خبراء يناقشون بالرباط تداعيات التشرذم الجيو-اقتصادي على منطقة "مينا"

خبراء يناقشون بالرباط تداعيات التشرذم الجيو-اقتصادي على منطقة "مينا"
صور : يوسف صدور
الإثنين 29 يونيو 2026 - 20:00

استمرت “إعادة التفكير في تكامل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في ظل بيئة عالمية سريعة التغير” خلال مؤتمر إقليمي بالرباط، من تنظيم صندوق النقد الدولي وجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية بالرباط، بجلسة محورية تصدرَّتْ نقاشاتها “التحولاتُ الهيكلية والاقتصادات الرابطة” حول “التفتت/التشرذم الجيو-اقتصادي” (Geoeconomic Fragmentation).

الجلسة المعنونة “التفتت الجيو-اقتصادي والتكامل الاقتصادي” أدار أطوارها كريم العيناوي، ممثلا لجامعة UM6P”، واستعرضت الجلسة ثلاثة بحوث رئيسية متكاملة تناولت التغيرات الهيكلية العميقة في الاقتصاد العالمي.

تبعات “الحرب التجارية”

ركز البحث الأول، المقدّم بعنوان “مخلّفات التجارة: الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين وتبعاتها” للباحثين بول أنتراس من جامعة “هارفارد” وأندريا بريسبيتيرو من صندوق النقد الدولي، على “الصورة الكلية لإعادة توزيع التجارة العالمية”. وأظهر العرض تراجعا حادا في الحصة السوقية للصين في الواردات الأمريكية من أكثر من 20% في عام 2017 إلى حوالي 6 و7% في أوائل عام 2023 نتيجة التوترات التجارية.

في المقابل، أعادت هذه التحولات “تشكيل خريطة الشركاء التجاريين”، حيث حققت دول مثل فيتنام وتايوان “مكاسب ملحوظة كبدائل تجارية”. كما اقترح الباحثان “مقياسا جديدا لتقييم أثر التعرض للمنافسة الصينية، بيّن أن الاقتصادات الأصغر، بما في ذلك الدول الإفريقية، هي الأكثر تأثرا بهذه المنافسة”.

صعود “الاقتصادات الرابطة”

انتقل النقاش إلى آليات توجيه الاستثمارات من خلال مداخلة ثانية حول “الاقتصادات الرابطة في عالم متفتت” موحدة للباحثين تشوان-هان تشنغ، وأوليغ كونوفالوف، وألكسندر بليخانوف من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.

نبه هؤلاء إلى “تأثير التصدعات الجيو-سياسية في تحويل تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من الاقتصادات المتقدمة نحو “الاقتصادات الرابطة” مثل فيتنام والمكسيك وأوزبكستان، مؤكدين “أهمية متزايدة للمناطق الاقتصادية الخاصة (SEZs) التي أصبحت الوجهة المفضلة للاستثمارات في ظل التعقيدات الجيو-سياسية، نظرا لتوفيرها بيئة تنظيمية واضحة ومسارات موافقة سريعة”. كما أشار الباحثون إلى أن “القدرة على التصنيع على نطاق واسع والوصول السهل إلى الأسواق من العوامل الحاسمة لجذب هذه الاستثمارات”.

“مينا”.. ترابط جيو-اقتصادي دون “تعقيد إنتاجي”

من البحوث المقدمة خلال الجلسة التحديات التنموية في المنطقة العربية تحت عنوان “الترابط دون تعقيد؟ التفتت الجيو-اقتصادي والتحول الهيكلي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” للباحثين زين علامة وعلي فقيه. وكشفت الدراسة، التي شملت 15 اقتصادا إقليميا بين عامي 2003 و2022، عن “مفارقة هامة تتمثل في وجود ارتباط سلبي بين زيادة الترابط الجيو-اقتصادي والتعقيد الاقتصادي، وكان هذا التأثير “أكثر وضوحا” في الدول المعتمدة على النفط”.

وخلص الباحثان إلى أن دول المنطقة قد تستفيد من الوصول التجاري للأسواق، لكن هذا الترابط لا يُترجم بالضرورة إلى ترقية للقدرات الإنتاجية أو التكنولوجية. وأوصيا صنّاع السياسات بالانتقال من “الترابط القائم على المعاملات التجارية” إلى “الترابط التحويلي” الذي يضمن تحسين جودة الاندماج الاقتصادي وتحقيق تنمية هيكلية مستدامة.

وبـ”رؤية شاملة للتحولات العالمية” اختُتمت الجلسة مع إشارة إلى أن “الأبحاث الثلاثة تتكامل سرديا لتفسر ظاهرة واحدة، هي التحول الهيكلي في الاقتصاد العالمي”.

وأثارت خلاصات النقاش، بحسب ما تابعته هسبريس، أسئلة محورية حول مدى دقة مؤشرات قياس الترابط الاقتصادي، ومدى ديمومة واستدامة “الاقتصادات الرابطة”، بالإضافة إلى تحديد أفضل المتغيرات والنتائج التي يجب أن تشكل بوصلة لصناع السياسات في المرحلة المقبلة.

ومما أبرزته الجلسة، “مفارقة الشرق الأوسط”؛ حيث “التنقل بين التكتلات المتنافسة لا يضمن التطور الإنتاجي”.

وشدد الباحثون على “تحدٍ من نوع خاص”؛ فبفضل موقعها الاستراتيجي على طرق التجارة الدولية، تحاول دول منطقة “مينا” التعامل مع التشرذم العالمي من خلال الحفاظ على روابط تجارية واسعة ومتنوعة عبر مختلف التكتلات الجيو-سياسية المتنافسة.

 

إلا أن الدراسات كشفت عن نتيجة عكسية لهذا النهج؛ إذ تبين وجود ارتباط سلبي بين هذا “الترابط الجيو-اقتصادي” العالي ومستوى “التعقيد الاقتصادي” (الذي يعكس التطور التكنولوجي والإنتاجي)، وكان هذا الأثر السلبي أشد وضوحا في الدول التي تعتمد على عوائد النفط.

هذا الواقع يفرض على دول المنطقة “تحديا استراتيجيا” يتمثل في أن النفاذ إلى الأسواق وسط مشهد عالمي مفتت لم يعد كافيا، بل يجب الانتقال من الترابط التجاري السطحي إلى “بناء قدرات إنتاجية حقيقية وتحولات هيكلية عميقة”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • Rachid
    الإثنين 29 يونيو 2026 - 20:35

    في سنة 2010 كنت قدمت مشروعا لاطروحة الدكتوراه في موضوع التكامل الاقتصادي والمالي لمنطقة شمال افريقيا والشرق الأوسط فسخر مني أعضاء لجنة الانتقاء آنذاك. و منذ ذلك الحين فقدت الامل في الجامعة المغربية والبحث العلمي فيها نظرا لوجود بعض أشباه الأساتذة والباحثين الذين ليس لهم من البحث العلمي سوى الاسم.

  • Bounix
    الثلاثاء 30 يونيو 2026 - 00:53

    جل دول منطقة شمال افريقيا و الشرق الاوسط (منطقة مينا) إما هي فاقدة السيادة الكاملة على خياراتها الاقتصادية إما هي تتخبط في عدم الاستقرار والحروب هذا ناهيك عن اتسام جل انظمتها بالجمود و الخمول.
    جل هذه الدول تتواجد منذ عقود عديدة تحت رحمة توجيهات البنك الدولي وصندوق النقد العالمي وبالطبع هذا يوجه اقتصادها وفق منظور الهولمة الكبرى التي تخدم مصالح الكبار في العالم و ليس بالصرورة مصالح تلك الدول. مثلا مارس قندوق النقد الدولي ضغطا كبيرا على المغرب من أجب التعويم الكامل للدرهم.
    كما ان اقتصادياتها يطبعها الاحتكار والريع في جل القطاعات والانشطة المهمة اقتصاديا مما يجعل تلك المجالات والقطاعات خارج اختصاص الحكومات لأنها مخصصة لفئات معينة في الدولة.

صوت وصورة
غلاء المحروقات يركن السيارات
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 23:03 7

غلاء المحروقات يركن السيارات

صوت وصورة
احتجاج طلبة الجديدة
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 18:06

احتجاج طلبة الجديدة

صوت وصورة
تفكيك سرديات نشأة المرابطين
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 15:17

تفكيك سرديات نشأة المرابطين

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 08:55 17

لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي

صوت وصورة
الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 07:48 2

الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''

صوت وصورة
دراسات أثرية حول العصر المرابطي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 00:30

دراسات أثرية حول العصر المرابطي