حين يطلب سانشيز من المغرب الثقة والاحترام!

حين يطلب سانشيز من المغرب الثقة والاحترام!
الثلاثاء 25 ماي 2021 - 22:00

كان ملفتاً ذلك التصريح الذي أدلى به رئيس وزراء إسبانيا أمس فور وصوله إلى بروكسيل لحضور القمة الأوربية. إذ بدأ بتثمين التضامن الذي حصلت عليه إسبانيا من المجلس الأوربي والمفوضية الأوربية والبرلمان الأوربي في أزمتها مع المغرب بسبب عبور سبتة. ولم ينس سانشيز التذكير بأن لإسبانيا علاقات تاريخية مع المغرب، لكنه أردف هذا التوصيف بالقول إن إسبانيا تريد لهذه العلاقات أن تكون بناءة، وحتى يتحقق هذا لا بد من تعامل المغرب مع إسبانيا وفق مبادئ حسن الجوار والثقة والاحترام! كمتابع لتصريحات القادة السياسيين حول العالم والغربيين خصوصاً، لا يمكنني إلا أن أندهش من الخطاب الديماغوجي المكشوف الذي يصر بيدرو سانشيز على استخدامه في عقر مقر الاتحاد الأوربي ببروكسيل. فبإمكان أي ملاحظ له الحد الأدنى من مهارات تحليل الخطاب أن يعدد مزالق سانشيز ويكشف تغليطه وتضليله الرأي العام الأوروبي والمغربي.

أولا، سانشيز يواصل لغة القفز إلى الأمام عبر مطالبته المغرب باحترام مبدأ حسن الجوار، متناسياً أن إسبانيا هي التي خرقت هذا المبدأ بشكل سافر عبر تهريبها بهوية مزورة زعيم ميليشيا البوليزاريو المدعومة جزائرياً إبراهيم غالي على متن طائرة رئاسية جزائرية لتلقي العلاج في أحد مستشفياتها قرب سرقسطة، وهي تعلم مسبقاً أنه عدو المغرب ومتابَع بدعاوى قضائية بسبب جرائم الحرب التي اقترفها في حق مواطنين ومواطنات مغاربة وإسبان على حد سواء، فضلاً عن مذكرة الاعتقال الدولية التي أصدرتها ضده إسبانيا نفسها عام 2016. لسنا ضد تقديم العلاج لزعيم ميليشيا البوليزاريو، فنحن نعرف أن الحصول على العلاج حق إنساني تضمنه المواثيق والقوانين الدولية للجميع بمن فيهم المجرمين والملاحَقين قضائياً، لكننا ضد قيام دولة ذات مؤسسات وتنتمي لنادي ديموقراطيات أوروبا بتزوير هوية انفصالي عدو للمغرب بالتواطؤ مع جنرالات “الجارة” الشرقية الذين يواصلون مكائدهم ضد المغرب. نعكس إذن السؤال على سانشيز ونقول له: هل تزوير هوية عدو بلدكم “الجار” وتهريبه إلى أرضكم بعد التواطؤ والتآمر مع دولة ثالثة تعبير عن حسن الجوار؟ هل كانت إسبانيا مثلاً ستقبل لو أقدم المغرب فرَضاً على استقبال الرئيس السابق لإقليم كطالونيا كارليس بوتشيمون الذي طالب بانفصال كطالونيا عن إسبانيا عام 2017؟! حتماً كانت إسبانيا لتُقيم الدنيا ولا تُقعدها. لكن عقيدة المغرب السياسية تقوم على تأييد الوحدة وليس التشرذم والوقوف ضد دعاة الانفصال في كل ربوع العالم.

كان بإمكان سانشيز تفادي أزمته الحالية مع المغرب لو أنه أصغى إلى صوت العقل. فبحسب تسريب جريدة “إل باييس” في 11 مايو، عارض وزير داخلية إسبانيا فيرناندو غراندي مارلاسكا الذي هو قاض إسباني يمارس القضاء منذ ثمانينيات القرن الماضي تهريب زعيم البوليزاريو إلى إسبانيا دون إخبار المغرب عندما كانت الحكومة الإسبانية تناقش سراً طلب الجزائر. فمن بين السيناريوهات الثلاثة التي ناقشها وزراء سانشيز، رفض وزير الداخلية سيناريو عدم إخبار المغرب جلب الانفصالي لتلقي العلاج في إسبانيا لمعرفته المسبقة بأن ذلك سيتسبب في تأزيم العلاقات مع المغرب. ولا شك أن الخلفية القانونية والقضائية للسيد فيرناندو جعلته يدرك يقيناً أن إيواء مجرم ملاحَق قضائياً هو سلوك متهور ويفتقد إلى السداد، لكن صوته لم يُسمَع للأسف، كما حصل سابقاً لدى توليه حقيبة الداخلية، حيث كان قد طالب عام 2018 بإزالة الأسلاك البدائية الشائكة من حدود سبتة وامليلية مع المغرب احتراماً لكرامة المهاجرين غير النظاميين الذين تعد هذه الأسلاك مهينة لهم وملحِقة إصابات بدنية بكل من يحاول عبورها، بحسب تعبيره حينها! وقد صدق ما تكهن به فرناندو. ونأمل أن يلازمه ضميره فيفتح تحقيقاً في عناصر حرس الحدود الذين رصدتهم الكاميرات يعنفون المهاجرين القاصرين ويضربونهم، إذا كان ما زال يؤمن بأن للمهاجرين كرامة!

ثانياً، تكرار بيدرو سانشيز كلمتي “الثقة” و”الاحترام” يبعث فعلاً على الاستغراب. فالثقة لا تنجح إلا إذا كانت متبادلة، وكذلك الاحترام. فكيف إذن يخون سانشيز هذه الثقة ويطالب المغرب بعد ذلك بالثقة؟! ليس هذا فحسب، بل يستنكر عليه حقه في الدفاع عن نفسه مقابل هذه الخيانة! فلسان مقاله وحاله يُظهر أنه ربما يتوقع من المغرب أن يمنحه خده الأيسر لصفعه بعد أن صفعه على خده الأيمن! فإعطاء سانشيز الضوء الأخضر لتهريب زعيم البوليزاريو وتجاهل “جاره” المطالَب باحترامه هو جحود وكفران بقيم حسن الجوار وتنكر للخدمات المجانية التي يقدمها له في مجال مكافحة الهجرة السرية والإرهاب وغيرهما وذلك موثق بالتقارير والأرقام.

ثالثاً، قول سانشيز إن العلاقات بين إسبانيا والمغرب “تاريخية” ويجب الحفاظ عليها وجعلها “بناءة” هو تصريح حمَّال أوجه. فلا ندري هل يقصد سانشيز بصفة “التاريخية” تذكير المغرب بالتاريخ الكولونيالي لإسبانيا في أراضيه الشمالية التي تركها بواراً وخراباً بعد أن اضطهد أهلها وأطلق الغازات الكيماوية على عدد منهم! إذا كان يحيل إلى ذلك التاريخ الاستعماري، فالأحرى به أن يعتذر عنه ولا يستحضره في سياقات كهذه. أما طموحه بأن تكون هذه العلاقات بناءة، فهو بدوره مستغرب! فكيف يستعمل معول التآمر والتواطؤ ضد الوحدة الترابية للمغرب وينشد علاقات بناءة! كان حرياً به أن يعتذر عن التصرف الهدام الذي اقترفته مدريد في حق المغرب حتى يتسنى للبلدين ترميم هذه العلاقات ثم جعلها بناءة. أما غير ذلك فهو مجانبة للصواب.

رابعاً، بدءُ سانشيز حديثه مثمناً التضامن الأوربي ومفتخراً به يعكس معيار الكيل بمكيالين الذي تنهجه المؤسسات الأوروبية ويفضحها. فهي ضربت عرض الحائط الكبائر التي ارتكبتها إسبانيا مع زعيم البوليزاريو وتهافتت بشكل أعمى للتضامن معها ضد المغرب، حيث لم يتورع مسؤولوها في اجترار عبارة “حدود إسبانيا هي حدود أوروبا” عند تعليقهم على أحداث عبور سبتة، متناسين جذور المشكلة الكامنة في معاداة إسبانيا لمصالح المغرب عبر استقدامها انفصالياً أصدرت هي بنفسها مذكرة اعتقال في حقه قبل خمس سنوات، وها هي تجلبه إلى أراضيها على متن طائرة رئاسية! وقد أصابت الخارجية المغربية بتذكير إسبانيا بتحيين نظرتها حول المغرب حتى يدرك أن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس. إذ عليها فعلاً التخلص من نظرتها الاستعمارية الاستعلائية عند التعامل مع المغرب. من جهة أخرى، نعتقد أن استخدام الجارة الشرقية سلاح الابتزاز بالغاز والنفط ومواردهما ولو أنه نجح في الإيقاع بإسبانيا التي تستورد أكبر حاجاتها الغازية منه، فإنه لن يكون طويل الأمد والنَّفَس. كما أن استخدام موارد النفط والغاز لشراء ولاءات الدول الإفريقية عبر استغلال هشاشتها الاقتصادية لن يطول. إذ هناك لاعبون جدد في إفريقيا وأبرزهم الصين التي يتزايد نفوذها في القارة السمراء عبر قروضها للاستثمار في البنية التحتية، مما سيجعل تأثيرها أكثر تنامياً واستدامةً، عكس الاستثمار في شراء الذمم الذي ينهار بتغير القيادة في البلد، خصوصاً في إفريقيا التي لا تستقر أوضاع الحكم فيها على حال.

