حدود وألسنة*
تقديم المترجم:
يُجيب لوي جان كالفي، في هذا الحوار، عن مجموعة من الأسئلة المرتبطة بالعديد من القضايا ذات الصلة بالتنوع اللغوي: الألسنة والحدود بينها ومدى تطابقها مع الحدود السياسية والجغرافية، الكلمات-الرحالة ودورها في التفاعل اللغوي، الهوية واللسان، التنوع اللغوي والترجمة ومدى قدرتها على قهر الحواجز القائمة بين الألسنة، كراهية الآخر التي تؤدي إلى كراهية لسانه ونبذه، اللسان باعتباره أداة سلم أو حرب، اللسان والإنترنيت…عن كل هذه الأسئلة وعن غيرها، يُقدم كالڨي أجوبة تنِم عن تفكير هادئ وعُمقٍ علمي رصين.
هذا نص الحوار:
تيري پاكو: هل توجد فكرة “الحدود” في كل الألسنة؟
لوي جان كالڨي: هذا سؤال واسع وعريض، ثم إنني لا أعرف “كل الألسنة”. لكن المشكلة لا تكمن في هذه المصطلحات، إذ يمكن لجميع الألسنة التعبير تقريبا عن كل الأشياء. لقد عمدَتْ كل المجتمعات البشرية إلى توظيف ألسنتها لتسمية الحدود بمجرد ترسيمها لها. ويتحتم علينا هنا الوقوف عند أصلِ الكلمةِ الاشتقاقيِّ. تنحدر كلمة (frontière) وكلمة (front)، في الألسنة الرومانية على سبيل المثال، من الأصل الاشتقاقي نفسِه، حيث تتخذ كلمة (front) في تعابير مثل “الوقوف سدّا منيعا “(faire front) [“المُواجَهة” أو” الصد”]، المعنى نفسَه تماما كما الحال في المجال العسكري. لدينا إذن معنى أول: الحدودُ ذات صبغة عدائية، ولن يثير هذا الأمر استغراب أي فرد… لقد استعار اللسان الإنكَليزي هذين المصطلحين الرومانيين، أي الحدود والجبهة [الواجهة/الجزء البارز أو الظاهر]، حيث تشير كلمة (front)في هذا اللسان إلى واجهة منزلٍ أو قصر، أي إلى ما يتبدى لنا من الخارج. نَجد أنفسنا إذن، في خضم كل هذا، أمام حقل دلالي مثير للاهتمام: تُرَى الحدود من الخارج، كما نرى حدودَ الآخرين ويرى الآخرون حدودَنا. لكن هذه الصياغات ليست كلها سوى تعابير مجازية، لأننا نادرا ما نرى الحدود التي تُجَسَّدُ، في بعض الأحيان، بواسطة جدار أو أسلاك شائكة (إسرائيل / فلسطين، الولايات المتحدة / المكسيك) أو بواسطة مظهر جغرافي (نهر)، لكنها حدود مادية قائمة في معظم الأحيان.
أما بالنسبة إلى الألسنة، فمن الصعب دائما ترسيم الحدود بينها، كما أنها لا تتطابق مع الحدود السياسية. إذا كنتَ تسير بمحاذاة البحر الأبيض المتوسط من مدينة نيس إلى مدينة سان ريمو، فما اللحظة بالضبط التي يمكنك فيها تغيير اللسان؟ وإذا نظرت إلى خريطة إفريقيا، بحدودها الموروثة عن الحقبة الاستعمارية، فإنك ستدرك، مع بعض الاستثناءات النادرة (رواندا، بوروندي)، بأن الألسنة، في معظمها، عابرةٌ للحدود؛ إذ سنجد أن اللسان السواحلي ولسان اللينكَالا ولسان الماندينكَ واللسان الولوفي واللسان الهوسي Le swahili, le lingala, le mandingue, le wolof, le hausa هذه مجموعة من الألسنة المنتشرة بمختلف بلدان القارة الإفريقية، وهي عبارة عن مزيج من ألسنة عديدة محلية ووافدة تفاعلت فيما بينها بفعل الاحتكاك عن طريق التجارة أو الترحال أو الاستعمار. والعديد من الألسنة الأخرى يُتحدَّث بها في العديد من البلدان. وسنرى في أوروبا، بالقرب منا، أن اللسان الفرنسي يحضر في فرنسا بالطبع، ولكنه يحضر أيضا في لوكسمبوركَ، وفي جزء من بلجيكا وسويسرا، وفي جزء صغير من إيطاليا، وفي غيرها من البلدان الأخرى. نلاحظ مرة أخرى عدم تطابق الحدود اللغوية مع الحدود السياسية. وتبدو الأمور، في بعض الأحيان، معقدة للغاية.
