انفتح باب الزنزانة بصريره المزعج باكرا على غير العادة. تناهى إلى سمعي صوت الحارس ينادي باسمي على نحو مُلحّ. حين أجبته بصوت باهت وعشرات المساجين الذين كنت أتقاسم معهم زنزانة ضيّقة كالقبر ما زالوا نياما، طلب منّي أن أرافقه مُلحّا علي أن أستعجل.
أغلق البابَ بسرعة، وبسرعة أكبر وجدت نفسي في جوف سيارة شرطة كبيرة، ومعصمَيَّ مطوَّقان بالأصفاد. انطلقت سيارة الشرطة كالسهم، ولم يكن على متنها سوايَ وشرطيّين. طيلة الطريق كان الشرطي الذي يسوق السيارة بعصبية كما لو كان يخوض سباقا للسيارات يلقي بالشتائم في وجه كل من يعرقل حركة المرور من سائقي العربات، أما أنا فكنت أتمايل مع ارتجاجات السيارة وأنا أرقب تصرفات هذا الديكتاتور الصغير الذي لا يتورع عن شتم السائقين لأتفه الأسباب، فقط لأنه يعمل في سلك الشرطة ويقود سيارة حكومية ويرتدي زيّا نظاميا!
لم تمض سوى بضع دقائق حتى بلغنا محكمة الاستئناف. هذه المرة كان تعامل هيئة المحكمة معي مختلفا تماما عن التعامل الذي لقيته يوم مَثُلت أمام قاضي المحكمة الابتدائية؛ يومها لم تُوَكّل المحكمة محاميا للدفاع عني كما ينص على ذلك القانون في إطار المساعدة القضائية. حين وقفت أمام القاضي رمقني بنظرة متعالية من خلف زجاج نظارته الطبية، وعلى الفور صكَّ سمعي بمنطوق الحكم الجاهز: سنتان سجنا نافذا وغرامة مالية مقدارُها خمسة آلاف درهم!
كان الحُكم صاعقا، وعلى وقع الصدمة أُخرجتُ من قاعة الجلسات بالمحكمة وحُشِرتُ في جوف سيارة الشرطة بيدين مغلولتيْن إلى جانب محكومين آخرين بتهمٍ مختلفة، أما تهمتي أنا، التي حُكِم علي بقضاء عامين خلف القضبان بسببها، علاوة على دفع خمسة آلاف درهم كغرامة، كما أمر بذلك قاضي المحكمة الابتدائية، فهي “الإخلال بالاحترام الواجب للمَلك”!
وقد كنتُ سأقضي مدة هذه العقوبة كاملة في السجن، وربما جرى تشديدها في مرحلة الاستئناف، لكنّ ما جعل باب الزنزانة حيث رموني وسط سجناء الحق العام بعد الحكم الابتدائي ينفتح باكرا على غير العادة صباح ذلك اليوم القائظ من شهر شتنبر، بعد أن قضّيت في السجن أربعة أيام فقط، هو الضغوط القوية التي مارستها الصحافة والمنظمات الحقوقية الوطنية والدولية على النظام، وأفضت إلى إصدار أوامرَ من العاصمة لإيجاد مخرج للورطة التي لم يحسبوا أن تداعياتها ستكون شديدة عليهم، فقد كانوا يحسبون أنهم سيخرسونني إلى الأبد بالزج بي في السجن، لكنّ صوت القلم كان أقوى من صوت القمع!
في محكمة الاستئناف كانت الأجواء مختلفة تماما، والتعاملُ معي أيضا كان مختلفا، بعد أن ذاع صيت قضيتي وتجاوز حدود المغرب، حيث تعالت التنديدات من طرف منظمات حقوق الإنسان، والنشطاء الحقوقيين، وتوالت حملات التضامن من طرف قراء كانوا يتابعون ما أكتب، من مختلف بلدان العالم، لإطلاق سراحي.
وجدت في انتظاري داخل قاعة المحكمة محاميا وكلته عائلتي للدفاع عني. أخبرني أنه قدَّم طلبا إلى المحكمة لحصولي على السراح المؤقت؛ وكذلك كان، فبعد هنيهة فقط أعلن القاضي قبول الطلب، ليس حبا في سواد عيوني، بل تحت الضغط!
عدت إلى السجن على متن نفس سيارة الشرطة التي أقلّتي إلى المحكمة، وكما كان الحال في رحلة الذهاب، لم يتورع الشرطي العابس عن التلفظ بشتائمه المقززة في حق أصحاب العربات. كانت تصرفاته صورة مصغّرة لوضع عامّ سيء، وتؤكّد أنَّ كلّ ذي سلطة في دولة لا يُطبّق فيها القانون، يحسب نفسه أرفعَ درجة من باقي المواطنين، ويحسب نفسه أعلى من القانون نفسه، ومن ثمَّ يصيرُ مُستبدّا!
بلغنا السجن المحلي بمدينة إنزكان حيث كنت معتقلا، وهو من أسوأ السجون بالمغرب. قصدت الزنزانة رفقة السجان. جمعت أغراضي القليلة، وودعت بعض السجناء الذين كانت لي بهم علاقة خلال الأيام التي قضيتها برفقتهم. كنّا 52 سجينا، أغلبهم سجناء الحق العام، داخل زنزانة لا تتعدى مساحتها 35 مترا مربعا؛ كان الوضع كارثيا، ويزدادُ سوءً بالليل، إذ يتمُّ رصُّنا على جنوبنا، ليظفرَ كلّ واحد بحيّز يرقد فيه، فننامُ على جَنْبٍ واحد طيلة ساعات الليل، دون أيّة إمكانية للتقلّب على الجانب الآخر، أمّا إذا عنَّ لأحد أن يقوم من مكانه فعليه ألا يحلمَ بإيجاد مكان يحشر فيه جسده بعد ذلك، بفعل شدّة الازدحام بين الأجساد.
كان من المفروض أن أكون في زنزانة منفردة، باعتباري معتقل رأي، لكنهم تعمّدوا حشري مع سجناء الحق العام، منهم من ارتكب جرائم تصل مدة عقوبتها إلى عشرين عاما، حتى تتضاعف معاناتي، كما قالَ لي صديق بناء على معلومات استقاها من موظفٍ في السجن، فحين يتعلق الأمر بعقوبات حرية الرأي والتعبير، يجتهد القضاة ويبذلون أقصى ما في وسعهم ليكون ألم المعتقل مضاعفا!
غادرتُ السجن. أمام البوابة وجدت ثلّة من الأصدقاء والحقوقيين والصحافيين في انتظاري، ووجدت، أيضا، خبرا ساخنا كان في صالحي. فقبل أن أغادر السجن أطلق صهر الملك، واسمه حسن اليعقوبي، الرصاص من مسدّسه على شرطي مرور في مدينة الدار البيضاء وأصابه في فخذه، بعد أن أوقفه على الطريق، دون أن يتمّ اعتقاله، أو حتى مساءلته، رغم أن استعمال السلاح محظور قانونيا في المغرب، لكنّ مُطلق الرصاص كان فوق القانون، باعتبار علاقة المصاهرة التي تربطه مع العائلة الحاكمة!
رغم ذلك كان الحادث في صالحي، وعزز قوّة أصوات المنظمات الحقوقية والنشطاء الحقوقيين والصحافيين المدافعين عني. كان سؤالهم بسيطا وصارخا في آن: لماذا لم تعتقلوا شخصا أطلق الرصاص على شرطي واعتقلتم شابا فقط لأنه ينتقد النظام؟!
مضى أسبوع على حصولي على السراح المؤقت، وحان موعد المحاكمة في طور الاستئناف. كان حجم التضامن والدعم واسعا، وتوسعت هيئة الدفاع ليصير عدد أعضائها أحد عشر محاميا كلهم تطوعوا للدفاع عني، وعن حرية الرأي والتعبير بالأساس؛ وحضرت قنوات تلفزيونية أجنبية. في بهو المحكمة كنت رفقة رئيس هيئة الدفاع. تدخّل محام وطلب تأجيل الجلسة ريثما يطّلع على الملف بدقة، لكن رئيس هيئة الدفاع رفض. قال له يجب أن نستغلّ حادث إطلاق صهر الملك النار على الشرطي، فهو في صالحنا.
وكذلك كان. قدم رئيس هيئة الدفاع مرافعة أمام هيئة المحكمة، فنَّد فيها مزاعم النيابة العامة. وكما لو أن هيئة المحكمة كانت تريد طَيّ الملف وإغلاقه بسرعة، لم يتأخر النطق بالحكم، إذ سرعان ما أعلن القاضي عن حفظ الملف، وإسقاط المتابعة القضائية في حقي، وكذلك الغرامة المالية، وطُويَ الملف بفضل الضغط، وليس اقتناعا من الذين سجنوني بأنّ حرية الرأي والتعبير حق أساسي من حقوق الإنسان!
مضت الآن ثمان سنوات (غادرت السجن يوم 13 شتنبر 2008)، لكنّ الجرح الذي خلّفه الظلم لم يندمل بعد، وما زال ينزف. ما زلت أذكر يوم قال لي عمي إنهم يبحثون عنك. حين طرقوا الباب ولم يجدوني في البيت انصرفوا مخلّفين وراءهم أمرا مَمْهُورا بخاتم الاستعجال لعمّي فحواه: اتصل به وقل له أن يأتي عندنا إلى مفوّضية الأمن المركزية.
حين وصلتُ وجدتهم في انتظاري داخل مكتب صغير. “أنت إذن؟”، صاح أحدهم كصيّاد ظفر بصيْد ثمين بعد طول انتظار، فقد كانوا يتعقّبون أثري منذ مدة، كما سأعلم لاحقا، لكنهم لم يكونوا يعرفون أين أسكن، رغم أنني كنت أوقع مقالاتي باسمي كاملا، وأنشر معها صورتي، وحين قدَّمت وثائقَ تجديد بطاقة الهوية تعرّفوا على عنوان سكني، وجاؤوا في اليوم الموالي يبحثون عني!
جلست على كرسي قبالة مكتب صغير. كانت نظراتهم جميعا مصبوبة عليّ من كلّ الجهات، كسهام حادّة، وبسرعة تدفّق شلال الأسئلة من أفواه كثيرة. لماذا تنتقد النظام؟ من يُملي عليك ما تكتب؟ هل تنتمي إلى حزب أو جماعة معينة؟ من هم أصدقاؤك؟ ماذا يفعلون؟… وحين يتعبون من طرح الأسئلة يأمرونني بالمغادرة والانتظار في ممر ضيق أمام باب المكتب، وبعد دقائق ينادون علي من جديد، ويطرحون الأسئلة نفسَها، لكن بصيغة مختلفة، علّهم يعثرون على ثغرة في أجوبتي، أما أنا فكنت أردد الأجوبة نفسها، ولا أزيد ولا أنقص.
دام التحقيق ثلاثة أيام كاملة. طيلة ساعات النهار يطرحون الأسئلة تلو أخرى، وفي المساء يُنزلونني إلى قبو عفِن. هناك أقضي الليل في زنزانة مشتركة مع تجار المخدرات ومرتكبي الجرائم بمختلف أنواعها، في ظروف لا إنسانية. وفي اليوم الأخير من التحقيق رافقني ثلاثة من عناصر الشرطة إلى البيت والأصفادُ تطوّق معصميّ. في السيارة قال لي أحدهم ساخرا “تريد أن تكون بطلا؟ ها أنت الآن ترى مصيرك”. حين وصلنا دخلوا إلى غرفتي. فتشوا كل شبر فيها، وفحصوا الحاسوب، وقلبوا الصور، ربما لإعطاء الانطباع بأن انتقاد النظام جريمة متكاملة الأركان!
كنت حينها أوَّل مدوّن يُعتقل في المغرب بسبب آرائه المنتقدة للنظام. في مفوضية الأمن وضع الضابط رزمة من المقالات التي كتبتها أمامي على المكتب، وكان آخرها مقال انتقدتُ فيه منح الملك رخص استغلال سيارات الأجرة لأشخاص يؤجّرونها ويجنون مالا دون بذل أي جهد، وكتبت حينها أنّ الملك بذلك يشجّع الشعب على الاتكال! كان المقال كغيره من المقالات التي كتبتها بسيطا، يعبر عن رأي شاب إزاء ممارسة الملك للحكم، لكن القاضي في المحكمة الابتدائية رأى فيما كتبت “إخلالا بالاحترام الواجب للملك”، وكان جزائي عامان من السجن النافذ وفوقهما غرامة 5000 درهم!
حين أعود بذاكرتي ثمان سنوات إلى الوراء، وأستحضر ذلك التضامن الكبير الذي لقيته من طرف المنظمات الحقوقية والصحافة، وأقارن الوضع وقتذاك، رغم مرَارته، ووضعَ حرية الرأي والتعبير في المغرب اليوم، أخلص دائما إلى أن الأمور ساءَتْ ولم تتحسّن، بعد أن أفلحت السلطة في أن تزرع بذور الشقاق بين “قبيلة الصحافيين”، إذ لم تعد السلطة بحاجة إلى مواجهة من ينتقدُها منهم بأساليبها الخاصة، بل إن الصحافيين المحسوبين عليها يتولون القيام بهذه المهمة، إذ يشنّون حروبا هوجاء على كل من ينتقد السلطة إلى أن يدمروه ويسحقوه طمعا في مكاسب شخصية.
فقبل سنوات سادَت اللُّحمة ووحدةُ الصفِّ والموقفِ بين الصحافيين، المحسوبين على الصحافة “المستقلّة”، وكان ثمّة صحافيون شجعان، ترتعد فرائص السلطة من أقلامهم، أمّا اليوم فقد حلَّ الشقاق محلّ التضامن، وبدَل أن يتوحّد الصحافيون في جبهة واحدة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير والديمقراطية، ومناهضة الاستبداد، صارَ كثير منهم يتحاربون فيما بينهم، فتقوَّت شوْكة السلطة ووهنَ الجسم الصحافي واعتلَّ، وباتَ الميدان أشبه بحقل ألغام، ينبغي على المشتغل فيه أن يتحلّى بأقصى درجة الحذر واليقظة، ليؤدّي مهمته دونَ أن ينفجر في وجهه لُغم قاتل.
كنت اتمنى ان يكون مقالك هذا فالصفحة الرئيسية للهسبريس تروي فيه ما عانيته من ظلم هذه الدولة المتسلطة و ليأتوا بخبراء السياسة و الحقوقيين ليدلوا بدلوهم في محنتك ولا حادكين غير يزينوا وجه النظام القبيح
لا تيأس اخي الراجي درب الديموقراطية طويل ولكن سنصل ان شاء الله
شعرت بالغصة في حلقي وأنا أقرأ مقالك… للأسف المغرب لا يريد العقول الجميلة أن تنطق… يريد فقط للغوغائية والتفاهة وسوء الأخلاق أن ينتشر بين الشعب لأن الشعب الغوغائي يسهل التحكم فيه… وهذا ما يجعل الدولة تطلق العنان للديكتاتوريين الصغار بممارسة شذوذهم الأخلاقي في الشارع والادارات…
فأنت و رشيد نيني وغيركم من الأقلام الحرة يتم التعامل معكم معاملة المجرمين لأن ما يخيف الدولة هو انفتاح العقول على التفكير المنطقي و انتشار الوعي بالحقوق والواجبات…
وهذا ما جعل الدولة عن عمد تخطط لتعليم بدائي يعترف بفشله جميع منظمات التعليم العالمية…
والأشخاص الذين لم تتمكن الدولة من تدجين عقولهم يتم إما تقليم أظافرهم في الداخل أو تشويه سمعتهم أو إرغامهم على مغادرة الوطن أو كوكتيل من الثلاثة…
وللأسف لم يصل غالبية المغاربة الوعي بحقوقهم الى الآن والدليل هو عدد التعليقات على مقالك… متتبع من 2008 و أنا… ولو كان الموضوع يخص حرية المرأة أو له علاقة بالدِّين او الجنس أو المثليين أو صراع الأحزاب ستجد العشرات من التعليقات تنهمر على المقال خلال دقائق…
La réalité est beaucoup plus sombre. On ne se fait aucune illusion.
Malheureusement dans notre mahlaka rien n a changer malgrer la nouvelle constitution mais le système est toujours lui même,le pauvre devient plus pauvre et le reche devient plus reche,et ce théâtre appeler almossalaha wa alha9i9a seulement pour blanchaire les crimes du régime
donc soit on serra un pays démocratique laike qui respecte d abord la démocratie et les droits de l'homme,un régime qui lutte contre la corruption et tt sortt de criminalité,partager les rechesses sur tt le pp marocain,arreter l econnomie de rei3e ou informelle comme ceux de khoudames adaoula et donner des agrément, juger les gents qui on commis des crimes envers le pp marocain,faire rendre l argent voler par soit des politiciens,familles mafieux ou d autre,demander l avis du pp sur tt les questions politique ou econnomic comme l immegration,ect…
c est non on va retourner à l epouque de arassace et la dectatorie attention!?