لنتصور مدرستين يفصل بينهما شارع واحد. الأولى مدرسة عمومية، منخرطة في مشروع “مؤسسات الريادة”. يخضع متعلموها لرائز الموضعة، ويستفيد المتعلمون والمتعلمات من دعم مكثف وفق مستوياتهم الفعلية، ويشتغل مدرسوها بموارد ومقاربات محددة، ويخضعون للتكوين والمواكبة والتتبع، وتصبح نتائج المتعلمين جزءاً أساسياً من تقييم أثر المشروع. في الجانب الآخر مؤسسة خصوصية. متعلموها مغاربة، يدرسون داخل المنظومة التعليمية نفسها، وسيحصلون في نهاية المطاف على الشهادات الوطنية نفسها، وتخضع مؤسستهم للترخيص والمراقبة من الوزارة والأكاديمية.
ومع ذلك، فهي خارج مشروع “الريادة”.
قد يبدو الأمر طبيعياً. فالمشروع صمم منذ البداية لإصلاح المدرسة العمومية، والوزارة نفسها تقدمه بصفته نموذجاً يروم إحداث تحول عميق في المؤسسات التعليمية العمومية. لكن كلما اتسع المشروع، أصبح هذا التفسير أقل قدرة على إنهاء النقاش.
ففي الدخول المدرسي 2026-2027 أصبحت مدارس الريادة تمثل نحو 80% من المدارس الابتدائية العمومية، في اتجاه استكمال التعميم. ومع هذا التوسع لم نعد أمام تجربة محدودة، بل أمام نموذج يكاد يصبح هو الشكل الجديد للمدرسة العمومية المغربية.
وهنا يظهر السؤال الذي سيكون من الصعب تأجيله طويلاً: كيف ستتعامل وزارة التربية الوطنية مع التعليم الخصوصي عندما تصبح المدرسة العمومية كلها تقريباً “رائدة”، بينما يبقى القطاع الخصوصي خارج المشروع؟
هذا السؤال لا يتعلق باسم أو شارة. إنه يتعلق بمنهاج، ولغات، وكتب، وطرق تدريس، وتقويم، ورقابة، وفي النهاية بتعريف الوزارة نفسها لما تسميه “تعليماً جيداً”.
حين يصبح دعم المتعثرين حجة ضد الريادة
رافق مشروعَ الريادة منذ بدايته خطابٌ قوي حول معالجة التعثرات في القراءة والكتابة والحساب. وهذا مفهوم. فالمدرسة المغربية تواجه بالفعل أزمة كبيرة في التعلمات الأساسية، ولا معنى لأي إصلاح لا يبدأ من تمكين المتعلم من القراءة والفهم والحساب. لكن هذه الصورة أنتجت، في المقابل، تمثلاً آخر يجد له مكاناً داخل جزء من خطاب مناصري التعليم الخصوصي: مدرسة الريادة هي مدرسة لاستدراك الضعف، بينما المدرسة الخصوصية مدرسة للتميز. وبصيغة أوضح: التعليم العمومي يعالج المتعثرين، والتعليم الخصوصي يحتضن المتفوقين. وهي صورة مريحة جداً من الناحية التسويقية.
فعندما يقدَّم الدعم وفق المستوى المناسب وكأنه “محو أمية للصغار”، ويقدم البرنامج الدراسي بالمدرسة الرائدة وكأنه برنامج مخفف، يصبح من السهل على المؤسسة الخصوصية أن تقول للأسرة، صراحة أو ضمناً: نحن لا نحتاج إلى هذا لأن متعلمينا في مستوى أعلى.
لكن هذه الثنائية لا تستقيم تربوياً. فالتعثر لا يسأل عن الوضع القانوني للمؤسسة. والمتعلم المتميز يوجد في المدرسة العمومية كما يوجد في المدرسة الخصوصية. كما أن أداء الأسرة لرسوم مدرسية مرتفعة لا يقدم أي ضمان علمي بأن المتعلم لا يعاني تعثراً في القراءة أو التفكير الرياضي أو الفهم. وإذا كان التشخيص الموضوعي للتعلم ممارسة جيدة، فلا يوجد سبب تربوي يجعل المتعلم في المؤسسة الخصوصية أقل حاجة إليه.