لنأخذ حالة المغرب، حيث الحدود السياسية مرسومة بدقة تقريبا. لغويا، تنقسم البلاد إلى قسمين، حيث ثمة جزء من السكان يتحدث الأمازيغية بوصفها اللسان-الأم (في الريف، في الأطلس، في سوس)، وهناك جزء آخر يتحدث اللسان العربي المغربي الدارج (بهدف التبسيط، سأترك جانبا مشكلة اللسان الرسمي؛ أي العربية الفصحى[ والأمازيغية التي رُسِّمَت في دستور 2011. (المترجم).]). ويعيش هؤلاء السكان، بالطبع، متآلفين في المدن. ويُضاف إلى هذه الازدواجية اللغوية لسانان؛ ويتعلق الأمر باللسان الفرنسي المنتشر في معظم أنحاء البلاد، وباللسان الإسباني في الشمال. تُعتبر حالة طنجة، المدينة التي لم تصبح رسميا مغربية إلا منذ عام 1956، أنموذجا مثاليا عن هذا الوضع. المدينة التي ظلت تحت سيطرة الإنكَليز منذ سنة 1856، ثم أصبحت فيما بعد منطقة دولية تقع على حدود الريف “الإسباني” بين سنتي 1912 و1956، حيث احتلها الإسبان في الفترة الممتدة من عام 1936 إلى عام 1945. للمدينة إذن تاريخ مُلتبس تتبدى آثاره في التفريعات اللغوية السائدة، حيث نتحدث في هذه المدينة تاريفيت (شكل من أشكال الأمازيغية) والدارجة العربية المغربية والإسبانية والفرنسية والإنكَليزية بدرجة أقل، وغيرها من الألسنة. يتلاشى إذن، في ظل هذه الممارسات اللغوية المتعددة، مفهوم الحدود، كما لا يواجه السائحون الإسبان أية مشاكل في التواصل لأن التجار يتحدثون لسانَهم، وعلى الجانب الآخر من مضيق جبل طارق، في إسبانيا، يستورد العديد من المهاجرين المغاربة ألسنَتهم.
تيري پاكو: هل تعد الترجمة الوسيلة الوحيدة لعبور الحدود اللغوية؟
لوي جان كالڨي: أقول بالأحرى الحواجز اللغوية. يوجد في العالم اليوم ما يقرب من سبعة آلاف لسان، وحتى لو قُلِّص هذا العدد بشكل كبير، فلن يتمكن أحد من التحدث بكل هذه الألسنة. لذلك، فإننا لا نتوفر على حلول عديدة. من ناحية، يتجلى الحل الأول في فكرة وجود لسان عالمي للتواصل المشترك، ونقصد به الإنكَليزية، لكن مع هدر كبير للطاقات على مستوى التعبير والتنوع اللغوي. بطبيعة الحال، يفكر البعض في الحل البديل باعتماد الإسپرانتو[ l’espéranto لسان مصطنع، الهدف من إنشائه وضع لسان دولي سهل لتيسير التواصل بين مختلف سكان المعمور بغرض قهر التعدد اللغوي الذي يمنع، من منظور معين، انسيابية التواصل بين الأفراد من مختلف الأنظمة اللغوية. (المترجم).]: يستمر كل واحد في التحدث بلسانه، ويتعلم أيضا لسانا دوليا لن يكون لسانَ أي طرف، ولا لسانَ أية نزعة إمبريالية. إنها فكرة ملهِمة، لكنها أثبتت، بعد إطلاقها لأكثر من قرن، عدم فعاليتها ولاواقعيتها.
