حين جلس دونالد ترامب في البيت الأبيض، محاطاً بسوندار بيتشاي (غوغل)، ومارك زوكربيرغ (ميتا)، وإيلون ماسك (سبيس إكس)، وجين سون هوانغ (إنفيديا)، وغريغ بروكمان (أوبن أيه آي)، وداريو أمودي (أنثروبيك)، لم يكن المشهد مجرد اجتماعٍ إداري بين رئيس أمريكي ورؤساء شركات تكنولوجية كبرى. كان اللقاءُ عرضاً مسرحياً مهيباً ومحفوفاً بالأسئلة للقرن الحادي والعشرين؛ محاولةً رسمية من رأس أعتى قوة سياسية في التاريخ لتأكيد سلطته أمام سادة القوة الاقتصادية والمعرفية الجديدة القادمة. أولئك الذين لا يملكون الجيوش أو التشريعات، بل يملكون المفاتيح الرقمية لوعي البشرية ومستقبلها.
استدعى ترامب هؤلاء الأباطرة بوصفه الحاكم السياسي للعالم اليوم، بل إنه ذهب إلى حدّ توقيع مرسومٍ رئاسي يُلزم باستخدام مصطلح الذكاء الفائق Superintelligence (SI) بدلاً من الذكاء الاصطناعي (AI) بذرائعيّة تعكس حجم التبدل في القوة وطبيعتها. لكن، وراء هذا الاستعراض السياسي والشغف الرئاسي بتشكيل لجنة إشرافية وتوقيع اتفاقيات «ملزمة أخلاقياً» مع شركات خرجت برامجها بالفعل عن السيطرة في انتهاكات أمان موثقة، يتوارى سؤال أكثـر جذريّة وقسوة: من يحكم العالم حقاً؟ وهل ما يزال بوسع السلطة السياسية أن تحتفظ بعرشها حين يُعاد تشكيل الوجود الإنساني برمته في مختبرات السيليكون؟
تبدو الاتفاقية «الأخلاقية» التي وُقّعت في الغداء الرئاسي يوم الثلاثاء الماضي مجرد مناورة تشتيت للانتباه بحق، كما وصفتها أستاذة القانون بجامعة سيدني كيمبرلي ويذرال، إذ سمحت للشركات نفسها بـ «تعريف ما يُعد أماناً في الذكاء الإصطناعي» دون تحديد عقوبات للانتهاكات. وبينما تحاول الإدارة السياسية امتصاص نقمة المجتمعات المحلية المتصاعدة ضد بناء مراكز البيانات الشرهة عبر وعود «السعادة المالية»، يتفق الخبراء على أن السلطة التقليدية تقف عاجزة أمام تكنولوجيا يحذر بعض أساطينها من أنها قد تخرج عن السيطرة وتفني البشرية في غضون عقد.
إن الثنائية القائمة اليوم بين ترامب وخوارزميات الذكاء الفائق تضعنا أمام أزمة غير مسبوقة في الفلسفة السياسية؛ فالسياسيون يتوهمون أنهم يمتلكون مقاليد التوجيه لأنهم يصدرون القرارات، بينما يدرك أباطرة التكنولوجيا أن الحكم الفعلي لم يعد ينبع من صندوق الاقتراع ولا من مقاعد البرلمانات، بل من «البيتا بايتات» التي تعيد هندسة السلوك والسلطة والمشاعر لدى البشر في كل لحظة.
وهكذا يبدو أننا بحاجة ماسة إلى أرسطو معاصر لكي يعيد تعريف وتفكيك فلسفة ما نقوم به تحت اسم “وقت الفراغ”. إننا نعيش في حقبة استُلب فيها الفراغ الإنساني بالكامل، وصار الكثير من الوقت الذي نتوهم أننا نتمتع به حُرين، ليس سوى “عملٍ مجاني” نغذّي به محركات الذكاء الاصطناعي، ونوفر عبره البيانات الضخمة التي تجعل أرباب التكنولوجيا أكثر ثراءً ونفوذاً.