بين تهمة تبسيط البرنامج وأولوية التعلمات الأساس
من الانتقادات المتداولة أيضاً بشأن مدارس الريادة أن البرامج المعتمدة فيها، ولا سيما في اللغات والرياضيات، تبدو أبسط من تلك التي تقدمها بعض المؤسسات الخصوصية. غير أن هذا الحكم يقتضي التمييز بين أمرين: مشروعية نقد أي برنامج أو منهاج ومناقشة قدرته على الاستجابة لحاجات المتعلمين، وبين اختزال جودة البرنامج في حجم محتواه وكثرة الدروس التي يتضمنها.
نعتقد أن كثرة الدروس ليست دليلاً على جودة البرنامج، كما أن حجم الكتاب لا يعكس بالضرورة قوته. فالمتعلم في السنة الرابعة لا يصبح أكثر تقدماً لمجرد أنه درس ما يفترض أن يدرسه غيره في السنة الخامسة.
لذلك، نرى أن هناك فرقا بين التعلم العميق والتسريع في تلقي المضامين والدروس. ويظل السؤال الحقيقي ليس: كم درساً أنهى المتعلم؟ بل: ماذا فهم مما تعلم؟ وماذا يستطيع أن يفعل بما تعلمه؟
الكتاب الأجنبي: مرجع مُكمل للمنهاج في النص القانوني، وبديل للكتاب المدرسي في الممارسة
تظهر هذه المسألة بصورة أوضح في استعمال الكتب الأجنبية. فقد بنت مؤسسات خصوصية كثيرة في المغرب جزءاً من صورتها على السلاسل الفرنسية والإنجليزية المستوردة، وعلى كتب مرتفعة الثمن تُقدَّم للأسرة بوصفها دليلاً على مستوى أكاديمي أعلى وتميز عن المدرسة العمومية.
ولا اعتراض، في الأصل، على الاستفادة من كتاب فرنسي أو بريطاني أو من أي مورد تربوي أجنبي جيد. فالمشكل لا يبدأ من مصدر الكتاب، بل من موقعه داخل العملية التعليمية. إذ يتحول الإغناء إلى إشكال حين لا يعود الكتاب الأجنبي مورداً مكملاً للمنهاج الوطني، بل يصبح في الممارسة اليومية مرجعاً أساسياً يكاد يقوم مقامه.
وهنا يكتسب مشروع الريادة بعداً جديداً في النقاش. فالمشروع لا يوحد فقط بعض طرائق العمل والتقويم، بل يعتمد أيضاً كتبا وكراسات وموارد تربوية موحدة على المستوى الوطني. وإذا امتد هذا المنطق مستقبلاً إلى التعليم الخصوصي، فستجد مؤسساته نفسها أمام سؤال حقيقي: هل ستتخلى عن جزء من الكتب الأجنبية التي بنت عليها صورتها وتميزها عن المدرسة العمومية، وتشتغل بالموارد المعتمدة في مدارس الريادة؟ أم ستتمسك بكتبها ومواردها الخاصة، وتبقى خارج هذا التوحيد؟
المسألة هنا ليست شكلية، لأن الكتاب في كثير من المؤسسات الخصوصية ليس مجرد أداة مدرسية، بل جزء من عرضها التربوي ومن صورتها لدى الأسر. لذلك فإن اعتماد الموارد نفسها التي تستعملها المدرسة العمومية قد يُفقد بعض المؤسسات أحد أبرز عناصر التمايز الذي بنت عليه خطابها التسويقي.
ومع ذلك، يظل القانون المغربي واضحاً في التمييز بين الكتاب المدرسي المرجعي والكتب التكميلية أو الموازية والموارد التربوية. فالقانون رقم 59.21 يسمح بهذه الموارد ما دامت داعمة وملائمة للمناهج والبرامج المعتمدة، كما يتيح للمؤسسة الخصوصية تطوير مشروع تربوي خاص وتعزيز تعلم اللغات الأجنبية، من دون أن يخرجها ذلك عن المرجعية الوطنية للمنهاج.