ويتبدى الحل الآخر في تبني مسألة الفهم المتبادل. إنه من السهل على سبيل المثال، ومن السريع جدا، تلقينُ أحد المتحدثين بلسان روماني كيفية فهم متحدثين آخرين. هكذا، يمكن للإيطالي والبرتغالي والإسباني فهم بعضهم بعضا بسهولة حتى إن تحدث كل واحد منهم بلسانه الخاص. شخصيا، لقد درَّستُ منذ بضع سنوات في البرازيل، وبما أن البرتغالية لم تكن كافية لإنجاز مهمتي، فإني درَّستُ باللسان الإسباني، وكان جميع الطلاب يفهمون ما أقول، كما كنت أفهم الأسئلة التي كانوا يطرحونها عليَّ باللسان البرتغالي. نلاحظ، بالإضافة إلى هذين الحلين، ظهور حلول مناسبة على الحدود. وأذكر منها على سبيل المثال لسان الپورتينو، وهو عبارة عن لسان يمزج بين البرتغالية والإسبانية، وينتشر على الحدود بين الأرجنتين والبرازيل. وينطبق ما قلته عن الفهم المتبادل بين الألسنة الرومانية على الفهم المتبادل بين الألسنة الجرمانية أو السلاڨية أو السامية أو الپانتو: يلزمنا فقط بذْلَ القليل من الجهد، ووضعَ تصور لطرائق العمل…
تبقى الترجمة والترجمة الفورية، اللتان يعود إليهما الفضل في احترام التنوع، الإجابتين الأكثرِ ورودا؛ وهو الأمر الذي لن يمنعنا، مع ذلك، من الدعوة إلى تلقين التلاميذ لسانين أجنبيين على الأقل في جميع النظم المدرسية. لكن الترجمات تطرح مشكلا آخر، أو بالأحرى تُلقننا شيئا آخر. قال إنكَلز إن الدليل على وجود الكعكة هو أننا نأكلها. يمكننا القول إن الدليل على وجود الألسنة هو كونها تُترجَم. والحال أننا نرى في السنوات الأخيرة عبارات مكتوبة على المؤلفات المترجَمة، مثل: “مُترجَم عن الإنكَليزية الأمريكية”، “مُترجَم عن الإنكَليزية (أمريكا)”، وحتى “مُترجَم عن الأمريكية والأسترالية”، وبالنسبة إلى الإسبانية، “مُترجَم عن الإسبانية (الأرجنتين أو كوبا)”، وحتى “عن الأرجنتينية، المكسيكية، الكوبية، إلخ.”. إننا لا نسمي بشكل مختلف الأشياءَ التي نعتبرها متشابهة، وتَكمن إذن، خلف هذه التعبيرات، فكرة كون هذه الألسنة هي في طريقها إلى أن تتخذ أشكالا مختلفة في جهات العالم الأربع.
نُميز في اللسانيات بين ما نسميه “المُتغيِّر”، العنصر الذي يمكنه أن يتغير، وبين “المتغيِّرات”، أي مختلف التحققات الملموسة للمُتغيِّر. يمكن أن نعتبر، من وجهة النظر هذه، اللسان “الكوبي” أو “المكسيكي” أو “الكولومبي” مُتغيرات للمتغيرة الإسبانية. كما يمكن اعتبار اللسان “اللبناني”، “التونسي”، “المغربي” متغيرات للمتغيرة العربية، واعتبار اللسان “البريطاني” و”الأمريكي” متغيرتيْن للمتغيرة الإنكَليزية، واللسان “البلجيكي”، “الكيبيكي”، “السويسري”، “السنغالي” أو “الشكل اللغوي المحرَّف للفرنسية” مُتغيراتٍ للمتغيرة الفرنسية. تكمن المشكلة في معرفة إلى أي مدى يمكن لهذه المتغيرات أن تستقل وتصبح بدورها ألسنة جديدة. تُوضح لنا هذه المسألة أن الحدود اللغوية تتحرك باستمرار وتتغير.
تيري پاكو: كيف تَحدث الترجَمة بين ألسنة تمتلك أشكال كتابة مختلفة تماما، على سبيل المثال ترجمة لسان أبجدي إلى آخر تصويري؟
لوي جان كالڨي: دعونا ننسى للحظة أنظمة الكتابة. يستطيع المترجم الفوري أن يترجِم بسهولة خطابا باللسانين العربي أو الصيني إلى اللسانين الفرنسي أو الروسي. لا تمتلك هذه الألسنة نظام الكتابة نفسه، إذ نحن أمام ثلاث أبجديات مختلفة وكتابة تصويرية واحدة؛ غير أنها، في شكلها المنطوق، قابلة لأن تترجَم إلى بعضها بشكل مثالي. إذن، ما الذي يُغيره الانتقال إلى الكتابة؟ لا يغير الانتقال إلى الكتابة الشيء الكثير. توجد بالطبع، في جميع الألسنة المكتوبة، استعارات تستند إلى نظام رسم الحروف، على سبيل المثال تعبير (de A à Z / من الألف إلى الياء) أو تعبير (mettre les points sur les i / وضع النقط على الحروف)، ولكننا نعثر على تعبيرات مشابهة في ألسنة أخرى. تزداد الأمور تعقيدا بالنسبة إلى اللسان الصيني، وبخاصة في الشعر الكلاسيكي، حيث يمكن للحروف أن تتضمن معنى ضمنيا يستند فقط إلى شكل رسمها، في غياب أي نظير شفهي. وقد أوضح فرانسوا تشينكَ هذه المسألة بإسهاب في كتابه عن الشعر الصيني الكلاسيكي. نحن نلج، إذن، مجالا تكون فيه الترجمة صعبة؛ لكن الأمر يتعلق بوقائع ذات حضور جد باهت للغاية.
