حين يفقد التراث صوته

حين يفقد التراث صوته
الجمعة 1 غشت 2025 - 06:20

حين تُطلق على مهرجان اسما غنيا ودالا من قبيل “الفن العيساوي وإيقاعات العالم”، فأنت تَعد جمهورك برحلة فنية تتقاطع فيها الروح المغربية العميقة مع نبض العالم المتنوع؛ لكن حين يتحوّل هذا الوعد إلى “كوكتيل” غريب يجمع بين الحضرة والبوب، وبين الذكر الصوفي وموسيقى “الراب”، دون أي رؤية أو انسجام، فإن الأمر يستدعي الوقوف والنقد.

هذا المقال ليس رفضا للانفتاح ولا دعوة إلى الجمود؛ بل هو محاولة لتسليط الضوء على الاختلالات الفنية والتصورات المرتبكة التي وقعت فيها برمجة المهرجان، وهو أيضا دعوة إلى إعادة التفكير في طرق تقديم التراث المغربي بما يليق بعراقته وتعدديته، خاصة حين يكون الموضوع هو الطريقة العيساوية، أحد أبرز تعبيراتنا الصوفية والفنية وأكثرها غنى وتنوعا.

من خلال عنوانه “الفن العيساوي وإيقاعات العالم”، كان من المنتظر أن يبني المهرجان رؤيته الفنية على تقاطع واضح بين التراث العيساوي المغربي وبين فنون العالم، في أفق البحث عن انسجامات ممكنة أو تفاعلات خلاقة بين ما هو محلي وعالمي؛ لكن ما عرض في الواقع بدا أقرب إلى تجميع عشوائي لأسماء فنية دون رابط جمالي أو مضمون فني جامع.

في هذا السياق، كان من المفيد أن يستفيد القائمون على المهرجان من تجربة مهرجان “كناوة وموسيقى العالم” بمدينة الصويرة، الذي استطاع عبر السنوات أن يقدم فنا مغربيا عريقا في قالب عالمي، دون أن يفرط في هويته أو عمقه الصوفي والروحي؛ بل جعل من هذه الهوية نقطة جذب أساسية للجمهور المحلي والدولي على حد سواء.

الفن العيساوي، كما هو معروف، ليس مجرد طقوس احتفالية؛ بل هو بناء روحاني معقد يتأسس على أنماط متعددة من الذكر والإنشاد والإنشاد الجماعي؛ فالمرددات العيساوية تتنوع بين:

ـ الأوراد، وأهمها حزب سبحان الدايم، الذي يشكل لحظة مركزية في الطقوس؛

ـ والتقييلة، وتكون بعد الدخول. وتأتي بعدها “الحضرة” و”المجرد” و”حادون”.

ووسط كل ما ذكرت نجد انفتاحا على أوراد أخرى من طرق صوفية مختلفة: كالدرقاوية (نسبة إلى محمد العربي الدرقاوي)، والغازية (نسبة إلى أبي القاسم الغازي السجلماسي)، والحمدوشية (نسبة إلى سيدي علي بن حمدوش).

ـ أما قصائد الذكر، فهي في الغالب الأعم من ديوان شعراء الملحون، مما يعكس التمازج العميق بين التصوف والوجدان الشعبي المغربي.

من هذا المنطلق، كان من الممكن أن يبنى المهرجان على هذا الثراء، وأن تبرمج سهراته وفق رؤية تستحضر هذه الفسيفساء الروحية، وتظهر امتداداتها أو صلاتها الممكنة مع أنماط موسيقية عالمية تشترك معها في النزعة الروحية، أو البعد الطقوسي، أو حتى في الإيقاعات والإلهام.

ما حدث، للأسف، هو العكس تماما؛ فقد اختُزلت “العيساوية” إلى مجرد فقرة افتتاحية، سرعان ما تلتها عروض لا تربطها بها أية صلة فنية أو روحية.. فما العلاقة، مثلا، بين ما تقدمه الطائفة العيساوية بقيادة عبد العالي المرابط، وما تقدمه منال بنشليخة أو حاتم عمور؟ وأين هو الجسر الممكن – ولو مجازا – بين الحضرة العيساوية، كطقس روحاني متجذر في الذاكرة المغربية، وبين موسيقى “البوب” أو “الراب” المغربي المعاصر؟

بل أكثر من ذلك، وقعت البرمجة في فخ التخمة والارتباك، إذ انطلقت السهرة في التاسعة ليلا لتستمر إلى ما بعد الثانية صباحا، متتابعة على الشكل التالي: الطائفة العيساوية، ثم “آش كاين”، ثم منال بنشليخة، وأخيرا حاتم عمور، أية خلطة فنية هذه؟ وأين هو “الطبق الفني المتوازن” الذي تبنى عليه أية برمجة احترافية؟!