لذلك ينبغي أن ينتقل النقاش من سؤال: «هل الكتاب الأجنبي جيد؟» إلى سؤال أعمق: ما موقع هذا الكتاب داخل المنهاج الوطني؟ وهل يُستعمل لإغنائه، أم يتحول عملياً إلى منهاج موازٍ؟ ثم، إذا أصبحت موارد الريادة جزءاً من مرجعية وطنية موحدة، فإلى أي حد تستطيع المدرسة الخصوصية أن تحافظ على اختلافها من دون أن تتحول هذه الخصوصية إلى خروج عن المرجعية المشتركة؟
فالاستقلال البيداغوجي حق، والابتكار مطلوب، لكنهما لا يعنيان أن يكون لكل مؤسسة منهاجها الفعلي ومعيارها الخاص لما ينبغي أن يتعلمه المتعلم..
اللغات الأجنبية في التعليم الخصوصي: تعلّم أم تسويق؟
تظهر الفجوة نفسها في تدريس اللغات الأجنبية. فقد بنت مؤسسات خصوصية كثيرة جزءاً من هويتها على تكثيف الفرنسية، وإدخال الإنجليزية في سن مبكرة، بل وتدريس بعض المواد بهما. ولا خلاف حول أهمية اللغات الأجنبية، لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول من أداة للتعلم إلى عنصر للتمايز والتسويق.
ويزداد الأمر تعقيداً مع مشروع الريادة، الذي لا يوحد المضامين فقط، بل يضبط أيضاً زمن الحصص وتسلسل أنشطتها، خصوصاً في العربية والفرنسية والرياضيات. وهنا يطرح سؤال عملي: كيف ستتعامل المدرسة الخصوصية مع هذا التنظيم إذا كانت تمدد زمن الفرنسية، وتضيف مواد أخرى، وتقلص في المقابل الحيز المخصص لبعض المواد الرسمية؟ إن إعادة توزيع الزمن المدرسي ليست مسألة تقنية محضة، بل تعكس ترتيباً للأولويات. وكل ساعة تضاف إلى مادة تؤخذ عملياً من زمن مادة أخرى. لذلك يصبح السؤال: إلى أي حد يظل للمؤسسة هامش في توزيع الزمن المدرسي، ومتى يتحول هذا الهامش إلى مساس بالتوازن الذي يفترضه المنهاج الرسمي؟
المدرسة الخصوصية أمام الريادة: هل يزعجها أن تصبح الجودة قابلة للقياس؟
لا تتعلق المسألة التي نناقشها بالمحتوى الدراسي فقط. لأن مشروع الريادة يقوم، في جانب أساسي منه، على منطق دقيق للتقويم والتتبع وقياس المؤشرات في مختلف المحطات. إذ تخضع التعلمات لتقويمات منتظمة، وروائز، وعمليات تحقق، ومواكبة، وزيارات تفتيشية، وافتحاص داخلي وخارجي، بما يجعل أداء المتعلم وأداء المؤسسة معاً موضوعاً للقياس والمتابعة.
ويزداد هذا المنطق وضوحاً مع توحيد الفروض والمراقبة المستمرة والامتحانات على الصعيد الوطني، بحيث تُجرى وفق نفس المضامين والشروط وفي التوقيت والتاريخ والمدة نفسها، وعبر مختلف المستويات الدراسية. وبذلك لا يعود التقويم شأناً داخلياً لكل مؤسسة، تحدد شروطه ودرجة صعوبته وكيفية بنائه بصورة منفردة، بل يصبح جزءاً من منظومة وطنية تسمح بقياس النتائج ومقارنتها والتحقق من مستوى التعلمات بصورة أكثر موضوعية.
وإذا انتقل هذا المنطق إلى التعليم الخصوصي، فلن يبقى النقاش محصوراً في جمالية المؤسسة، أو كثافة حضور الفرنسية والإنجليزية، أو طبيعة الكتب والموارد المعتمدة. بل ستطرح أسئلة أكثر حساسية: ما المستوى الحقيقي للمتعلم عند الدخول؟ وما مقدار التقدم الذي حققه خلال السنة؟ ومن المتعثر؟ وما الخطة الموضوعة لمعالجة تعثره؟ وهل تعكس النقط الممنوحة له كفاياته الفعلية؟ وكيف تتموقع نتائج المؤسسة مقارنة بنتائج مؤسسات أخرى عندما يخضع الجميع لتقويمات موحدة وفي الشروط نفسها؟
هنا قد تكمن إحدى أكثر نقاط الريادة حساسية بالنسبة إلى المدرسة الخصوصية. لأن التقويم في هذا النموذج لا يختبر المتعلم وحده، بل يضع المؤسسة نفسها أمام مؤشرات قابلة للقياس والمقارنة والتحقق. وعندئذ لا تصبح الجودة مجرد صورة تقدمها المؤسسة عن نفسها، بل نتيجة يمكن إخضاعها للتقويم والافتحاص والمقارنة.
المأزق يقترب: امتحانان للسادس ابتدائي؟
هنا نصل إلى أكثر النقاط حساسية. فقد سبق للوزارة أن اعتمدت، بالنسبة لمتعلمي المستوى السادس في مدارس الريادة، مواضيع وطنية موحدة في اللغة العربية والفرنسية والرياضيات صادرة عن المركز الوطني للامتحانات المدرسية وتقييم التعلمات، بهدف تقييم متعلمي هذه المؤسسات وفق معيار واحد، بعد أن أصبحت طرق التدريس والموارد موحدة على المستوى الوطني. وفي المقابل، ظل المتعلمون في المؤسسات غير الرائدة خاضعين لصيغ تقويم تختلف بحسب طبيعة الامتحان ومستواه التنظيمي. ومع وصول مدارس الريادة إلى حوالي 80% من المدارس العمومية خلال الموسم الحالي، يصبح هذا الاختيار أكثر حساسية.
صحيح أن المقرر الوزاري لتنظيم السنة الدراسية 2026-2027 ما يزال يسمي امتحان نهاية السنة السادسة، المبرمج يومي 25 و26 يونيو 2027، “الامتحان الموحد الإقليمي لنيل شهادة الدروس الابتدائية”، ولم يصدر، وفق ما هو منشور إلى الآن. لكن تجربة توحيد المواضيع وطنياً داخل مدارس الريادة أصبحت قائمة بالفعل. وهنا تظهر “المصيدة” التي ستواجه الوزارة كلما اقتربت من تعميم النموذج.
لنفترض أن كل المدارس العمومية أصبحت رائدة، وأن منطق توحيد التقويم الوطني استمر معها. ماذا سيفعل متعلمو السادس في التعليم الخصوصي؟ هل سيجتازون الامتحان الوطني نفسه رغم أنهم لم يدرسوا وفق نموذج الريادة وموارده وإيقاعه؟ إذا كان الجواب نعم، فإن الوزارة ستكون، من الناحية العملية، قد فرضت على التعليم الخصوصي مخرجات نموذج لم ينخرط فيه. وإذا كان الجواب لا، فهل ستنشئ امتحاناً خاصاً بالتعليم الخصوصي؟
عندها سنصبح أمام مفارقة أغرب: متعلمون مغاربة في المستوى الدراسي نفسه، يحصلون على الشهادة نفسها، لكنهم يخضعون لامتحانين مختلفين لأن أحدهم في العمومي والآخر في الخصوصي.
فأي معيار سيحدد التكافؤ بين النتيجتين؟ وهنا نطرح السؤال: هل ستكون 7/10 في امتحان مدارس الريادة مساوية لـ7/10 في امتحان التعليم الخصوصي؟ وكيف ستفسر الوزارة للأسر وجود معيارين وطنيين لنهاية التعليم الابتدائي؟
وهناك احتمال ثالث أكثر إحراجاً: أن تتراجع الوزارة عن توحيد الامتحان أصلاً أو حذفه نهائيا، ليس لأسباب تربوية، وإنما لتجنب هذه المعضلة. إذا حدث ذلك، فسنكون أمام وضع كاريكاتوري: إصلاح يقودنا إلى أداة أقوى للمقارنة والشفافية، ثم نتراجع عنها عندما تصبح نتائج المقارنة نفسها مزعجة.
