حال لسان السينما في مهرجان طنجة: إني أغرق.. إني أغرق

حال لسان السينما في مهرجان طنجة: إني أغرق.. إني أغرق
الجمعة 28 يناير 2011 - 03:41

تصوير : عبدالمالك العاقل وكالة ( البوغاز نيوز)


تعيش طنجة أحداث الدورة 12 للمهرجان الوطني للفيلم في مرحلة تعيش فيها السينما المغربية في مأزق حقيقي بسبب ضمور الإبداع وغياب الجودة وعودة “العاهات السينمائية”. والذين تابعوا أفلام اليوم الأول المتنافسة على 12 جائزة البالغة قيمتها 44 مليون سنتيم لاحظوا تواضع الأفلام الثلاثة (الجامع للمخرج داوود أولاد السيد) و(أيام الوهم للمخرج طلال السلهامي) و(أكادير بومباي للمخرجة مريم بكير)، ومن المنتظر أن تنتقل عدوى التواضع إلى أغلب الأفلام طيلة أيام المهرجان الممتدة ما بين 21 و29 يناير 2011


البداية الشاحبة لأفلام الدورة 12 للمهرجان الوطني للفيلم لم تختلف بالطبع عن برودة حفل الافتتاح الذي اكتفى ب”خطبة” نائب عمدة طنجة رغم حضور وزير الاتصال خالد الناصري ومدير المركز السينمائي نور الدين الصايل الذي صام عن الكلام وترك “أيقونة” مهرجان طنجة المنشطة فاطمة النوالي لتنوب عنه في افتتاح هذه الدورة.


المهرجان الوطني للفيلم أطفأ شمعته 12، وهي مدة كافية ليقف على رجليه، ويتطور إلى الأفضل، ويجني حصاد الدورات السابقة، ويتجاوز زلاتها وهفواتها. لكن يبدو أن نور الدين الصايل له زاوية نظر لا تؤمن بالجودة لتنمية الإنتاج السينمائي، ويفضل عنها “التراكم” و”الكم” الذي يفرز “الكيف”. وهي نظرية و”فلسفة” تحتاج إلى صبر عميق وانتظار طويل، وحصيلة هذه “الفلسفة” غرق السينما المغربية في مستنقع الرداءة، ومستوى الأفلام المشاركة في الدورات الأخيرة يعكس هذا الانكسار وخفوت بريق السينما المغربية. أفلام قليلة فقط نجت من السقوط في قاع هذا المستنقع، لأن مخرجيها ببساطة موهوبون، ويصنعون الفرجة السينمائية، ويملكون أدوات الإبداع، ويحملون تصورا ورؤية للعوالم السينمائية، ويؤسسون لنسق سينمائي لا مجال فيه ل”الفطرة” و”المخرجين المقاولين”، بل للتكنولوجيات الحديثة ومهندسي الصوت والصورة وتقنيي المؤثرات السينمائية ومخرجين “مثقفين” حاملين لمشاريع سينمائية حقيقية وكتاب سيناريو مبدعين.


القيمة المضافة في الدورة 12 للمهرجان الوطني للفيلم هو ارتفاع عدد الأفلام إلى سقف 19 فيلما طويلا و19 فيلما قصيرا، وهي أرقام تعني الشيء الكثير لمدير المركز السينمائي المغربي، حتى لو كان الاحتفال بتحقيق هذا “الرقم القياسي” من الأفلام في مهرجان وطني على حساب خرق لبند من بنود القانون المنظم للمهرجان الذي يقول في فصله الرابع بالحرف: “يحتوي برنامج المهرجان على ما يلي: قسم “المسابقة الرسمية” وهي مفتوحة للأفلام الطويلة من النوع الروائي أو الفيلم الوثائقي بحجم 35 ملم ومعنونة باللغة الفرنسية أو الإنجليزية ومن إخراج سينمائيين مغاربة…” لكن الملاحظ هو السماح لمجموعة من الأفلام للمشاركة في “المسابقة الرسمية” وهي غير جاهزة “تقنيا” أو في مراحلها النهائية، أي القبول بنسخ أفلام من نوع “بيطا” لمجرد النفخ في أرقام الأفلام المشاركة في “المسابقة الرسمية”، مع العلم بأن هذه الأفلام تحد من حظوظ فوزها بإحدى جوائز التصوير أو الصوت أو المونطاج.