تيري پاكو: بصرف النظر عن بلجيكا، هل توجد دول أخرى يُفرقها اللسان؟
لوي جان كالڨي: نعم، هناك الكثير من الدول. توضح لنا مقاربة إحصائية بسيطة أن التعدد اللغوي منتشر بشكل كبير في العالم: هناك حوالي مائتي دولة، وما يقرب من سبعة آلاف لسان، وهذا يعطينا في المتوسط خمسة وثلاثين لسانا لكل بلد. بالطبع ليست هذه النسب سوى نسب متوسطة فقط. ولكن، كما هو الحال بالنسبة إلى بلجيكا، يوجد في العديد من الدول تعدد لغوي ذو صبغة محلية: سويسرا بطبيعة الحال، أو كندا، وأيضا الهند، والعديد من البلدان الإفريقية، وغيرها. تنتج عموما، عن هذا المظهر الجهوي للتعدد اللغوي، ظاهرة التواصل المشترك، وتتمثل في اللسان الذي سنعتمده في التواصل عندما لا نمتلك نفس اللسان الأم: الملايو في إندونيسيا، والسواحلية في شرق إفريقيا، وغيرهما..
في مثل هذه الحالات، تكون لبعض الألسنة وظيفة هوياتية -ألسنة الجذور، والأسرة، والبيئة المباشرة – وتكون بعض الألسنة الأخرى ألسنة تواصل مشترك أو ألسنة تنحصر وظيفتها في تصريف الأمور اليومية؛ لكن الهويات ليست مجرد ألعاب لا طائل من ورائها، فنحن لا نخسر هوية باختيارنا لأخرى. يمكن للمرء أن يكون بروطونيا وفرنسيا في الآن نفسه، وجرمانيا وسويسريا أيضا، وتعكس الألسنة هذه الهويات المتعددة.
تيري پاكو: هل ندرك لماذا ترحل بعض الكلمات؟ وكيف؟
لوي جان كالڨي: صحيح أنه في عدد مخصص لمفهوم الحدود[ يقصد هذا العدد من المجلة، والمخصص لمطارحة الموضوع نفسه. (المترجم).]، تُعد الكلمات-الرحالة موضوعا شيقا، بما أن هذه الكلمات تتخطى الحدود. وغالبا ما نُطلق عليها الكلمات المقترَضة، لكن المصطلح غير مناسب إلى حد ما، بما أنه لا يتم سَدادها أو إرجاعها… ولنتحدث بجدية أكثر، نقول إن الكلمات التي ترحل هي شاهدة دائما على العلاقات القائمة بين التجمعات البشرية. يمكننا إذن أن نقرأ في المعجم الإسباني التعايشَ الطويلَ لهذا اللسان مع اللسان العربي (العديد من الكلمات الإسبانية التي تبدأ بـ “a” هي من أصل عربي)، ويمكن للمرء أيضا أن يقرأ في المفردات السياسية والإدارية والتقنية لألسنة إفريقيا الناطقة بالفرنسية أثرَ علاقات الهيمنة خلال الحقبة الاستعمارية. كما يمكن قراءة المكانة البارزة التي كانت تحتلها بريطانيا في تاريخ الرياضة خلال القرن التاسع عشر في المفردات الرياضية الفرنسية أو الإيطالية. ويمكننا أيضا رسم خرائط لهذه الكلمات المهاجرة، كلمة (café / قهوة) أو (abricot / مشمش)، كلتاهما قادمتان من العربية، إحداهما عبْر اللسان التركي وتركيا، والأخرى عبر اللسان الإسباني وإسبانيا. ونلحظ هنا حضور توازٍ بين المَسِير الذي تسلكه هذه الكلمات-الرحالة وبين الهجرات البشرية، توازٍ يتجاوز حدود الاستعارة البسيطة. الكلمات تُهاجر مثل البشر. وأحيانا يتصدى القانون لهذه الهجرات. وهكذا، يحاول قانون توبون في فرنسا ولِجانُ المصطلحات في الوزارات المختلفة إقامةَ سد منيع لصد الكلمات الأجنبية، وخاصة الإنكَليزية منها. نحاول إيقاف الكلمات، ونحن نُوقف المهاجرين في جبل طارق أو في إيطاليا أو في جزر الكناري. لكن، إذا تمكن وزيرٌ للداخلية من استئجار طائرات وحشدها بالماليين، فمن الصعب أن نتخيل استئجار طائرات لحشد الكلمات.