بعد التعميم… هل يمكن أن يبقى التعليم الخصوصي خارج النموذج؟
اليوم يمكن القول إن مدارس الريادة مشروع خاص بالعمومي. لكن عندما يصبح كل الابتدائي العمومي تقريباً رائداً، ستتغير طبيعة المسألة. لن يعود لدينا “مشروع” داخل المدرسة العمومية. بل سيصبح لدينا نموذج رسمي جديد للمدرسة العمومية المغربية. وعندها سيكون استمرار التعليم الخصوصي خارج هذا التحول بحاجة إلى تفسير جديد.
هل سيطبق المنهاج نفسه؟ هل سيخضع للتقويمات المرجعية نفسها؟ هل ستصبح روائز التشخيص وطنية؟ هل ستعتمد محطات موحدة لقياس التعلمات؟ هل ستتم مراقبة مدى احترام المنهاج الوطني فعلياً؟ وماذا سيحدث للكتب الأجنبية التي تحولت في بعض المؤسسات من موارد تكميلية إلى العمود الفقري للعمل اليومي؟ هذه ليست أسئلة تقنية صغيرة. إنها أسئلة حول وحدة النظام التعليمي.
المدرسة الخصوصية تحت سلطة الدولة… لكن من يراقب الجودة؟
وهنا ينبغي التخلص من فكرة أخرى: أن المؤسسة الخصوصية مستقلة إلى درجة تمنع الوزارة من التدخل. القانون الجديد واضح. مؤسسات التعليم الخصوصي تخضع للمراقبة التربوية والإدارية والصحية بصفة منتظمة، وتهدف المراقبة التربوية إلى التأكد من تطبيق البرامج المعمول بها واحترام التنظيم التربوي. كما يسمح القانون للمؤسسة بمشروع تربوي خاص، لكنه لا يمنحها سلطة مستقلة في تحديد المنهاج. إذن المسألة ليست ضعف الأدوات القانونية. السؤال هو مقدار استعمال الدولة لهذه الأدوات.
لماذا تدخل الوزارة بهذه الكثافة إلى القسم العمومي، بينما يظل القسم الخصوصي أقل حضوراً في النقاش حول التقويم الموضوعي للتعلمات؟ لماذا أصبحت المؤسسة العمومية مطالبة بإثبات نتائجها، بينما يبقى جزء مهم من صورة المؤسسة الخصوصية قائماً على السمعة، ونسب النجاح، واللغة، والكتاب، ورأي الأسر؟
مقاومة الريادة: حين تصبح الجودة في حاجة إلى إثبات
يمكن قراءة جزء من مقاومة بعض الفاعلين في التعليم الخصوصي لمشروع الريادة ضمن هذا السياق. ليست المسألة بالضرورة رفضاً للتعليم الصريح أو للدعم وحدهما. فالاقتراب من نموذج الريادة قد يعني أيضاً الاقتراب من رقابة أكبر، ومن تقويمات أكثر توحيداً، ومن معايير تجعل النتائج قابلة للمقارنة، ومن إعادة وضع المنهاج الوطني في مركز العملية التعليمية. وكل هذه الأشياء تمس النموذج الذي بنت عليه مؤسسات كثيرة اختلافَها.
إذا كانت المؤسسة تقدم نفسها باعتبارها ذات مستوى أعلى، فإنه من الطبيعي أن يكون هذا التفوق قابلا للإثبات من خلال تقييمات معيارية. وإذا كانت تقول إن كتبها الأجنبية أفضل، فإن التقويم سيقيس أثرها في التعلم لا ثمنها. وإذا كانت تقول إن متعلميها متميزون، فإن الامتحانات الخارجية ستحدد مقدار هذا التميز. وإذا كانت معدلات المراقبة المستمرة مرتفعة، فإن أداة وطنية موحدة ستخبرنا إن كانت هذه المعدلات تعكس فعلاً المستوى نفسه. هنا يصبح توحيد التقويم أكثر من مجرد قرار بيداغوجي، إذ يتحول أيضا إلى أداة تعزز شفافية السوق التعليمية.
