أنه تم تغيير طبيعة العفو، ليشمل العفو العام والعفو الخاص.

وهذا دون أن أذكركَ بأن صفة أمير المؤمنين تحمل في طياتها العفو بشكليه العام والخاص.

سابعا، إن فهم أبعاد وجهة نظري، يقتضي استحضار استعمال كلمة “العفو” في المنظومة القانونية الوطنية، وخاصة منها القانون الجنائي والمسطرة الجنائية.

وإذا كان هذا الموضوع سيكون محور دراسة خاصة خارج هذا الرد، فإنني أكتفي الآن بالفكرة العامة.

فعلى مستوى القانون الجنائي، نلاحظ أن مصطلح “العفو” ورد ذكره 12 مرة، موزعة على 6 فصول. ورغم التمييز بين العفو الشامل والعفو ضمن أسباب انقضاء العقوبات والإعفاء منها وإيقاف تنفيذها (الفصل 49)، وضمن أسباب انقضاء تدابير الوقاية والإعفاء منها أو إيقافها (الفصل 93)، فإن ذك لا يمس جوهر وجهة نظري.

والسبب في ذلك، هو أنه:

على مستوى المسطرة الجنائية، ورد مصطلح العفو 16 مرة، مُوزعة بين الديباجة و12 مادة، أهمها ما جاء في المادة الرابعة: “تسقط الدعوى العمومية بموت الشخص المتابع، وبالتقادم وبالعفو الشامل وبنسخ المقتضيات الجنائية التي تجرم الفعل، وبصدور مقرر اكتسب قوة الشيء المقضي به”.

لذا أتساءل هنا:

إذا اعتبرنا أن “العفو”، كما تقول، يعني “العفو الخاص” بالنسبة للملك، فكيف تُفسر أن “العفو” يُؤدي وفق الصيغة الجديدة للفصل الثاني من قانون العفو الذي يتحدث عن كونه “يحول دون ممارسة الدعوى العمومية أو يوقف سيرها حسب الحالة في جميع مراحل المسطرة ولو أمام محكمة النقض”، وبين ما ورد في المادة الرابعة من المسطرة الجنائية من كون “العفو الشامل” يُؤدي إلى سقوط الدعوى العمومية؟

باختصار، ما دام أنه لهما الأثر نفسه، فإنهما مُتطابقين، وبالتالي فإن “العفو” بالنسبة للملك يعني العفو الخاص والعفو العام. وانتهى الكلام.

ثامنا، أما حديثك عن “السياسية والرغبة في المصالحة”، فهذا موضوع آخر، كان سيكون له معنى لو أنك لم تربطه بالحديث عن “عيد الأضحى المبارك والأعياد الوطنية الكبرى” التي حاولت الإيحاء من خلالها بمحاولة مُنافسة جهة ما للمبادرات الملكية. وهذا موضوع آخر.

وأخيرا، فإن حديثك عن المساعدة التقنية المقدمة لواضعي المقترح، فإنني أدعوك إلى فتح نقاش حول مضمونه، الذي رغم النوايا التي يُمكن أن نستشفها، فإنه على المستوى التقني يقتضي المعالجة جملة وتفصيلا: 10 أخطاء بعضها فادح جدا في نص يتكون من 8 مواد !!!

*أستاذ القانون الدستوري بكلية الحقوق بوجدة

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • عبد الرحيم فتح الخير
    الأحد 8 يوليوز 2018 - 10:19

    قبل شهور تم الإفراج عن شخصية وازنة ، لدواعي إنسانية ، ولمراعاة ظروفه النفسية ، لدخوله في حالة اكتئاب حاد . في الوقت الذي تعج فيه السجون بنماذج لا أول لها ولا آخر ، لمرضى النفسيين الذين لم تقف ظروفهم الصحية دونهم والمتابعة . وهو مايجعلنا نسائل بقوة هذه المنظومة ، وآليات اشتغالها ، ويجعلنا نشكك في دوافع تفعيلها تارة ، وتعطيلها أخر . وهل هي عامة ؟أم تخصع لمزاجية صناع القرار ؟ أسئلة صعبة نطرحها دون الخوف من خطورتها ، ورغم الاستهداف الذي قد نجابه به تحت طائلتها . ولكنه كلمة تأبى الا أن تقال ، لاهدف لنا منها إلا المساهمة بكلمة طيبة في مسار تخليق الإدارة .

  • وجدي
    الأحد 8 يوليوز 2018 - 12:20

    تحية لك استاد و بعد
    فرق كبير بين التحليل التقني القانوني الدي جئت به و التحليل السياسي المؤدلج الدي ساقه النويضي، فرق كبير بين من ينطقه الحق و من ينطقه الباطل، فحينما قلت له انه يريد تكميم الافواه و تقييد الاري الاخر فقد ولجت الى حقيقة طبيعته فهو لا يتقبل ان يسمع غير كلامه و لدلك فلا تنترظ منه جوابا لانه اولا لا يملكه و تانيا لا يقبل الحوار و تالثا لانه يبحث عن التدليس و طمس الحقيقة و ليس جلائها و تبيينها

  • loujaina
    الأحد 8 يوليوز 2018 - 15:26

    grande maitrise du sujet merci pour les eclaircissements

  • ع الجوهري
    الأحد 8 يوليوز 2018 - 16:14

    الله يعفو عليكم كاملين ويعقوب عليا معاكم باختصار وأنا أقرأ المقال لا أعلم لماذا تذكرت أغنية جيل جلالة السايق تالف والراكب خايف اللهم ألطفبنا

  • حسان العرباوي
    الأحد 8 يوليوز 2018 - 16:37

    أحييك على دقة التحليل الدستوري والقانوني الذي استفدت منه كثيرا.
    ولاحظت انك أشرت إلى أن مقترح القانون حول العفو يتضمن أخطاء كثيرة، لذلك التمس منك نشرها حتى نستفيد أكثر،
    وأنبهك إلى أن النويضي لا يحتاج لمن يرد عليه لأنه دون المستوى ويحاول فقط أن يظهر بمظهر البطل.

  • مراد
    الأحد 8 يوليوز 2018 - 17:08

    الى الرقم اربعة
    الاغنية لمجموعة لمشاهب و ليس جيل جيلالة و نكتب التالف و ليس تالف و نقول الله يلطف بينا و ليس يلطفبنا ، راك انت اللي تالف

  • JRADI de JERADA
    الأحد 8 يوليوز 2018 - 21:02

    سبحان مبدل الأحوال من اليسار المتطرف إلى اليمين المخزني !
    آسي بن يونس القانون ليس هو بشيء مقدس وإنما وضع لتنظيم الحياة بشكل عام.
    Le droit n'est pas une science exacte cher Mr Benyouness,
    Pourquoi ZFZAFi mérite 20 ans de prison et pas 5 ans de prison
    C'est bien de faire référence à la jurisprudence française, mais je ne trouve aucun Français n'a été condamné à ces années de prison juste pour contesté une vie de misère, pour demander ses droit de citoyen, une école, un hôpital et autres
    Tu parles comme si tu as vécu dans Une aristocratie française, et tu as oublié d'ou vient tu ?

    du fin fond de Hassi BLAL, les mines de Jerada ou la misère fait rage

    Franchement, t'es loin de ce que le professeur Nouidi défend

    Ou bien les joints agissent bien sur l'age
    c'est dommage

صوت وصورة
منتخب قصار القامة يستعد للمونديال
السبت 31 أكتوبر 2026 - 18:37

منتخب قصار القامة يستعد للمونديال

صوت وصورة
دار الشباب سوس العالمة
السبت 31 أكتوبر 2026 - 13:39

دار الشباب سوس العالمة

صوت وصورة
مشروع لتربية الأسماك بإفني
السبت 31 أكتوبر 2026 - 11:30

مشروع لتربية الأسماك بإفني

صوت وصورة
منازل تهدد المارة بالدار البيضاء
السبت 31 أكتوبر 2026 - 10:36

منازل تهدد المارة بالدار البيضاء

صوت وصورة
المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية
السبت 31 أكتوبر 2026 - 00:35

المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية

صوت وصورة
شراكة مغربية إيطالية
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:54

شراكة مغربية إيطالية