“صحيح أن الدورة 12 للمهرجان الوطني للفيلم حطمت كل الأرقام السابقة في عدد الأفلام المشاركة في “المسابقة الرسمية”، لكن كم من فيلم منها كان لا يستحق إلا الرمى في القمامة” بهذا صرح مخرج سينمائي -فضل عدم ذكر اسمه- وهو في حالة من التوتر. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فبعد مشاهدة أي فيلم من هذه الأفلام القابلة ل”الإعدام” يغادر المخرجون وهم يتبادلون نظرات الذهول والاستغراب والاستهجان، عضلات وجوههم منقبضة، ويهجرون سينما “روكسي” قبل نهاية “جنيريك” النهاية أو وسط أحداث الفيلم بالنسبة لنافدي الصبر، وفي فيلم مريم بكير “أكادير بومباي” تسلل عدد من المخرجين والممثلين في منتصف الفيلم، لأن هذا الفيلم حقا كان “حصة من العذاب” و”الجلد” لمن تابعه حتى النهاية.. وهو بالمناسبة فيلم استغرق إنجازه سنتين وصور في فترات متقطعة، وكان مرشحا لأن يظل مجمدا لفترة أطول لولا تدخل “إمدادات القناة الثانية”، مع العلم بأنه استفاد من منحة صندوق الدعم.


القيمة المضافة الأخرى في هذه الدورة هو ارتفاع القيمة النقدية لجوائز المسابقة الرسمية من 340 ألف درهم سنة 2010 إلى 540 ألف درهم سنة 2011 وإحداث جائزة جديدة خاصة بالأفلام القصيرة هي جائزة لجنة التحكيم الخاصة وقيمتها المالية 30 ألف درهم.


جميع هذه المبادرات و”التنازلات” التي أقدم عليها المركز السينمائي المغربي كانت من أجل “تلميع” مهرجان بدأ يفقد بريقه تدريجيا دورة بعد دورة، خاصة أن تنظيم المهرجان الوطني للفيلم سنويا بطنجة، بموازاة مع تنظيم المهرجان المتوسطي للفيلم بطنجة أيضا، أي بمسقط رأس مدير المركز السينمائي المغربي، حكم على الدورات الأخيرة بالرتابة، وقضى على مبدأ تناوب المدن في تنظيم هذا المهرجان الذي كان منذ انطلاق دورته الأولى مهرجانا “متنقلا” قبل أن يرسخ قواعده في طنجة ابنها البار نور الدين الصايل. هذا الرأي يتقاسمه العديد من مهنيي السينما، لاسيما وأن طنجة لا تتوفر على بنيات سينمائية تؤهلها لاستقبال مهرجانين في سنة واحدة، الأول وطني والثاني متوسطي.


لقد انتظر عدد من الملاحظين – استأنست “الوطن الآن” بآرائهم- الدورة 12 للمهرجان الوطني للفيلم للحكم بأن السينما المغربية تعيش في مأزق حقيقي على عدة مستويات:


1- صندوق التسبيق على المداخيل الذي عوض صندوق الدعم السينمائي لم يساهم – بالرغم من ارتفاع ميزانيته إلى 60 مليون درهم- في تنمية الإنتاج السينمائي وتحسين نسل المخرجين، بل لعب دورا كبيرا في صناعة مجموعة من شركات الإنتاج الوهمية التي أغرتها أموال الدعم، وأصبح العمر الافتراضي لدورة الإنتاج هو ثلاث سنوات: السنة الأولى تحصل فيها على الدعم، والثانية تصور فيها الفيلم الحاصل على الدعم، والثالثة تعرض فيها الفيلم بالقاعات السينمائية، أي التخلص من الفيلم بأقل الخسائر لبداية مغامرة جديدة ودورة إنتاج جديدة مع لجنة الدعم. ويوجد في المغرب مجموعة من المخرجين المنتجين المواظبين على الحصول على منحة صندوق التسبيق على المداخيل على رأس كل دورة إنتاج، أي مرة كل ثلاث سنوات.


2- يحصل على منحة صندوق التسبيق على المداخيل 15 فيلما خلال ثلاث دورات، لكن معظم هذه الأفلام لا يستفيد منها “الممثل المحترف” – إن صح هذا التعبير – لاسيما وأن بعض المخرجين أصبحوا “يجربون” ممثلين مبتدئين بمبرر ارتفاع أجور الممثلين المحترفين والتقشف في ميزانية الدعم، والأمثلة عن نوعية هذه الأفلام لا حصر لها..


