حل الصراع المغربي-الجزائري على النموذج الفرنسي-الالماني

حل الصراع المغربي-الجزائري على النموذج الفرنسي-الالماني
الثلاثاء 22 دجنبر 2015 - 10:23

إن الصراع الموجود حاليا بين المغرب والجزائر حول الصحراء والذي اصبح يعد من أقدم الصراعات الدولية يمكن حله على الطريقة التي حلت بها فرنسا والمانيا مشاكلهما الحدودية التي امتدت على مدى قرون من الزمن.فلقد وقعت بين الدولتين( فرنسا والمانيا ) حروب عديدة من اهمها حرب 1870-1871م هذه الحرب كان سببها تباين المواقف بين ملك فرنسا نابليون الثالث والوزيرالاول الالماني (بروسيا) بسمارك حول مشكلة العرش في اسبانيا، فبدأت فرنسا بإعلان الحرب على بروسيا،هذه الحرب هي التي ستفضي بلا شك الى الحرب العالمية الاولى،وهذه الاخيرة كانت سببا كذلك في الحرب العالمية الثانية.فحرب 1870م انتهت بانتصار بروسيا على فرنسا،فحقق بذلك بسمارك هدفا من أهم أهداف حياته وهو توحيد الامبراطورية الالمانية التي احتلت فيها بروسيا مكانة الصدارة.وانتهت الحرب بين الدولتين بإبرام معاهدة صلح في قصر فرساي(مقر الملكية الفرنسية)كانت شروطها مذلة لفرنسا حيث ضم بسمارك منطقتي الالزاس واللورين الفرنسيتين الى المانيا وإرغام فرنسا على تغيير الخرائط الجغرافية،حتى المدرسية منها،بحيث اصبحت المقاطعتان ضمن الاراضي الالمانية،وإجبار فرنسا على دفع تعويضات مالية كبيرة للألمان (200 مليون جنيه استرليني).ولقد عارض الفرنسيون هذه المعاهدة وأعلن نواب الالزاس واللورين تمسكهم بفرنسا وقدم الكثيرون استقالتهم.وكان ممن استقالوا الكاتب الكبير فيكتور هوجو الذي لخص موقفه في كلمات تثبت بعد نظره: »هناك أمتان أوربيتان ستصبحان رهيبتين من الآن فصاعدا،الاولى انتصرت والثانية هزمت. « ظلت منطقتا الالزاس واللورين جرحا عميقا في قلب فرنسا حتى جاءت الحرب العالمية الاولى لتستغلها فرنسا فرصة لاسترجاع ما سلب منها في حرب 1870م وإعادة الاعتبار لهذا البلد.وفعلا فقد انهزم الالمان في هذه الحرب وفرضت عليهم فرنسا مع حلفائها شروطا قاسية في نفس مكان المعاهدة الاولى وهو قصر فرساي وتضمنت هذه الشروط:استرجاع منطقتي الالزاس واللورين واقتطاع اراضي من المانيا لصالح الدول المجاورة وحرمانها من جميع مستعمراتها التي وزعت على المنتصرين وإرغامها على دفع غرامة مالية لتعويض كل الخسائر التي لحقت المنتصرين في هذه الحرب…هذه المعاهدة كانت بمثابة انتقام من المعاهدة الاولى، وهي بدورها خلقت مناخا شجع على بروز النازية في المانيا بزعامة هتلر الذي كان جنديا سابقا في الحرب العالمية الثانية وأسيرا لدى الفرنسيين)،حيث عمل على التحضير للحرب العالمية الثانية التي كانت كارثة اخرى على الاوربيين.

لكن ما يهمنا في هذه الاحاطة التاريخية هو ان العداء الالماني – الفرنسي الذي امتد على مدى قرون كانت خسائره فادحة على جميع المستويات.فكيف عمل الألمان والفرنسيين على وضع حد لهذه الاحقاد التاريخية ؟ فما بين سنة 1948-1953م كان على رأس وزارة الخارجية الفرنسية احد الشخصيات التاريخية الذي كان يفكر بذكاء عكس سابقيه وهندس لبناء تعاون الماني –فرنسي فوق المناطق المتنازع حولها على الحدود بين البلدين وكان ذلك هو بداية مايسمى حاليا بالاتحاد الاوربي.هذا الشخص هو روبير شومان وزير خا رجية فرنسا الذي توفي سنة 1963م وسبق له ان شارك في الحرب العالمية الثانية كجندي ولم تفارقه طوال حياته صور الضحايا التي خلفتها هذه الحرب خاصة في صفوف الالمان والفرنسيين،كما وضع في السجن من قبل البوليس السري الالماني”الجيستابو” وتمكن من الهروب منه.دفعته هذه المحن الى البحث عن وسيلة لإبعاد شبح الحروب عن فرنسا وألمانيا وبالتالي عن القارة الاوربية فوجد الحل في بلورة اول مشروع اقتصادي بين الدول الاوربية تكون دعامتاه الاساسية المانيا وفرنسا الدولتان الكبيرتان في اوربا .ولقد جاء ذلك في خطابه الشهير سنة 1951م الذي قال فيه:

»يتطلب توحيد الامم الاوربية إزاحة العائق القديم بين فرنسا وألمانيا…وإن الحكومة الفرنسية تقترح وضع كامل الانتاج الفرنسي-الالماني من الفحم والصلب تحت تصرف سلطة عليا مشتركة،في إطار منظمة مفتوحة للبلدان الاوربية الاخرى.وسيمكن الانتاج المشترك للفحم والصلب من ضمان تأسيس قواعد مشتركة للتنمية الاقتصادية،وهو الخطوة الاولى في مسلسل بناء اتحاد فدرالي أوربي،سيغير مصير هذه البلدان التي امضت ازمنة طويلة في صنع أسلحة الحرب التي غالبا ما تكون هي ضحيتها الاولى.وسيظهر التعاون الاقتصادي المأمول،أن كل حرب بين فرنسا والمانيا،مستقبلا لن تصير فقط غير معقولة،بل ستصبح عمليا مستحيلة«

وفعلا هذا ما حصل فالعداء التاريخي بين الدولتين زال والحرب بينهما أصبحت مستحيلة الوقوع لان المناطق المتنازع حولها على الحدود اصبحت النواة الاولى للتعاون الاقتصادي في قطاعي الفحم والصلب بعدها امتد التعاون الى باقي المجالات وانضمت اليه دول اخرى حتى وصل الان 28 دولة.

فلماذا لا يكون الامر عليه كذلك بالنسبة للمغرب والجزائر؟ فالمنطقة المتنازع حولها يمكن تحويلها الى منطقة اقتصادية بها مشاريع مشتركة بين البلدين وتكون هي النواة لبناء مشروع اتحاد المغرب العربي ويمكن ان تنضاف اليه دول مجاورة كمالي والسنغال وتنفتح هذه المجموعة على القارة السمراء التي تتوفر على امكانات بشرية وطبيعية هائلة تتنافس حولها الدول والشركات لاستغلال خيراتها.وفي نفس الوقت مواجهة تحديات الارهاب باستئصال مشاتله التي تتخذ من الصحراء وكرا للتفريخ، والحد من الهجرة السرية التي تشغل بال دول العالم حاليا.وعوض صرف الاموال الباهضة في شراء الاسلحة التي تتعرض للصدئ تحت اشعة شمس الصحراء الحارة يمكن وضع بنيات تحتية جاذبة للاستثمارات لتحقيق التنمية وإيجاد حلول لمشاكل سكان البلدين .

فتاريخ العلاقات المغربية الجزائرية لم يكن فيها عداء كبير على النحو الذي كان بين المانيا وفرنسا،بل ما غلب عليها هو التعاون خاصة في الظروف الصعبة.فلما خرجت الجزائر من تحت السيطرة العثمانية واستعمرتها فرنسا في سنة 1830م ،قدم المغرب في عهد السلطان م.عبد الرحمان دعما كبيرا للمقاومة الجزائرية التي تزعمها الامير عبد القادر وذلك بحكم علاقات الدين والجوار التي كانت بين البلدين،وتحمل المغرب تبعات هذا الدعم حيث هزمته فرنسا في معركة اسلي الشهيرة وقزمت اراضيه في معاهدة لالة مغنية .وفي القرن العشرين كان التعاون بين الحركة الوطنية الجزائرية والمغربية في اوجهه سواء في مرحلة تأسيس مكتب المغرب العربي بالقاهرة سنة 1947م الذي يعتبر من اكبر المظاهر لرغبة ابناء المغرب الكبير في التعاون على تحرير اوطانهم من الاستعمار.كما كان مؤتمر طنجة الذي جمع الاحزاب السياسية في كل من المغرب والجزائر وتونس سنة1958م يعبر عن التضامن المتين لتحقيق الوحدة بين هذه الدول الثلاثة ،ولتحقيق هذا الغرض اقترح المؤتمرون تشكيل مجلس استشاري للمغرب العربي كمرحلة انتقالية…لكن لما تم الاستقلال إذا بالمواقف تتغير وكل بلد ينصرف لبناء مؤسساته من ادارة وجيش وقضاء وهياكل الاقتصاد…وظهرت خلافات وصلت احيانا الى حد اندلاع الحرب كما وقع في حرب الرمال بين المغرب والجزائر سنة 1963م.ومع ذلك فتاريخ العلاقات المغربية الجزائرية يطبعه التعاون وليس الصراع الدموي كما كان بين فرنسا والمانيا اللتين نجحتا في تحويله التي تعاون اقتصادي انعكس ايجابا على الشعبين واستفادت منه الشعوب الاخرى المجاورة.اما المغرب والجزائر فيخسران كل سنة عدة نقط من ناتجهما الداخلي وهما في حاجة اليه بسبب هذا الصراع الذي تضرر منه الشعبين كثيرا.فالتعاون هو نقيض الصراع لانه يسمح للجميع بتقاسم المكاسب والفوائد.والمحيط الجهوي والدولي لا يسمحان بهذا التنافر.وعليه فإن حل هذا المشكل يعد اختيارا استراتيجيا لا رجعة فيه،وتكلفة التأخر تكبر بسبب مجموعة من التحديات ما فتئت تزداد امام الدولتين وتحد من تطلعات شعوبهما.لكن على ما يظهر عدم وجود الرغبة والطموح يدل على عدم النضج السياسي.

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • Brahim.F
    الثلاثاء 22 دجنبر 2015 - 11:33

    نعم على المغرب والجزائر الشقيقين ان يتوصلا الى حل ينهي هذا الصراع الذي عمرطويلا واصبح غير ذي جدوى. يجب الجلوس لطاولة المفاوضات والتفكير لمستقبل الشعبين الجارين، وكما جاء في مقال الكاتب، على الدولتين المغغاربيتين ان تستفيدا من تجربة فرنسا والمانيا، وتكونا قطبا مغاربيا قويا حيال الاطماع الاجنبية، من هذا المنبر المغاربي (هيسبريس) اناشذ اخواني الجزائريين والمغاربة ان يتحدوا يدا في يد للخروج من هذا النفق المظلم، ويتبادلوا خبراتهم ولا يتركوا لعدوهم مكانا بين ظهرانيهم.كفى من ويلات الاستعمار الذي عاناه اجددادنا وكفى من هذا االعداء بيننا واللذي لا يخدم سوى عدونا المشترك

  • عبد العزيز
    الثلاثاء 22 دجنبر 2015 - 11:46

    السؤال المطروح و الذي ينبغي أخذه في الحسبان، هو هل عقلية جنرالات الحكم بالجزائر ناضجة بمافيه الكفاية للنظر بعيدا و تحقيق تنسيق مكثف مع دول الجوار بما يخدم مصالح شعوبها؟ كل الوقائع و المؤشرات تخالف ذلك للأسف.

  • محمود
    الثلاثاء 22 دجنبر 2015 - 12:56

    عن أي منطقة متنازع حولها يتحدث الكاتب ؟ هل الصحراء الشرقية التي ضمتها فرنسا إلى مستعمرتها سنة 1845 بعد حرب إيسلي أم الصحراء المغربية التي لا نعتبرها منطقة متنازع حولها بيننا وبين النظام الجزائري بقدر ما نعتبرها جزءا لا يتجزأ من ترابنا الوطني ؟
    فسروا لنا هذا الأمر لأن بعض الإخوة الجزائريين لا يعتبرون الصحراء الشرقية منطقة متنازع حولها وهي التي تسببت في حرب الرمال سنة 1963

  • رياض
    الثلاثاء 22 دجنبر 2015 - 12:59

    مقال جيد لكن ناقص عن اي منطقة المتنازع عنها

  • بركان محمد
    الثلاثاء 22 دجنبر 2015 - 13:13

    اسي اسعيدو الحل الوحيد لنهاية الصراع بيننا والنظام السلطوي الارهابي والدموي هو بناء جدار كالجدار الذي بين كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية

  • عبد الله
    الثلاثاء 22 دجنبر 2015 - 13:19

    تشكراتنا لصاحب المقال على ما أبداه من غيرة أخوية، لكن أعتقد أنه من الخطأ ربط وحصر الخلاف الجزائري المغربي حول الإختلاف في القضية الصحراوية، إذ أن هذا الإختلاف لم يظهر للعيان إلا سنة 1975، أما الخلاف بين الدولتين فقد سبق هذا التاريخ بأكثر من 10 سنوات.

  • SMITOU
    الثلاثاء 22 دجنبر 2015 - 19:05

    !! Il est 6h30 , réveille toi
    la mentalité allemande ou française est très pragmatique ya3ni (wa9e3iine) . nos voisins dirigeants ne le sont pas , ils ne veulent même pas ouvrir les frontières . l'UMA est morte a cause d'eux , …, Feu Hassan II a voulu faire la même chose avec l'accord de Marrakech mais allah ysawab les militaires ne voulaient rien savoir. ..
    ce qu'il faut faire selon moi c'est bien expliquer au peuple Algérien frère les dessous de ce problème et surtout par une communication très positive ,
    merci.

  • محمد بازهار
    الثلاثاء 22 دجنبر 2015 - 20:09

    كلام معقول بالمقاييس الفرنسية الألمانية و العقلية الغربية اما عقليات جوج فرانك……و معاشات الوزراء …..و 4*4 رؤساء البلديات وسيارات رؤساء الجماعات…….. وعقليات الجنرالات ……هؤلاء لا يعيشون الا في الماء العكر ولا يفكرون إلا بمنطق الريع ….. و الشعب إلى الجحيم .
    و دمت بخير أستاذي المحترم

  • في انتظار أن يظهر...
    الأربعاء 23 دجنبر 2015 - 02:28

    …سياسي يسود غير حسود في الجزائر، أما ملوك المغرب فلا تقل هممهم عن همتي دغول و أديناور
    En 1963, le président Charles de Gaulle et le
    chancelier Konrad Adenauer signent le traité de l'Élysée pour que la coopération franco-allemande devienne une réalité quotidienne. Depuis, de nombreuses villes, écoles, régions et universités sont jumelées et l’Office franco-allemand pour la jeunesse (OFAJ) offre à des millions de jeunes la chance de participer à des échanges. Depuis 1999, et selon l'accord de Weimar, signé en 1997, l'Université franco-allemande (UFA) soutient des partenariats entre établissements d'enseignement supérieur français et allemands. Elle permet ainsi à des étudiants des deux pays de suivre des cours partagés entre France et Allemagne, et à des chercheurs de mettre en commun leurs savoirs.
    Le couple franco-allemand a toujours été un moteur de la construction européenne.

  • عبد الله
    الأربعاء 23 دجنبر 2015 - 07:31

    نفس المقترح الذي أتيت به هو بالضبط ما عرضه الرئيس الراحل هواري بومدين على القادة في المغرب عند زيارته التاريخية سنة 1972، إذ قال في خطابه الشهير أمام الحسن الثاني أنه ينبغي تحويل الحدود من بؤرة للخلافات إلى منطقة للإنجازات، وقد طرح تأكيدا لنيته 11 مقترحا إقتصاديا واجتماعيا سياسيا مثل تصدير حديد غار جبيلات عبر الموانيء المغربية الأطلسية مع اقتسام الأرباح واليد العاملة، لكن السؤال المطروح حاليا هو: لماذا عصف البرلمان المغربي بهاذه المبادرة التاريخية التى كانت بإمكانها أن تكون الحجر الأساس لقيام الإتحاد المغاربي ولما الولايات المتحدة المغاربية.

  • ISSAM
    الأربعاء 23 دجنبر 2015 - 13:52

    نحن الجزاءريون لا نعتبرانفسنا اننا في صراع او نزاع مع المغرب لا على الصحراء و لا على اي موضوع اخر العلاقات الثناءية على جميع الاصعدة موجودة و الحمد لله و لعن الله من ايقظ الفتنة.

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 15

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00 1

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