حق الفتيات في التعليم..

حق الفتيات في التعليم..
الثلاثاء 30 شتنبر 2025 - 19:47

تنتشر هذه الأيام شعارات خرقاء منافية للحس السليم ولحاجات المجتمع المغربي والتزامات الدولة، تحث العائلات المغربية على إخراج بناتها من المدرسة وعدم تركهن يتممن دراستهن، وقد سبق لي أن طالبت مرارا بتدخل وزير التربية ومصالح حماية الطفولة من أجل إنقاذ طفلات يتم حرمانهن من الدراسة ومن حقهن في التعليم بسبب موقف عائلاتهن التي تعتنق مذهب التطرف السلفي في أحياء العديد من المدن المغربية، فإذا كانت بعض الأوساط الفقيرة في البوادي تحرم الطفلات من الدراسة بسبب انعدام البنيات التحتية الضرورية أو النقل أو غير ذلك من الأعذار التي تلقي على كاهل الحكومة بأعباء ثقيلة، فإن هذه العائلات السلفية المذكورة لا تعاني من نفس المشاكل ولكنها تمنع الفتيات من الدراسة بسبب إيديولوجي أساسا، يؤدي بالكثير منهن إلى السقوط بين براثن الجهل والضياع بعد تعريضهن للزواج المبكر والعنف الذكوري ثم الطلاق.

ويعبر هذا الموقف السلفي اللاعقلاني والذي لا يحترم حقا مبدئيا من حقوق الأطفال، يعبر عن عقدة السلفية منذ بداية الدولة الحديثة في بلادنا، ضدّ تمدرس الفتاة، حيث عارض الوعي التقليدي حق الفتيات في التعليم منذ بداية فترة الحماية، كما دعا إلى إخراجهن منه في فجر الاستقلال بسبب تناقض وضعية المرأة المتعلمة والعاملة، مع أحكام الشريعة كما تأسست منذ تشكل المنظومة الفقهية الإسلامية خلال القرنين الثاني والثالث الهجريين، في مجتمع لم يعد قائما في زماننا.

وإذا كان هذا السلوك المتشدّد اليوم مخالفا للقانون الذي يُجرِّم حرمان الأطفال من الدراسة حيث ينص “القانون الإطار للتربية والتكوين” على ضرورة ضمان الحق في التعليم لكل الأطفال من ذكور وإناث حتى سن 16 سنة، فإن مواجهة آفة الهدر المدرسي في حالة الفئات الاجتماعية المذكورة يقتضي معالجة شمولية متكاملة العناصر وتعتمد مقاربة متعددة الجوانب والمستويات:

من الجانب القانوني والمؤسساتي:

يقتضي الأمر تفعيل القانون بصرامة والحرص على مواكبة تنفيذه داخل الأوساط السلفية وفي الأحياء التي تسود فيها إيديولوجيا التشدّد الديني، كما يقتضي تشديد الرقابة على حالات زواج الطفلات، وتقييد الاستثناءات التي تمنحها المحاكم والتي بالغ القضاة في استغلالها عبر ما سمي بـ”السلطة التقديرية للقضاة” مما جعل نسبة تزويج القاصرات يرتفع في السنوات الأخيرة ومنذ تعديل مدونة الأسرة سنة 2004.

هذا ومن اللازم اعتماد وسائل الردع المؤسساتية مثل تدخل النيابة العامة ومصالح حماية الطفولة في الحالات الموثقة التي تُحرم فيها الفتيات من حقهن في التعليم.

من الجانب الاجتماعي:

ضرورة القيام بحملات توعية وتحسيس موجهة للأسر التي تعاني من هيمنة الفكر المتشدّد واللاعقلاني، خاصة في الأحياء التي تسود فيها سلوكات الانغلاق والتقوقع والرغبة في خلق فضاءات خارج منطق الدولة، وينبغي التركيز في هذه الحملات على إبراز قيمة التعليم في التمكين للبنات والأبناء وضمان حياة كريمة لهم جميعا، ومن أجل تيسير هذه المهمة لابد من إشراك الجمعيات المدنية والنسائية في رصد هذه الحالات ومواكبة الأسر والطفلات بشكل منهجي ويومي.

ويمكن للدولة العمل على تخصيص منح مدرسية ووسائل نقل مدرسي ودور الطالبات لتقليل الأعذار الاقتصادية أو “الأمنية” التي تتحجج بها بعض العائلات ظاهريا، حيث يعتبر بعض آباء وأولياء الطفلات بأنهن معرضات للخطر خلال الذهاب إلى المدرسة لتبرير حرمانهن من التعليم.

من الجانب الثقافي والفكري:

غير أنه لا يمكن إنجاح عملية التوعية والتحسيس بضرورة تمكين الطفلات من حقهن المبدئي في التعليم بدون التعرض لمشكلة الفكر السلفي وأسسه ومناهجه وأساليب اشتغاله في المجتمع، مما يقتضي تفكيك خطابه المتشدد الذي يربط “العفة” والفضيلة لدى النساء بالبقاء في البيت وعدم مغادرته، مما يؤدي إلى تجهيل الفتيات والنساء وعزلهن عن دينامية المجتمع وتطوره، ويمكن لهذا العمل الفكري التحسيسي أن يتمّ من داخل المرجعية الدينية نفسها عبر إبراز مواقف الفقهاء التنويريين الذين تصدوا لهذا المشكل منذ عقود طويلة وخاصة منذ بداية القرن العشرين في المغرب والمشرق، ودعوا إلى ضرورة تعليم الفتيات، بل يمكن الاستعانة كذلك بموقف الفقيه ابن عرضون الذي دعا منذ أربعة قرون إلى تعليم المرأة معتبرا بأن المرأة الجاهلة لا يمكن أن تربي أطفالا صالحين.

ويمكن في هذا الإطار الثقافي العمل على إنتاج محتوى إعلامي باعتماد الصورة للتعريف بالنساء الناجحات في كل المجالات بغرض تقديمهن قدوة، وخاصة منهن اللواتي نشأن في أوساط فقيرة ومهمشة.

والخلاصة أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب إرادة سياسية ومؤسساتية صارمة لتطبيق القانون وتفعيله على أرض الواقع، ومعاقبة مخالفيه، كما تقتضي مواكبة اجتماعية وثقافية وإعلامية لتغيير العقليات والسلوكات، وتقديم بدائل مادية ومعنوية لتسهيل ضمان مكان لهؤلاء الطفلات في مقاعد الدراسة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • مافيا التعليم الخصوصي
    الأربعاء 1 أكتوبر 2025 - 09:18

    نفس الدباجة والتغريد خارج السرب.
    كل مشاكل الدنيا يربطها بالدين والسلفية والإخوانية….
    طيب هل الدين خرجوا الآن من جيل Z ويطالبون بإصلاح التعليم والصحة أيضا سلفيين أو مدفوعين منهم.
    ياسيد عشرات ومئات الآلاف من أبنائنا وبناتنا من غير السلفيين لايجدون أماكن في المدرسة بسبب الإكتضاض وبعد المسافة. وفي المدن تدني جودت التعليم بسبب السياسات الفاشلة لهذه الحكومة التي باعت التعليم العمومي وإنشاء تعليم خصوصي غير مراقب لا في المناهج ولا في الأثمنة الخيالية التي تذهب إلى جيوب مافيا التعليم الخصوصي المشاركة في الحكومة.
    نفس الشيء في القطاع الصحي الذي بيع لشركة خاصة واحدة تمتص دماء المغاربة وميزانيتهم .
    تترك دائما ياسيد المشاكل الحقيقية وتقديم حلول عملية واقعية وتلصق كل شيء بالدين.
    نحن شباب Z لاتهمنا أرائك المتكررة مند وعينا ونحن نقرأ نفس الدباجة كل مرة.
    نريد عدالة إجتماعية وحق في تعليم وصحة مجانية واستثمار من ثرواتنا الوطنية في فرص شغل حقيقية. ماعدا هذا لانحتاج لخرجاتك التي لاتسمن ولاتغير

  • amaghrabi
    الأربعاء 1 أكتوبر 2025 - 09:56

    أعتقد سيدي عصيد الفكر السلفي المتزمت المنتشر في المغرب وفي كثير من الدول الاسلامية وغير اسلامية جزء من المشكلة وليس كل المشكلة لان الفساد في المغرب وهو همنا وشغلنا له ارتباط كذلك في تقصير الدولة والسياسيين منذ الاستقلال لتربية الاجيال وتربية المجتمعات في نفس الوقت على الصدق في العمل وعلى التربية السليمة التي تجعل المغاربة يثق ون في بعضهم البعض لان اليوم استفحل الفساد في جميع اركان الدولة المغربية وفي جميع مرافق الادارات المغربية الرشاوي في جميع الادارات والمخدرات بتعدد اشكالها في جميع الاركان المغربية حتى اصبح تجار المخدرات هم وعاظ الحقيقين لشعبنا والتقرب منهم هو الهدف لكثير من افراد شعبنا وبالتالي فتنقية الجو المغربي المكهرب دخل في نفق خطير لا مخرج له الا بظهور الحتمي لحرك Z المباركة التي اما تقوم هذا الوضع الخطير والمدمر او تزيد الجو سوءا وخطورة وتبقى السلفية جزء من المشكل وليس المشكل كله

  • Lamya
    الأربعاء 1 أكتوبر 2025 - 10:08

    أتفق معك على أن هناك فتيات قليلات يتم منعهن من متابعة دراستهن و يتم تزويجهن بدون موافقتهن و هذا نوع من العنف الأسري الذي يمارس عليهن, و لكن هناك فئة من الفتيات يقاطعن الدراسة و يتزوجن بمحض إرادتهن بعد تعلمهن الطبخ و الاعمال المنزلية بعد مغادرتهن للدراسة و يردن البقاء في البيت و أنا شخصيا أعرف الكثيرات منهن يتمنون الزواج المبكر بعد مقاطعتهن للدراسة

  • مهاجر من ألمانيا
    الأربعاء 1 أكتوبر 2025 - 11:01

    لمحاربة هذه الظاهرة يجب تعميم و اجبارية التعليم الى السنة الدراسية التاسعة كما في الدول المتقدمة و رفع سن الزواج, و لكن التشريع يتطور بتطور الوعي المجتمعي و الحاجة لحماية حقوق الانسان
    فالمانيا مثلا كانت تسمح في الماضي القريب بزواج القاصرين في سن ال١٦ سنة بموافقة المحكمة او الوالي, لكن ما حدث هو انها قامت بتعديل قوانينها و رفع السن الادنى للزواج الى ١٨ السنة دون استثناء, كرد فعل مباشر على تزايد الوعي المجتمعي بخطورة الزواج المبكر خاصة على الفتيات,
    اذن توعية المجتمع هي الاساس لاي تغيير مستدام

  • مهاجر من ألمانيا
    الأربعاء 1 أكتوبر 2025 - 12:05

    ان مقولة الاستاذ احمد عصيد حول الدافع الايديولوجي( للتيار السلفي في االمغرب) لتزويج القاصرات بعد حرمانهن من التعليم تسلط الضوء على جانب مثير من الظاهرة و مع ذلك تشير الدراسات و التقارير في المغرب الى ان الدافع الاكبر و الاكثر انتشارا وراء زواج القاصرات هو الفقر و الهشاشة الاقتصادية بالاضافة الى الاعراف الاجتماعية و القبلية التقليدية خاصة في الوسط القروي و لذلك مطلب تقديم الدعم الاقتصادي للاسر الفقيرة هو نقطة جوهرية و ضرورية لمكافحة الظاهرة و يعد هذا الدعم حلا مباشرا, لانه يعالج السبب الرئيس وراء غالبية حالات الزواج المبكر للفتيات
    اذن على الحقوقيين تبني هذه المقاربات التي ذكرتها ( تعميم و اجبارية التعليم و تقديم الدعم للاسر الفقيرة) بدلا من استنساخ القوانين الغربية دون اعطاء اولوية لتهيئة البيئة الاجتماعية و الاقتصادية, التي توجد في الغرب, مما يضع العربة امام الحصان و بالتالي يؤدي الى نتائج عكسية

صوت وصورة
المنصوري تسلم "السكنى" لبلفقيه
السبت 17 أكتوبر 2026 - 21:45

المنصوري تسلم "السكنى" لبلفقيه

صوت وصورة
الجائزة الكبرى للتبوريدة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 20:45

الجائزة الكبرى للتبوريدة

صوت وصورة
تسليم السلط بين أخنوش والمنصوري
السبت 17 أكتوبر 2026 - 13:36

تسليم السلط بين أخنوش والمنصوري

صوت وصورة
فتاح العلوي تودع وزارة المالية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 13:18

فتاح العلوي تودع وزارة المالية

صوت وصورة
وزير النقل: مغرب يسير بسرعة واحدة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 12:32

وزير النقل: مغرب يسير بسرعة واحدة

صوت وصورة
حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 11:21

حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة