قال عبد الله بوصوف، الخبير في العلوم الإنسانية، إن لحظة إعلان وفاة البابا فرانسيس الأول كانت بمثابة إعلان عن انطلاق مرحلة جديدة للكنيسة الكاثوليكية، مشيرًا إلى أن “الكونكلاف” المزمع عقده سيكون “الأكثر متابعة في تاريخ الكنيسة بفضل الثورة الرقمية”، ومضيفًا أن “الجنازة شهدت الالتزام الحرفي والقوي بكل التفاصيل المرافقة للحدث التاريخي”.
وأشار بوصوف، في مقال له بعنوان “المقدس في زمن الذكاء الاصطناعي”، إلى أن مشهد جنازة البابا “كان فصلاً جديداً من الصراع الخفي بين مكونات تيارات العالم الرقمي، والهويات الافتراضية، والذكاء الاصطناعي”، موضّحًا أن “هذه اللحظات تُعيد إحياء طقوس تمتد لقرون عديدة، صمدت أمام كل شعارات التطور التكنولوجي والرقمي”.
نص المقال:
كانت لحظة إعلان وفاة البابا فرانسيس الأول في 21 أبريل الماضي بمثابة إعلان عن انطلاق ترتيبات مرحلة جديدة للكنيسة الكاثوليكية، إذ لم تتوقف الآلة الإعلامية عن إنتاج وتسويق تحليلات وتقارير حول إرث البابا فرانسيس الأول، المشهود له بميله لقضايا السلام، والدفاع عن الفقراء والمهاجرين، وحوار الأديان، خصوصًا مع الإسلام. وكلنا يتذكر زيارته التاريخية لمملكة أمير المؤمنين محمد السادس في مارس من سنة 2020.
لقد أسهب البعض في تفكيك معادلات تركة البابا على مستوى دوره في العلاقات الدولية، والمعادلات الجيوسياسية والحقوقية. وتطرّق آخرون إلى الملفات الساخنة التي فتحها البابا بكل جرأة، خاصة داخل الكنيسة، من ملفات مالية وأخلاقية، مرورًا بأدواره البارزة، سواء في موجة الهجرة الجماعية لسنة 2015، حين نقل نحو 12 مهاجرًا غير قانوني من إحدى جزر اليونان إلى إيطاليا عبر الطائرة، أو في إدارة جائحة كوفيد-19، ومواقفه من الحرب في أوكرانيا وغزة/فلسطين.
فيما تناول فريق آخر، بكثير من العمق والتحليل، مدى تأثير هذا التراكم على مجريات “الكونكلاف” المزمع عقده يوم السابع من شهر ماي الجاري، واعتكاف نحو 133 كاردينالًا لتعيين البابا الجديد بصعود الدخان الأبيض.
لكن هناك ما لا يقل أهمية عن تعيين بابا جديد يقود حوالي 1.4 مليار مسيحي عبر العالم من طرف 133 كاردينالًا كناخبين كبار، إذ يُتوقع أن يكون هذا “الكونكلاف” الأكثر متابعة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، بفضل الثورة التكنولوجية والرقمية.
الشيء الآخر الذي عشناه يوم جنازة البابا فرانسيس الأول، في 26 من أبريل، لم يكن مجرد مراسيم دفن رجل دين يقود الكنيسة الكاثوليكية، بل كان التزامًا دقيقًا وقويًا بكل التفاصيل المرافقة لهذا الحدث التاريخي، منذ لحظة إعلان الوفاة إلى غاية تنظيم الجنازة.
لقد شهد العالم واحدة من أهم مراسيم الجنائز في ساحة القديس بطرس بروما، بحضور نحو 200 ألف شخص، منهم 12 ملكًا و55 رئيس دولة ورؤساء حكومات، إضافة إلى الحجاج والمواطنين.
لم نكن أمام مشهد سينمائي أو سردية سريالية، بل كنا وسط معمعان حقيقي وصراع غير معلن بين إعادة إنتاج طقوس وعادات تمتد لأكثر من 2000 سنة من جهة، والثورة الرقمية والجيل الخامس في الاتصالات، وجيل الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى.
في مشهد رهيب يغلب عليه الصمت والسواد، أُعيدت طقوس ورموز دينية محفورة في الذاكرة الجماعية لمؤمني الكنيسة الكاثوليكية. ففي كل خطوة كانت هناك دلالة، وفي كل حركة كان هناك معنى وإسقاط تاريخي، وكل الأغاني والأناشيد أُدّيت باللغات القديمة واللاتينية.
لقد عشنا فصلًا جديدًا من الصراع الخفي بين مكونات تيارات العالم الرقمي والهويات الافتراضية والذكاء الاصطناعي، التي لم تستطع هزم تيارات “المقدّس” لدى الإنسان، ولا النيل من أصالته وعراقته أو فصله عن جذوره، لأن كل هذا يقفز على معادلات المنطق أو نتائج التطور وسرعة الصوت، ولأنها ببساطة تشكّل مشتركه الإنساني مع بني جلدته و”قبيلة انتمائه”.
وهو مشهد مألوف لدى الأمم والشعوب التي لها تاريخ حضاري وتراث إنساني كبير، إذ عشنا السيناريو ذاته وبنفس أدوات الصراع غير المعلن خلال لحظة تتويج الملك تشارلز الثالث في شهر ماي من سنة 2023، عقب وفاة الملكة إليزابيث الثانية. العنوان الكبير كان الطقوس والعادات، وإعادة إنتاج مراسم تمتد لقرون، صمدت أمام كل شعارات التطور التكنولوجي والرقمي.
كانت لحظات تتويج الملك تشارلز الثالث رسائل امتداد لملوك حكموا المملكة المتحدة التي لا تغيب عنها الشمس، بحضور تاج القديس إدوارد، كأقدم التيجان، صُنع في المملكة سنة 1661، وكُرّس التتويج بعمر 700 سنة، مع طقوس دهن الأساقفة ليد وصدر الملك بالزيت المقدس.
كل هذه الطقوس والعادات، بما فيها الملابس والموسيقى وترتيب الحضور، تشكل لحظات قوية في تاريخ بريطانيا وفي مخيال شعوبها، إذ بدونها قد تفقد الملكية في بريطانيا أحد أسباب امتدادها وجزءًا كبيرًا من شرعيتها، أي الشرعية التاريخية والحضارية والدينية.
وسيظل الصراع بين ثنائيات الخير والشر، والمقدّس والمدنّس، مادة للمفكرين والباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية. ففي اللحظات التي نعتقد فيها بانكسار المقدّس، وقيم الخير والعادات والطقوس، تنبعث هذه الأخيرة بكل قوة من رماد الصراع، وتُعلن عن حياة ممكنة لتقاليد وطقوس شعوب عريقة كاليابان، والصين، والهند، وبريطانيا، وفرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا، والمملكة المغربية، التي تتشبث بأصولها وحضارتها، غير آبهة بشعارات الثورة الرقمية… عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على المقدسات والذاكرة التاريخية.
منذ ان خلق الله آدم عليه السلام ، و الدين هو الاسلام و لا وجود لكلمة الاديان في القرآن .
كل الرسل و الانبياء كانوا مسلمين و ماتوا على الاسلام .
و ما دخلنا نحن المغاربة بهذا الموضوع …………