تيري پاكو: كيف تفسر التباين القائم بين استعمال كلمة وبين رسمها في القاموس؟
لوي جان كالڨي: يُعد القاموس بمثابة ثلاجة، غرفة باردة، يُسجِّل ويَصون الاستعمال الشفهي، واللسان لا يتحرك ويتطور ويتحول إلا ضمن الاستعمال الشفهي وفي خضم الممارسات الاجتماعية، والقاموس يلاحق هذه التحولات. دعنا نقول إنه يسجل حالة من حالات اللسان، وإنه متخلف دائما عن التطور. هذا لا يعني مع ذلك أن جميع الابتكارات الشفهية ستستمر في المستقبل، وستبقى موجودة في اللسان. سوف يعيش بعضها حياة الورود أو الفراشات لفترة قصيرة، وبعضها سيتقادم مع الزمن، ويصبح بعضها الآخر جزءا من المشهد اللغوي على المدى الطويل. هذه الأخيرة هي التي تَدخل القواميس بشكل عام، لكنها تتقادم هي الأخرى أيضا. يقوم قاموس لوپوتي روبير أو لاروس بِمد الصحافة، كلَّ عام، بقائمة الكلمات الجديدة التي تم تضمينها. ولكن بما أن القاموسَيْن يحافظان على الحجم نفسه، فإن هناك كلمات تخرج كل عام من القاموس، كما يتم عبور الغرفة الباردة، هي الأخرى، بواسطة الحركة والتاريخ.
تيري پاكو: ماذا نعني بـ “إيكولوجيا الألسنة”؟
لوي جان كالڨي: إنها تعني مقاربة الألسنة بأخذ بيئتها بعين الاعتبار. في الإيكولوجيا، نعتبر بأن العش يتكون من مجال حياةٍ حيويٍّ (أي حرفيا: بيئة حياتية) ومن الأنواع التي تعيش وسطة. أعتبر من جهتي وضعيةً اجتماعية معينة، والألسنة التي يُتحدث بها ضمنها، عشا إيكولوجيا. لا توجد الألسنة خارج العلاقات التاريخية والاجتماعية، فهي نتاج ممارسات اجتماعية. وتُعَد فكرة “العُش” الإيكولوجي ضرورية لإدراك تعايش هذه الألسنة والتفاعلات فيما بينها. بالإضافة إلى ذلك، لا توجد الألسنة بمعزل عن المتحدثين بها الذين تُقيم معهم علاقةً من نمطِ العلاقة بين المُضيف والطفيلي، حيث تكون الألسنة، بطبيعة الحال، هي الطفيليات: لن يكون ثمة لسان بدون متحدثين، ويُعَد هذا الأمر من الأمور البديهية. وبالطريقة نفسها، لن يكون ثمة وجود للهَدال[ Gui الهَدال أو الدبق هو نبات طفيلي يقتات على أغصان بعض الأشجار المثمرة. (المترجم).] بدون أشجار التفاح التي يعلق بها. أخيرا، ترتبط الألسنة فيما بينها بعلاقات من نوع العلاقة بين الفريسة والمفترِس، وهو ما أسميته ذات مرة تجلطَ الدم. ثم نتحدث عن علاقة أخرى تتجسد في الحرب بين الألسنة: تفرض بعض الألسنة نفسها على بعضها الآخر، بل تجعلها تختفي في بعض الأحيان. يقودنا كل هذا إذن إلى أن ننظر إلى آلاف الألسنة الموجودة في هذا العالم من وجهة نظر داروينية -ومن هنا جاءت فكرة إيكولوجيا الألسنة.
ويترتب عن هذه المقاربة العديدُ من النتائج التي أَوردتُها بالتفصيل في “من أجل إيكولوجيا ألسنة العالم” أو في” كان ذات مرة سبعة آلاف لسان”، حيث أثرتُ ظواهر تأقلم الألسنة مع بعضها في عُش معين، وكذا ظواهر المنافسة فيما بينها. لا يوجد، على سبيل المثال، لسان فرنسي واحد، ولكن ألسنة فرنسية متأقلمة مع مختلف الفضاءات التي انتشرت فيها، في الشمال (فرنسا، بلجيكا، كندا، إلخ)، كما في الجنوب (في المستعمرات القديمة، في إفريقيا). لقد اكتسب اللسان الفرنسي، من جهة، ألوانا محلية (نتحدث إضافة إلى ذلك عن لسان فرنسي كيبيكي أو لسان فرنسي سنغالي)، ومن جهة أخرى، تُدرَجُ في سيرورة الانتقاء الطبيعي في مواجهة ألسنة أخرى: الإنكَليزية في كندا، البامبارا في مالي، اللينكَالا في الكونكَو، إلخ.
دعونا نقول إنه يمكننا، مع مراعاة ما يلزم من تغيير، أن نطبق على الألسنة في الحياة الاجتماعية، ما شرحه داروين بالنسبة إلى الأنواع (إن هذا ليس، مع ذلك، مجرد حشو: الألسنة موجودة دائما في الحياة الاجتماعية، بل إن هذه الحياة هي المكانُ الوحيدُ لتواجدها والمجالُ الأنسب لوصفها ودراستها).
تيري پاكو: ما الجوانب التي تَستخدم فيها الدولُ الألسنةَ أسلحةَ حربٍ؟
لوي جان كالڨي: هناك قصة مثيرة للاهتمام في الكتاب المقدس، لحظة من لحظات التاريخ المقدسة، والتي هي أصل فكرة” شيبوليت”. ويتصل ذلك بهذه الفخاخ اللغوية التي يمكنها أن تكون، كما سنرى، قاتلة في بعض الأحيان. يتعلق الأمر بحرب بين قبيلتين إسرائيليتين. قبيلة “جلعاد” التي هزمت قبيلة “إفرايم”. والحال أن الكلمة التي تعني بالعبرية “أذن” لم تُنطَق بالطريقة نفسها من قبل أفراد القبيلتين؛ الأمر الذي كان سيتيح التعرف عليهما. إليكم مقطعَ الكتاب المقدس الذي يسرد ما سيحدث: “ثم استحوذت قبيلة “جلعاد” على معابر الأردن باتجاه قبيلة “إفرايم”. لذلك عندما قال أحد الهاربين من قبيلة “إفرايم”: “أريد أن أعْبُر! قال له رجال قبيلة “جلعاد”: “هل أنت من قبيلة “إفرايم”؟ وإذ قال: “لا! ” قالوا له: “قل “شبوليث!” “، فنطق “سيبوليت”، لأنه لم يتوفق في نطقها بشكل صحيح. ثم احتُجز وذُبح على معابر الأردن”.
وفي ذلك الوقت سقط اثنان وأربعون ألف رجل من قبيلة “إفرايم”. (القضاة، الثاني عشر، 5-6) لقد تسبب هذا الحدث في الكثير من الوفيات بسبب اختلاف بسيط في النطق: السين”” s أو الشين ” ” ch. لكن هذه الحكاية تُعلِّمنا الكثير مع ذلك. بداية، تُعلمنا، وقبل زمن طويل من وضع النمذجة الصوتية، أن الوعي بوجود طرائق وأساليب مختلفة للتعبير كان أمرا قائما. وتوضح لنا ثانيا أن رفض استخدام التنوع في مواجهة تنوع الاستعمالات ليس مسألة حديثة. وتُبين لنا أخيرا أن السلطة القائمة يمكنها أن تذهب إلى أبعد الحدود في هذا الرفض. تُعد “شيبوليت”، من وجهة النظر هذه، شهادة على التباين، على مراعاته وأخذه بعين الاعتبار، وكذلك على الاستعمال الاجتماعي لهذا المُتغيِّر. لم يكن يتوفر أفراد قبيلة “جلعاد”، بالطبع، على أكاديمية للسان العبري؛ لكن هذا لم يمنعهم من أن يذبحوا ببرودةِ دمٍ أولئك الذين لم ينطقوا مثلهم. من الواضح أن هذه قصة أسطورية، لكن الأساطير تزخر بالكثير من المعلومات لتخبرنا بها. الألسنة لا تصنع الحرب وليست “أسلحة حرب”؛ ولكن لها دور في النزاعات الاجتماعية. يمكننا هنا استحضار الإنكَليزية السوداء في الولايات المتحدة[لسان الأمريكيين السود ذوي الأصول الإفريقية. (المترجم). ]، وأيضا الشرخ اللغوي الذي كانت تعرفه فرنسا، الشرخ بين لسان الأحياء الراقية ولسان الضواحي، شرخ لغوي نحن الذين ندفع فاتورته الاجتماعية.
تيري پاكو: هل يعد تنوع الألسنة مصدر سلم أم مصدر حرب؟
لوي جان كالڨي: هذا الكلام مجرد حشو. إن الألسنة، أولاً وقبل كل شيء، مصدرُ تنوعٍ. وبمقدور هذا التنوع أن يؤدي إلى تعايش سلمي، وهو ما يشكل الوضعية المرغوب فيها بشكل كبير. ولقد أدركت اليونيسكو هذا الأمر جيدا، بحيث ربطته، في إعلانها عن التنوع الثقافي، بالتنوع اللغوي، مقترحة “المحافظة على التراث اللغوي الإنساني ودعم التعبير والإبداع والنشر بأكبر عدد ممكن من الألسنة” و” تشجيع التنوع اللغوي -مع احترام اللسان الأم -في جميع مستويات التعليم كلَّما كان ذلك ممكنا، وحفز تعلم الألسنة في سن مبكرة”.
لكن تنوع الألسنة يمكنه أن يلعب أيضا دورا في النزاعات التي لا تكتسي طابعا لغويا؛ ويشكل، من ثمة، المظهرَ اللغوي للنزاعات العرقية أو السياسية. يمكن أن تتجلى كراهية الآخر في كراهية لسانه. يكفي أن نذْكر بلجيكا والصراع بين “الفلامان” و”الوالون”. ويمكن أيضا أن يتمخض عن هذه الرغبة في نفي الآخر ولسانه ابتكارُ ألسنة أخرى، لنجد أنفسنا هنا أمام مسألة الحدود من جديد. لقد أدت الصراعات بين الهندوس والمسلمين في الهند إلى إنشاء بلد جديد، ونقصد به الپاكستان، ولكن أيضا إلى انتشار لسان: الهندي من جانب، والأردي من جانب آخر، بأحرف أبجدية مختلفة، ومعجم مختلف أيضا: ظهور حدود، ومن ثمة ظهور ألسنة جديدة. وقد حدث الشيء نفسه في يوغوسلاڨيا السابقة: كان اللسان الذي يُتحدث به هناك هو “اللسان الصِّربُو-كرواتي”، الآن هناك حدود، وبلدان جديدة، ولكن ألسنة جديدة أيضا: الصربية، البوسنية، الكرواتية، إلخ.
تيري پاكو: كيف تؤثر الإنترنيت على نفوذ الألسنة وقوتها؟
لوي جان كالڨي: إنه سؤال مثير جدا للاهتمام. لقد كان كثير من الناس يقولون حين ابتكار الإنترنيت:” حسنا، هذا “شيء” ابتكره الأمريكيون، ولن يعتمد الأمريكيون على لسان آخر سوى اللسان الإنكَليزي”. وصحيح أنه في البداية، كانت الإنترنيت إنكَليزية بنسبة مائة في المائة. لكن الأمور تغيرت، منذ ذلك الحين، بشكل مذهل. نقول، دون الخوض في التفاصيل، إنه بين عامي 1998 و2005، انخفض استعمال الإنكَليزية من 75 في المائة إلى 45 في المائة، في حين شهدت ألسنة أخرى زيادة “حصتها في السوق”. نذكر، على سبيل المثال، أنه في الوقت التي شهدت فيه الإنكَليزية بين عامي 2003 و2005 انخفاضا من 49 في المائة إلى 45 في المائة على مستوى حضورها على صفحات الويب، انتقلت الفرنسية من 4.32 في المائة إلى 4.93 في المائة، والإيطالية من 2.59 في المائة إلى 3.05 في المائة. وما زالت الإنكَليزية تتراجع اليوم-بالنسبة المئوية بالطبع، وليس بالقيمة المطلقة-في الوقت الذي تشهد فيه الصينية ارتفاعا.
هكذا، لا يتحكم الإنترنيت في نفوذ الألسنة وقوتها فحسب، بل أصبح فضاءً للتنافس والحرية. يمكن لأي شخص، على سبيل المثال، أن يكتب بلسانه مقالا صغير الحجم في ويكيبيديا يَعبُر “الحدود”، ويمكن أن يقرأه شخص يتحدث اللسان نفسه ويعيش في الطرف الآخر من العالم حتى وإن كان اللسان التي كُتب به لا يحتل مكانة كبرى، ولا يَتحدث به الكثير من الناس. إنه من المستحيل اليوم التفكير في التنوع اللغوي، والتفكير في السياسات اللغوية، دون اعتبار الوضع العالمي بوصفه المظهر اللغوي للعولمة.
-
العنوان الأصلي لهذا الحوار
-
Louis-Jean Calvet, Des frontières et des langues, Entretien avec Thierry Paquot, HERMÈS, N°63, 2012, p.51-56.
قال إنكَلز إن الدليل على وجود الكعكة هو أننا نأكلها.
ما قاله إنجلز فعلا هو:
The proof of the pudding is in the eating
وهو لم يكن ينوي أن يبرهن على وجود الــ pudding (نوع محلي من الحلوى)، بل كان يقصد أن مدى جودته إنما يحدد عند أكله. فتأمل في الحدود وتأمل في الحواجز، يا بختيار! لن يستطيع تخطي الحواجز إلا من تأهل لتخطيها.
بعد سنوات تبين أن jean Louis calvet كان مخطئا حينما تحدث عن ” حرب اللغات”… واللغات من الحرب براء….
ملاحظات مقتضبة :
1_” الإرهاب اللغوي” و ” العنصرية اللغوية” و ” المساواة اللغوية” و ” التناوب اللغوي” كلها مظاهر وتجليات إدراك الفكر البشري للغة… تبقى اللغة ملكة كباقي الملكات غير أنها إحدى مُهِمات تلك الملكات….
2_” اللغة عاجزة عن التعبير ” عبارات كثيرا ما نسمعها.. والحق أن العاجز الحقيقي هو المتكلم الذي لم تسعفه ظروفه النفسية والفيزيولوجية الداخلية إلى جانب الظروف الخارجية المحيطة به في التعبير عما يخالجه…
3_ في المغرب يستمر منهج” التدمير اللغوي الذاتي ” فبعد إهمال” أكاديمية محمد السادس للغة العربية”، وتجميد دور ” المجلس الأعلى للغات” والتغافل عن إخراجه لحيز الوجود، نلاحظ تغول ” المعهد الملكي للأمازيغية” الذي لا يتوانى عن التحالف مع التيار الفرونكفوني و التيار التلهيجي لإقصاء اللغة العربية من الاقتصاد والسياسة والإدارة والتعليم…. كما أن الجمعيات التي تدافع عن اللغة العربية اختصرت وجودها بالخروج السنوي في 18 ديسمبر للاحتفال مع ندوات في بعض الأحيان دون فاعلية تذكر…
1 مفهوم “حدود” هل يوجد في “كل اللغات”؟
2 هذا سؤال عريض، وأنا لا أعرف “كل اللغات”. لكن المسألة لا تطرح نفْسَها على هذا النحو، إذ يمْكن لكل اللغات التعبيرُ عن كل الأشياء تقريباً. فبِمجرد ما اخترعتِ المجتمعاتُ البشرية الحدودَ بدأتْ تَستعمل لغاتِها لتسمية الأشياء. ولا بد هنا من استنطاق مصدر اشتقاق الكلمة. في اللغات الرومانسية مثلاً، “حدود” و”جبهة” لهما نفْس الأصل، الذي هو “جبهة”، سواء في عباراتٍ مثل “أقام جبهة [بمعنى جابَهَ]” أمْ بالمعنى العسكري.
لدينا إذنْ اتجاه أول: الحدود احترابية، وهو ما لن يثير استغرابَ أحد… وقد استعارتِ اللغةُ الإنجليزية المصطلحيْن الرومانسييْن “حدود” و”جبْهة”. وفي هذه اللغة تدل “جبْهة” كذلك على واجهة منزل أو قصر، أيْ ما نراه من الخارج. وفي طيّاتِ كل هذا حقلٌ دلاليٌ مثيرٌ للاهتمام: الحدود مَرئية من الخارج؛ نحن نرى حدود الآخرين والآخَرون يَرون حدودنا. لكنَّ هذا الكلام مَجازي، باعتبار أننا لا نرى الحدودَ إلا نادراً. الحدودُ قد تأخذ شكْلَ جدارٍ أو أسلاكٍ شائكة (إسرائيل/فلسطين؛ الولايات المتحدة/ المكسيك) وقد يُجسِّدها واقعٌ جغرافي (نهر)، ولكنها في الغالب غيْر مادية.