3- الدينامية التي يعرفها الإنتاج السينمائي المغربي يوازيها نزيف انقراض القاعات السينمائية، حيث أهلت هذه الدينامية، كما قال الصايل، المغرب ليصبح أحد البلدان الثلاثة في إفريقيا التي تنتج حاليا أعمالا سينمائية، محتلا المرتبة الثانية بعد مصر (ما بين 32 و35 فيلما في السنة) من خلال إنتاجه حوالي 15 عملا سينمائيا مطولا حاليا، ومتقدما على جنوب إفريقيا (ما بين 13 و15 فيلما في السنة). وهذه مفارقة مغربية بامتياز. فقد أصبح حاليا عدد القاعات – حسب الناقد السينمائي أحمد السيجلماسي – لا يتجاوز 46 قاعة موزعة على 11 مدينة فقط هي على التوالي: الدار البيضاء ( 12 قاعة / 30 شاشة ) ، مراكش ( 6 قاعات / 14 شاشة)، طنجة ( 6 قاعات / 7 شاشات)، وجدة ( 5 قاعات / 5 شاشات)، الرباط ( 4 قاعات / 4 شاشات)، مكناس ( 3 قاعات / 3 شاشات)، سلا ( قاعتان / شاشتان)، تطوان ( قاعتان / شاشتان)، فاس ( قاعتان / شاشتان) ، سطات ( قاعة واحدة / شاشة واحدة)، تزنيت (قاعة واحدة / شاشة واحدة).


والسؤال المطروح الآن: أين سيشاهد المغاربة هذه الأفلام 19 المشاركة في المهرجان الوطني للفيلم بطنجة؟ لاشك أن هناك أفلام سيكون آخر ظهور لها هنا بطنجة بسينما “روكسي”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • Ayoub
    الجمعة 28 يناير 2011 - 03:43

    السلام عليكم.. لقد قام المجلس الأعلى للحسابات بضبط عدة مخالفات في حق الصايل، فمن سيحرك المتابعة في حقه؟ أم أن المتابعات تحرك في حق البيسطاء من الناس؟ ألا ترون أنه متماد في هدر المال العام؟ ماذا تنتطر النيابة العامة لتحريك الملف؟ أتنتظر التعليمات؟ إن كان نعم، فإننا نطالب باستقلال القضاء كما طالب بذلك العديد من شرفاء هذا البلد. نوجه هذا النداء للسيد وزير العدل الذي نتوسم فيه خيرا، وبالتالي لتلبية نداء صاحب الجلالة بتحسين القضاء

  • youness ahmed
    الجمعة 28 يناير 2011 - 03:45

    arretez ce jeu.que fera un festival meme 100 dans un monde ou les salles de cinema se ferment l’une apres l’autre.a ourzazate meme y’a plus de salle de projection.alors a quoi bon ce gentre d’activité si ce n’est que pour justifier le gaspillage des sommes d’argent.cessez ce jeu.weli bgha ychouf chi film yfetech aala chi salle de cinema baka fatha.

  • ضحية من ضحايا الارهاب الفني لل
    الجمعة 28 يناير 2011 - 03:47

    السينما في المغرب تسلط عليها رجال التعليم ، من مفتش فلسفة كالصايل ومفتش فرنسية كبكريم وزيد اوزيد..
    اين المهنيين افعليين؟ وهل يمكن لفاقد الشيء ان يعطيه؟
    ان اكبر خطأ ارتكب في حق السينما المغربية هو اقتحام مثل هؤلاء للمركز السينمائي، وطبعا الخروقات بقيت دون مساءلة، وصندوق الدعم تتدخل فيه رشاو ومحسوبية دون اي اهتمام بقيمة السيناريوهات، بحيث ان عز المركز في عهد المخرج العالمي سهيل بنبركة تهاوى مع هذا الصايل ، الذي لاينظر للفيلم المغربي الا في حال وجود مشاهد جنسية ربما تغني امثاله عن الفياغرا، وللأسف حين نشاهد مستوى افلام جزائرية كفيلم رشيد بوشارب ” خارج عن اقانون” ، نحس بالشفقة على موالين الزيتون وولاد البابا، ومول الصيدلية وغيرهم ممن جعلوا من انفسهم ” مخرجين” دون إقناع .
    السينما في بلدي تحتاج الى قرار علوي لتغيير القائمين ” العجزة” على شؤونها ، ففي المغرب طاقات تستطيع مفاجأة الجمهور بأعمال لن يحتاج فيها ممثل إلى ” الاستمناء”/ حاشاكم/، ولا احتاجت فيه ممثلة الى القبلات والتعري المجانيين، لكن شريطة إقبار هؤلاء العاجزين المكبوتين ، وإبعادهم الى تقاعدهم المريح …

صوت وصورة
طلبة الجامعات أمام تحديات المعيشة
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 11:28 1

طلبة الجامعات أمام تحديات المعيشة

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 1

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 3

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 3

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء