حين يقف اللاعبون أمام الوطن

حين يقف اللاعبون أمام الوطن
صورة: أ.ف.ب
الخميس 25 يونيو 2026 - 14:19

لا أنتمي إلى أولئك الذين يطاردون كرة القدم في كلّ ملعب، ولا أتابع مبارياتها إلا لمامًا، حين تفرض المناسبة نفسها أو حين يحمل القميص ألوان فريقنا الوطني؛ فهناك يصبح الأمر مختلفًا، ويغدو النظر إلى الشاشة أقرب إلى مشاركة وجدانية في مصير جماعي. لكنني، وأنا أتابع المباريات الأولى من كأس العالم، وجدت نفسي مأخوذًا بما يسبق اللعب لا بما يحدث داخله: لحظة النشيد الوطني. قبل أن تتحرك الكرة، وقبل أن يبدأ الصراع على المساحات والأهداف، يقف اللاعبون في صمت مهيب، وتنهض الأعلام في الصورة، وتطل الأوطان من الوجوه المتوترة والعيون اللامعة. في تلك اللحظة تحديدًا أدركت أن كرة القدم تحمل معها ذاكرة الشّعوب، وكرامة الجماعات، وصورة الوطن حين يقف أمام العَالَم. ومن وحْي ذلك المشهد العابر، الذي لا يتجاوز دقائق قليلة لكنه يختصر مَعانٍ كثيرة، أكتب هذا الحديث.

ما تقولُه الأوطانُ عندَ بداية المباريَات

في اللّحظة التي يدخل فيها اللاّعبون إلى أرضية الملعب، لا تبدأ المباراة بوصفها مواجهة رياضية؛ يبدأ معها مشهد أوسع، يحمل الوطن إلى قلب العشب الأخضر. تصطف الأجساد في خط واحد، وتقترب الكاميرات من الوجوه، ويرتفعُ صخب المدرجات كأن الجمهور يستعدّ لسماع شيء أعمق من الموسيقى. ثم تعزف الفرقة الموسيقية النشيد الوطني، فيشدّ اللاعبون أكتافهم، ويرفع بعضهم رؤوسهم، ويضع آخرون أيديهم على صدورهم، بينما تبحث العيون عن العَلَم، وعن معنى الانتماء، وعن صورة الوطن كما تحتفظ بها الذاكرة. في تلك الثواني، يظهر اللاعب ابْنًا لتاريخٍ طويل: تاريخ عائلات انتظرت هذه اللحظة، ومدن صنعت موهبته، ومدارس وأحياء وملاعب صغيرة قادته إلى هذا المشهد الكبير. يتحوّل النشيد إلى بوّابة يدخل منها المجتمع كله إلى المباراة؛ تدخل معه الحكايات القديمة، وتدخل معه أسئلة الهوية، وتدخل معه السياسة التي لا تغيب عن الرياضة مهما حاولت الشعارات أن تجعلها لعبة خالصة. لذلك لا يسمع الجمهور اللحن وحده، يسمع شيئًا من تاريخه، ومن كرامته، ومن خوفه، ومن رغبته في أن يرى وطنه قويًا أمام أنظار العالَم.

في تلك اللحظة القصيرة، يتحوّل العشب الأخضر إلى مسرح ذاكرة، وتحمل الأقمصة ألوانًا أكبر من الرياضة. لا يأتي النشيد من فراغ. خلف كل لحنٍ تختبئ حكايةُ وطنٍ تشكّل بين الاستقلال والمقاومة، وبين وحدةٍ عسيرة وجرحٍ قديم استطاع المجتمع أن يُعلنهُ فخرًا. ليست الكلمات مجرد وصفٍ للوطن، إنها مرآةٌ لوعي الناس بذواتهم: أحرارًا، صامدين، مُتّحدين، أو سَاعين إلى تثبيت حضورهم في عالمٍ لا يعترف بالضّعفاء. من هنا ينبع حماس الجمهور؛ فالمدرّجات تشاهد أحد عشر لاعبًا، وفي الآن ذاته صورةً مُكثّفة للكَرامة والانتماء.

نشيدٌ واحد، وجوهٌ كثيرة، وطنٌ واحد

ثم تنتهي الموسيقى، ويبدأ الركض. لكن أثر النشيد يظل في الهواء. اللاعب الذي غنّى منذ ثوانٍ لا يلعب لنفسه، والجمهور الذي ردّد الكلمات لا يشاهد مباراة عادية. هكذا يصبح افتتاح المباراة درسًا سريعًا في معنى الوطن، مكتوبًا بالصوت، ومقروءًا في الوجوه، ومحسوسًا في الصمت الذي يسبق أول تمريرة.

تكشف الأناشيد أيضًا علاقة الشعوب بتاريخها. بعض الألحان تميل إلى الإيقاع الحماسي، كأنها تستدعي معارك التحرّر وحِراسة الحُدود. ألحانٌ أخرى تختار نبرة هادئة، فتربط الوطن بالأرض واللغة بالحنين. تلاحقُ عدسات البثّ الدّموع، الشّفاه المرتجفة، الأيدي الموضوعة على الصدر، الأطفال في المدرجات، والمشجع الذي يصرخ من آخر صفٍّ كأنه يُخاطب التّاريخ مباشرة. الإعلام يعرف أن تلك الثواني تنقلُ أكثر من صورة رياضية؛ إنها تمنح البطولة عمقًا عاطفيًا، وتحوّل الكاميرات لحظة الافتتاح إلى مشهد يعلق في الذاكرة الجماعية. ينتقل النشيد من المدرّجات إلى الشاشات، ثم يصل إلى البيوت والمطاعم والمقاهي والسكن الطلابي، فيجد فيه المشاهدون، ولا سيما المغتربون، طريقًا قصيرًا نحو الوطن، كأن النشيد وحده يكفي ليعيد إليهم شيئًا من المكان الذي ابتعدوا عنه. بهذا المعنى، يفتح النشيد سؤال الوحدة. فعندما يغنّي الجمهور الكلمات نفسها، لا تزول الفوارق الاجتماعية واللغوية، لكنها تتراجع مؤقتًا أمام إيقاع مشترك. يجد العامل والطالب والوزير والطفل والمسن أنفسهم داخل النبرة ذاتها، فتظهر بينهم هدنة رمزية لا تعالج مشكلات المجتمع، لكنها تكشف رغبة عميقة في الانتماء إلى معنى واحد، حتى حين يختلف الناس حول السياسة والاقتصاد والمستقبل.

حينَ تصمتُ المدرجَات ويتكلَّمُ الوطن

حين تنتهي آخر نغمة من النشيد، لا يختفي أثرها مع أول تمريرة أو أول صافرة. يبقى شيء منها في وجوه اللاعبين، وفي صوت الجمهور، وفي الذاكرة التي تحتفظ بتلك اللحظة أكثر مما تحتفظ أحيانًا بتفاصيل المباراة نفسها. قد يفوز الفريق، وقد يخسر، وقد يختلف الناس حول أداء الحكم أو خطة المدرب، لكن لحظة النشيد تظل خارج الحسابات الباردة للنتيجة. إنها تمنح اللقاء عمقًا إنسانيًا وسياسيًا واجتماعيًا، لأنها تجعل الناس يرَوْن الوطن في صورة ثابتة: علَمٌ يرتفع، صوت يتردّد، لاعبون يمثلون ملايين المواطنين، وجمهور يبحث في الفوز عن اعتراف رمزي بكرامته. هكذا يكشف افتتاح المباراة أنَّ الرياضة لا تعيش خارج التاريخ، وأن الملعب لا يفصل الناس عن قضاياهم، وإنما يجمعها في مشهد واحد شديد الكثافة. لذلك يصبح النشيد الوطني أكثر من مقدمة رسمية؛ يصبح مرآة يرى فيها المجتمع نفسه، ويرى فيها العالم ملامح أمة وهي تغني، تتذكر، تتوتّر، تحلُم، ثم تدخل المباراة كأنها تدخل فصلًا جديدًا من حكَايتها.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • مغربي كوايري سابق
    الخميس 25 يونيو 2026 - 14:45

    الحمد لله المغاربة الأحرار لايتزعزعون في شموخهم اذا قوبلت وطنيتهم بالتشكيك والتضليل والتقليل.من قبل الحاسدين الحاقدين….لكن هم معذورون لانهم لايعرفون حجم تعلق المغربي الحر ببلده،ولن يفهموا ذاك الإحساس.قطران بلادي ولا عسل البلدان.تاشكون حنا؟!ههههههه

  • asil loutf
    الخميس 25 يونيو 2026 - 15:03

    ألف شكر لكاتب هذا المقال السيد عبد الفتاح لقد أصبت مشاعرنا وقد لخصت روح الإنتماء، فقط أريد أن اذكر أن خلال أواخر سنة 2024 كانت هناك إحصائيات من جمعية دولية مختصة في الإنتماء للأوطان أنذاك إحتل المغاربة الرتبة الأولى لحبهم بالإنتماء لهذا الوطن الحبيب

  • عيد سعيد
    الخميس 25 يونيو 2026 - 15:45

    ليس أمام الوطن كعنوان : بل خلف الوطن يدفعون به إلى النصر و إسعاد الشعب رغم الفاسدين الدين عاثوا فسادا بالبلاد.
    الأوطان تسير إلى الأمام حينما يكون ورائها رجال شرفاء و أقوياء.

  • Md bihi
    الخميس 25 يونيو 2026 - 16:23

    مباراة هايتي يجب أن تبقى في أذهان الطاقم التقني و اللاعبين بسلبياتها و إيجابياتها. سلبياها، على الدفاع أن يتدارك الهفوات و عدم التنسيق و ترك المساحات التي إستغلّها هجوم الخصم و وقّع على هدفين خصوصا في الجهة اليسرى ، وكذا الفرص المهدورة الكثيرة التي كانت سانحة أمام هجوم المغرب لتسجيل أهداف أكثر في الشوط الأول لولا التسرع و اللعب الإنفرادي لبعض اللاعبين. أما الإيجابيات، فهو التغيير الذي قام به وهبي و أثمر هدفين الثالث لرحيمي و الرابع من تمريرة منه لجاسيم الذي و قّع على الرابع ما أربك دفاعات الهايتيين و أخرجهم من المباراة. حظ سعيد في باقي المشوار، إن شاء الله تكون مربوحة، وديما مغرب.

  • kwairi
    الجمعة 26 يونيو 2026 - 02:31

    في نظري المتواضع، كان من الأفضل ألا تستعمل الدول أناشيدها الوطنية السياسية في المحافل الرياضية، بل كان الأجدر أن يكون لكل دولة نشيدٌ رياضيٌّ خاص سلمي واخلاقي يُؤدَّى في المناسبات الرياضية. خذوا على سبيل المثال النشيد الوطني الفرنسي، Aux armes citoyens الذي تتضمن كلماته دعوةً صريحة إلى القتال والاقتتال وسفك الدماء. من العيب والعار أن تُفتتح مباراة رياضية، يفترض أن تقوم على الروح الرياضية والسلام، بكلمات تحرّض على العنف والحرب وسفك الدماء.

  • شوقي
    الجمعة 26 يونيو 2026 - 09:25

    شكرا هسبيرس على هذه الزاوية فيها من الحكمة ما يفيد ويمتع وهذه الزاوية موضوعها لافت للنظر صحيح أنه حين يقف اللاعبون أمام الوطن، لا تعود المباراة مجرد تسعين دقيقة، ذلك أنها تتحول إلى عهدٍ صامت بين القلب والراية. فكل خطوة في الملعب تصبح مسؤولية، وكل عرقٍ يسقط يصبح شهادة حب، وكل نشيد يُردَّد قبل البداية يذكّر اللاعبون بأنهم لا يلعبون لأنفسهم … يلعبون من أجل أحلام شعبٍ ينتظر منهم أن يجعلوه يرفع رأسه بفخر.
    شكرا للأستاذ لحجمري

صوت وصورة
عروض التبوريدة تفتتح موسم طانطان
الأحد 1 نونبر 2026 - 01:24

عروض التبوريدة تفتتح موسم طانطان

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | موعد الحسم
السبت 31 أكتوبر 2026 - 22:00 1

أبعاد استراتيجية | موعد الحسم

صوت وصورة
منتخب قصار القامة يستعد للمونديال
السبت 31 أكتوبر 2026 - 18:37

منتخب قصار القامة يستعد للمونديال

صوت وصورة
دار الشباب سوس العالمة
السبت 31 أكتوبر 2026 - 13:39

دار الشباب سوس العالمة

صوت وصورة
مشروع لتربية الأسماك بإفني
السبت 31 أكتوبر 2026 - 11:30 2

مشروع لتربية الأسماك بإفني

صوت وصورة
منازل تهدد المارة بالدار البيضاء
السبت 31 أكتوبر 2026 - 10:36 1

منازل تهدد المارة بالدار البيضاء