الريادة والتعليم الخصوصي: مسؤولية الوزارة أيضاً
إن تحميل المسؤولية للقطاع الخصوصي وحده سيكون خطأ كبيرا. لأن الوزارة هي التي اختارت منذ البداية أن تجعل الريادة مشروعاً للمدرسة العمومية. وهي التي تتحمل اليوم مسؤولية الإجابة عن سؤال ما بعد التعميم. لا يكفي أن تقول للمدرسة العمومية: هذا هو النموذج الجديد للجودة، ثم تترك التعليم الخصوصي في منطقة مختلفة من المنظومة. لأن الوزارة ليست وزارة التعليم العمومي. إنها وزارة التربية الوطنية. ومن حق المؤسسة الخصوصية أن تختلف في الطريقة، وأن تبتكر، وأن تضيف لغات وموارد وبرامج داعمة. لكن ليس من حق أي مؤسسة، عمومية أو خصوصية، أن تحدد وحدها معنى الجودة.
لا نحتاج إلى فرض نموذج الريادة على التعليم الخصوصي، بل إلى إقرار معيار وطني موحد للجودة
لهذا لا أعتقد أن الحل هو إجبار كل مدرسة خصوصية غداً على أن تصبح “مدرسة رائدة” حرفياً. ذلك قد يحول أداة إصلاح ناجحة في سياق معين إلى وصفة وحيدة. المطلوب أعمق. ينبغي أن يمتلك المغرب قاعدة وطنية واحدة لما يجب أن يتعلمه المتعلم، ومعايير وطنية مشتركة لقياس ذلك.
يمكن للمؤسسة الخصوصية أن تدرس الإنجليزية أكثر. وأن تستعمل كتباً أجنبية داعمة. وأن تطور مشروعاً خاصاً. وأن تستخدم طرائق مختلفة تماماً عن مدارس الريادة. لكن عليها في النهاية أن تثبت، بمعيار مستقل، أنها حققت للمتعلم الكفايات الوطنية المطلوبة. وهنا يصبح الامتحان الموحد مهماً جداً. ليس لأنه وسيلة للمعاقبة. بل لأنه يمنع كل مؤسسة من أن تصنع معيار نجاحها الخاص ثم تحكم على نفسها بأنها ناجحة.
السؤال الذي لن يعود قابلاً للتأجيل: منظومة واحدة أم منظومتان؟
بعد تعميم مدارس الريادة، سيكون على الوزارة الاختيار. إما أن تعتبر جودة التعلمات التي بنت عليها مشروع الريادة معياراً وطنياً، وعندها ينبغي أن تشمل أدوات قياسها التعليم الخصوصي أيضاً. وإما أن تستمر في التعامل مع العمومي والخصوصي باعتبارهما عالمين تربويين مختلفين، وعندها سيكون عليها أن تشرح كيف يمكن لمنظومة واحدة أن تمتلك معيارين مختلفين لنهاية المرحلة الابتدائية.
أما أن يصبح كل التعليم العمومي “رائداً” وخاضعاً لمسار تقويم موحد، بينما يظل التعليم الخصوصي خارج هذا المسار، فسيجعل السؤال أكثر إحراجاً مما هو عليه اليوم: هل لدينا فعلاً منظومة وطنية واحدة للتربية والتعليم، أم منظومتان تتقاسمان الشهادة نفسها وتختلفان في تعريف ما يعنيه استحقاقها؟
هذه هي القضية التي تتجاوز مشروع “مدارس الريادة”. فالمشكلة ليست في أن التعليم الخصوصي لم يحصل على شارة “الريادة”. المشكلة هي ما إذا كان سيظل قادراً، بعد تعميم المشروع، على البقاء خارج منظومة وطنية مشتركة لقياس التعلمات ومراقبة الجودة. وعندها ستصبح الوزارة أيضاً أمام امتحانها الخاص. ليس امتحاناً في العربية أو الفرنسية أو الرياضيات. بل امتحان في قدرتها على الانتقال من إصلاح المدرسة العمومية إلى حكامة المدرسة المغربية بكل مكوناتها. لأن وحدة المنظومة لا تتحقق بمجرد حصول المتعلمين على الشهادة نفسها، بل بأن تحمل هذه الشهادة القيمة التربوية نفسها، بصرف النظر عن المؤسسة التي درسوا فيها.