خامساً وأخيراً، الأسطوانة التي ترددها إسبانيا وأوروبا وخلفها راعية ميليشيا البوليزاريو لتبرير استقدام الزعيم الانفصالي للعلاج أصبحت مشروخة وغير مقنعة. صحيح أن العلاج حق إنساني لكل البشر بمن فيهم المجرمون، لكن شرط القيام بذلك علناً وشرط إخضاع المجرم للعدالة بعد تعافيه. كما أن أسطوانة الدواعي الإنسانية التي تتغنى بها إسبانيا الآن تآكلت مصداقيتها أمام الرأي العام العربي والعالمي بعد إصرار الدول الأوروبية على الدفاع عن إسرائيل في قتلها أكثر من 60 طفلاً و40 امرأة ونحو 20 مسناً وإصابة الآلاف بجروح وعاهات مستديمة في غزة وتسوية بنيتها التحتية بالأرض.

نقول إذن لبيدرو سانشيز إنه يمكنه أن يتبجح بتضامن أوروبا معه في أزمته مع المغرب، لكن لا يحق له إعطاء دروس للمغرب حول حسن الجوار والثقة والاحترام. أما المغرب فسنده وداعمه هو عدالة قضيته والتفاف شعبه حوله إيماناً منه بأن الوحدة الترابية هي من أقدس الثوابت التي لا يمكن التفريط فيها ولا السماح لأي طرف، فرداً أو دولة، بالعبث بهذه الثوابت أياً كانت المبررات.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • الحاج
    الأربعاء 26 ماي 2021 - 09:21

    تحليل منطقي ومعقول وكلام في الصميم يوضح ويؤكد على حقيقة الخلاف بين اسبانيا والمغرب

  • Amaghrabi
    الأربعاء 26 ماي 2021 - 11:35

    مقال جيد سيدي هشام المحترم,قيل للامام علي كيف تهزم خصمك,قال ّانا ونفسه عليه”بمعنى ان تبين لخصمك قوة نفسك وشجاعتك وعدم خوفك مما يقع.الحمد لله دولتنا اصبحت ترفع رؤوسنا وتجعل الاقوياء يحترموننا وسيحسبون الف حساب في المستقبل لكي يتئامرون علينا لانه مع الاسف دولتنا تكرم الكثير ولكن يتمردون وكما قال الشاعر “اذا اكرمت اللئيم تمردا”العدو الجزائري اكرمنا شعبا ودولة تمرد واسبانيا اكرمناها في بحبوحتها وايام شدتها فتمردت وتئامرت مع اعداء وحدتنا الترابية والمانيا فتحنا لها ارضنا من شمالها الى جنوبها لتستثمر كيف تشاء ومع ذلك تعمل في الخفاء والعلن من اجل اطروحة اعدائنا الجزائريين ومريطانيا الذي اقتسمنا معهم صحراءنا على اساس ان مريطانيا والمغرب ترض واحدة فصلها الانفصاليون الذي يستعملون اوتار العنصريات والعواطف التي تمزق الشعوب انجرت نحو الاعداء واعترفت بكيان واضح جدا انه صناعة اعدائنا الجزائريين.واخيرا انا مع دولتي ان تعامل كل الطغاة والمنافقين والمناورين بالشدة والوضوح وايقاف كل واحد الى حده فلتسقط السماء على رؤوسنا ان كانت هذه الدول من تمنع سقوطها علينا

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 15

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00 1

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