ما كان ينتظر من مهرجان يحمل عنوان “الفن العيساوي وإيقاعات العالم” هو أن يقدم تصورا ثقافيا يُعيد الاعتبار إلى فن عريق، ويُظهر قابليته للتجدد والانفتاح، لا أن يُقزّمه إلى مجرد فقرة افتتاحية ضمن “كولاج” موسيقي بلا هوية، النجاح في تنظيم مهرجان فني لا يقاس بعدد الأسماء المشاركة؛ بل بمدى انسجامها مع الفكرة المركزية، ومدى احترامها لروح الفن الذي يراد الاحتفاء به.

إن تصحيح المسار لا يعني العودة إلى الانغلاق أو الاكتفاء بالنمط التقليدي؛ بل المطلوب هو التسلّح برؤية فنية واضحة تُراعي خصوصية الفن العيساوي، وتبحث له عن مساحات تفاعل ذكيّة مع فنون العالم، دون المساس بجوهره.

وحتى لا نكون عدميين، فإننا نقترح الآتي:

أولا ـ بناء برمجة موضوعاتية منسجمة: يكون كل عرض فني جزءا من رؤية شاملة تنطلق من خصوصيات الفن العيساوي وتبرز تفاعلاته الممكنة مع موسيقى صوفية من إفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية، بدل اللجوء إلى أسماء تجارية لا رابط لها بالمضمون.

ثانياـ الاستفادة من التجارب المغربية الناجحة: كالتجربة الفريدة لمهرجان كناوة بالصويرة، الذي يعد نموذجا يحتذى في التوفيق بين الهوية والانفتاح.

ثالثاـ دمج الجوانب الفكرية والتعليمية: عبر تنظيم ندوات أو ورشات تعريفية بتاريخ الفن العيساوي، وأنواعه، ورموزه؛

مما يسهم في تكوين جمهور ذواق، لا يستهلك العرض فقط بل يفهمه ويقدره.

رابعا ـ الاحترام الزمني والرمزي لفقرات الفن العيساوي: فلا يُعقل أن يُحشَر في بداية السهرة وكأنه مجرد تمهيد لما هو “أهم”، بل يجب أن يُقدم باعتباره جوهر المهرجان وروحه.

خامسا ـ الانفتاح على جيل جديد من الفنانين الروحيين، سواء من داخل المغرب أو خارجه، ممن يمكن أن يحدثوا تفاعلا حقيقيا مع العيساوية، لا من يقدمون فنونا تجارية محضة.

إن المهرجانات ليست مجرد منصات للعرض؛ بل فضاءات لبناء الذوق العام، وحين تُبنى برؤية دقيقة ومسؤولة، تسهم في تطوير الفنون والحفاظ على هويتها، بدل أن تُساهم في تمييعها أو اختزالها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الجمعة 1 غشت 2025 - 18:18

    التراث ليس مجرد تاريخ يحكى، بل روح تحيا في التناغم بين الأجيال، فلا تقتلوه بتعجل أو تشتت، بل اجعلوه جسرًا بين الماضي والحاضر، يُنير دروب الإبداع بلا أن يفقد جوهره.”

    أستاذ ياسين،
    أحييك على بصيرتك وعمق تحليلك لما شهدته برمجة مهرجان “الفن العيساوي وإيقاعات العالم”. لقد وضعت يدك على جرح حقيقي يعانيه التراث المغربي عند تقديمه خارج سياقه الأصيل، وأبرزتَ كيف يمكن للنية الطيبة في الانفتاح أن تتحول، عند افتقاد الرؤية، إلى سلطة تفرغ الهوية من معناها.

    اتفق معك تمامًا في أن الفن العيساوي ليس مجرد لحظة فولكلورية للعرض، بل هو نبع روحي يحمل رسائل أجيال من المتصوفة والمبدعين، وتقديمه داخل مهرجان مفتوح على العالم يجب أن يُبنى على تصورات دقيقة توازن بين الهوية والانفتاح، وألا يكون مجرد ذريعة لجمع أسماء فنية مشتتة لا يربطها رابط حقيقي مع جوهر الفن وروحه.

    وأختم بهذه الكلمات،
    “ليس أكبر خطر على التراث أن يُنسى، بل أن يُقدَّم بغير روحه. اجعلوا من كل احتفال رسالة وفاء، تستنهض الذاكرة وتوسّع أفق المعنى، ليظل الفن الأصيل نبعًا يُحيي الأجيال لا صدًى يخفت في زحام العابرين.”

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30

اللغات المغربية في الأدب والإعلام

صوت وصورة
حفر تهدد سلامة ساكنة بأكادير
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 13:10

حفر تهدد سلامة ساكنة بأكادير