مقال رائع يطرح إشكالات جوهرية تعاني منها المنظومة التعليمية المغربية ومنها ثنائية التعليم العمومي والتعليم الخصوصي.
برافو
ربما بدون الخوض في الأسباب التاريخة والسياسية والفساد ووو…على منظومة التعليم العمومي البداية في إمتصاص مَنْ كان مُتَنفسا لها:بعد الإستقلال كان هناك ضغط/طلب على المدرسة العمومية فاق القدورات المالية للدولة لِيَتم الإستنجاد بالمدارس الخصوصية،كثرة الأزمات المالية التي عاشها المغرب أصبح الحق في التعليم والسكن والأمن(التي هي أساس الدول) مجرد سلعة تُباع.اليوم لإسترجاع هيبة الدولة لابد من إلزام كل مُستغل لرخصة عمومية تطبيق ما ورد في دفتر تحملاتها،على المدارس الخصوصية الإعتماد على أُطرها الخاصة بدل الإعتماد على الأطر التابعة لوزارة التعليم.هذا سيخلق ضغطا على المدرسة العمومية من حيث الجودة:سنتحول من منطق “هاد شي لي كاين وإلا ماعجبك الحال” إلى منطق “ما عنديش فين نمشي وإخصكوم تديرو خدمتكم وإلا غادي نمشي عند البوليس أو وكيل الملك أو…”أي المحاسبة
لا حول ولا قوة الا بالله
مدارس الريادة فاشلة
و تريدون تعميم الفشل على المدارس الخصوصية التي تعتبر الملجأ الاخير للاباء الذين لم يختاروه حبا في التعليم الخصوصي بل هربا من رداءة التعليم العمومي رغم المبالغ الباهظة التي تفرض عليهم
تحليل دقيق ،بعين ثاقبة لمؤطر تربوي متمرس.شكرا دكتور رشيد.اثرت قضية تربوية حديثة،والمتمثلة في نقاش المدرسة الرائدة والمدرسة الخصوصية،وكيفية والتكييف.قضية تجاهلها جل التربويين المغاربة،عمدا اوسهوا.اكرر شكري صديقي،اتمنى ان تتم معالجة هذه المسألة في أقرب وقت ممكن
يستقيم هذا التحليل لو أن كل ما يتم التنظير له يعرف طريقه إلى التنزيل الصفي، لا على مستوى تصريف التعلمات، ولا على مستوى التقويم واحترام معاييره ومخرجاته.
دفاعا ضمنيا عن مشروع مدارس الريادة، وتسويقا له على أنه الحل للتعثرات الضاربة في العمق التي تعاني منها المدرسة العمومية المغربية بخصوص التعلمات الأساس. كما أن هناك هجوما غير مبرر على المدرسة التعليمية الخصوصية كونها لم تنخرط بعد في هذا المشروع الذي لم تثبت نجاعته الفعلية -إن وجدت- بغض النظر عن الأرقام الصادرة عن الوزارة والتي يعلم كل رجال ونساء التعليم كيفية انتاجها.
وبخصوص مسألة إجبار المؤسسات الخصوصية على الانخراط في المشروع، فهو أمر من سابع المستحيلات (إلا إذا قامت الوزارة بتحفيز القطاع …). فالمؤسسة الخصوصية مقاولة بالدرجة الأولى، تبيع التعليم ولا تعرف المجانية، كما من حقها أن تعلن إفلاسها وتغلق أبوبها هذا ما لا تتمناه الوزارة، لأنها واعية تمام الوعي بالدور الذي تلعبه هذه المؤسسات في إحتواء عدد كبير من المتعلمين/ات (15 في المئة) وتخفيف العبء على المدرسة العمومية.
وحتى الآن لا يحق لنا الحكم على المشروع بالنجاح أو الفشل مادام يعاني – كسابقيه- مشاكل كبيرة في التنزيل (تأخر في صيانة وتجديد المؤسسات، تأخر التجهيزات، كبت شبه غائب وقس على ذلك كثير…)