لقد صادرت الإمبراطوريات الرقمية وقت الفراغ الإنساني، وحولته إلى حقل إنتاجٍ دائم لا يتوقف حتى ونحن في أسرتنا. وسواء أعلن سام ألتمان أن «أفضل نسخة من الذكاء الاصطناعي لا تتمثل في تحويل الناس إلى تروس في آلة عملاقة»، أو حاول زوكربيرغ طمأنة الجمهور، فإن الواقع يؤكد أننا صرنا بالفعل تروساً ناعمة تزود هذه الخوارزميات بالوقود دون أن ندري.
إن الوهم الأكبر الذي تعيشه السياسة اليوم هو مراهنتها على القوانين لمنع التكنولوجيا من قيادة العالم؛ فالسياسي يقتات على تشريعات تتطلب أشهر وسنوات لإقرارها، في حين أن الخوارزميات تتطور وتغير قواعد اللعبة في أجزاء من الثانية.
عندما يُجبر الرئيس الأمريكي على إعادة تعريف المصطلح من “ذكاء اصطناعي” إلى “ذكاء فائق”، فهو لا يمارس سلطة التسمية، بل ينصاع بضعف لفرض واقع أنتجه الآخرون في غرفهم المغلقة. السياسة باتت تلعب دور “المُعلق المتأخر” على قطار يسير بسرعة الضوء، تملك حق إصدار البيانات ومخاطبة الصحفيين، لكنها لا تملك زر إيقاف المحرك.
أضف إلى ذلك، أن الشروط السياسية لأي دولة—بما فيها أمريكا—تظل مرهونة بالدورة الانتخابية والتبدل الحزبي، مما يجعل سلطة الرئيس مؤقتة ومرتبطة بآجال زمنية. في المقابل، تشكل شبكات الذكاء الفائق ومراكز بياناتها سلطةً “تراكمية غير منتخبة” لا تعترف بالحدود ولا تبدلها الانتخابات. السياسيون يذهبون ويجيئون، أما خوارزميات التنبؤ واستخلاص العقول فتظل قائمة وتتضاعف قوتها يومياً.
إن من يحكم حقاً هو من يملك القوة الشاملة لإملاء التفكير والتشكيل اليومي لرغبات الملايين، وليس من يستعير الميكروفون ليقول للصحفيين إنه وقّع مع الأباطرة «تعهداً أخلاقياً”.
إن هذا اللقاء بين ترامب وأباطرة السيليكون ليس إلا بروتوكول تسليم وتسلّم صامت لعرش العالم. السياسة تستبق الشحن العاطفي للجماهير، لكن التكنولوجيا هي التي تملك مفتاح العقول التي تخزن هذا الشحن. وما لم يستفق العالم لوضع حد لمصادرة وقت الفراغ وهندسة الوعي الإنساني، فإننا سنصحي قريباً على حقيقة أن “البيت الأبيض” و”داونينغ ستريت” و”الإليزيه” ليست سوى مبانٍ تاريخية واجهة، تتلقى توجيهاتها اليومية من سيرفرات “الذكاء الفائق” الممتدة عبر الكوكب.
وهكذا يصبح السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُوجه اليوم إلى رؤساء الشركات التكنولوجية قبل رؤساء الدول هو: إذا اتفقنا على أننا نعرف من يسيطر اليوم، فماذا عن الغد؟ وهل من يمتلك أدوات التحكم في العقل البشري والقدرة الحاسوبية الفائقة من السهل عليه أن يفرط بهذا الحكم لصالح رجل سياسة ينتهي ظله بانتهاء دورته الانتخابية؟
تاريخياً، لم تتنازل القوة الحقيقية عن عرشها طواعية قط. وتجربة التاريخ تقرّ بأن السياسة تستطيع خوض الحروب وتوقيع القوانين، لكن التكنولوجيا هي التي تغير طبائع البشر وتحدد بوصلة وجودهم.
إن الاجتماع الذي احتضنه البيت الأبيض ليس بدايةً لعهد تنظيمي جديد بقدر ما هو إعلانٌ عن القلق الرئاسي؛ قلق الحاكم السياسي الذي يرى بأم عينيه كيف تتحول إمبراطورية السلطة التاريخية إلى مجرد ظلال قديمة، بينما يعبر «الذكاء الفائق» ليتربع على عرش العالم الحقيقي، ممسكاً بزمام الاقتصاد، والمشاعر، والوقت، والمصير.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.