خطر التلاشي يهدد بنايات الاستعمار في زومي

خطر التلاشي يهدد بنايات الاستعمار في زومي
صور: هسبريس
الأحد 13 نونبر 2022 - 08:28

نمتْ زومي على مَدِّ سنين الاستعمار القاسيّة، لتتحوّل مع بداية “الاستقلال” إلى جماعة ومركز قروي إداري، محافظةً على أدوارها كسوقٍ أسبوعي يلتقي فيه سكان عشرات الدواوير بالمنطقة؛ أما بنايات الإرث الاستعماري فصارتْ مقرات إدارية، أو مساكن إدارية، وبعضها حافظ على تأدية الوظائف السابقة نفسها، مثلما هو الأمر بالنسبة للمدارس وبعض مطاحن الزيتون والمركز الصحي بزومي.

ويُعتقد أن اسم زومي قبل الاستعمار ظل مرتبطاً بنعْتِ السوق الأسبوعي (لْثْنِينْ= من الإثنين، وهو يوم السوق)، أو كما في بعض الرواياتٍ المتداولة بنعُوت موصولة بأسماء الأراضي الفلاحية آنذاك، لاسِيّما وأن موقعها في حضن الجبال كسهلٍ صغيرٍ متموجٍ بين مجاري السيول والأنهار جعل منها الأراضي الأكثر خصوبة في المنطقة كلها، آنذاك.

هذا الاستطراد الوصفي يقودنا إلى وضع اليد على مجمل “التحولات التعسفيّة” التي عرفتها المنطقة تحت نيِرِ الاستعمار الفرنسي المباشرِ البغيض، وبعده أيضاً. ومما لا شك فيه أن المنحى الترقيعي التّبعي الذي صارتْ عليه البلاد بعد الاستقلال السياسي في المنطقة وغيرها ساعد على ما يُشبه الانتقال السّلس من “الاستعمار” إلى “الاستقلال”، وخصوصاً في ما ارتبطَ بالبنايات الاستعمارية ووظائفها، مع الاقتصار على “مغربة” الوجوه التي تديرها.

بيْد أن منحَى “التغيير الشكلي” هذا، على صعيد تدبير التركة الاستعمارية والبنايات الكولونيالية، لم يُثر ساكنة المنطقة، لا في حينه ولا بعده، وذلك رغم البلاء المحفوظ لها في مقارعة الاحتلال الفرنسي منذ بدايته، وخضوعها الاضطراري لهذا الاحتلال الشّرس، منذ ثلاثينيات القرن الماضي. لقد كان التحرر من بطش الاستعمار، ومن نهب المعمِّرين للمحاصيل الزراعية والفلاحية وللأبقار والماعز والحمير والبغال كل موسم فلاحي، ومن إخضاع الساكنة لنظام السُخرة والكدح اليومي في إقامة الطرق والجسور والمنشآت الكولونيالية، تحت طائلةِ الإكراه والتعذيب والتَّجويع الجماعي (…) لقد كان هذا النوع من التحرر والتخلُّص من العبودية المقيتة هو ما يشغل هذه الساكنة في عشرات الدواوير، آنذاك…

هنا والآن، وفي سياق حفظ الذاكرة طبعاً، نعني حفظ الذاكرة الحية، ما العمل؟ بالنسبة لما تبقّى من الإرث الاستعماري المُجسّد في ما تبقى من البنايات الكولونيالة الآيلة للتلاشي بزومي…؟.

يرى محمد توفيق (فاعل سياسي) أن البنايات المتبقية المعرَّضة للتلاشي، التي تحيل على الفترة والذاكرة الاستعمارية، يمكن إدراجها ضمن الرأسمال اللامادي لزومي، وأن المحافظة عليها عبر إعادة ترميمها يسهمُ في حفظ الذاكرة وتثمين جمالية المنطقة من الناحية العمرانية على الأقل، لاسيّما أن التوسُّع العمراني السّاري لا يستحضر هذا البعد التنظيمي الجمالي، وكأنه استسلم نهائياً لما يشبه فسيفساء البناء العشوائي والإسمنت الفوضوي، بطريقة مستدامة، وعن قصدٍ و”تخطيط” مسبق.

في السياق نفسه، يعتقد فاعلون تنمَويُّون وحقوقيون بالمنطقة أن تعريض هذه البنايات للتلاشي والضياع البطيء يأتي في إطار مخططات الطامعين في الاستلاء على الأراضي التي أقيمتْ عليها هذه البنايات، مثلما حصل لبنايات وأراض مخزنية قبلها.

ما الجدوى من المحافظة على هذا الإرث الاستعماري؟ ومِنْ إعادة ترميم البنايات المعرّضة للتلاشي؟ وما هي القيمة المضافة لهذا المطلب العمراني الإصلاحي؟.

يؤكد محمد توفيق أن مطلب ترميم هذه البنايات يهدف إلى إثارة انتباه المسؤولين من أجل تحويلها إلى منشآت تساهم في الاقتصاد المحلي، من خلال إقامة دور إيواء للسياحة ولمصالح أخرى، وذلك بالتزامن مع الحفاظ على جمالية زومي، وعلى التراث الذي يعتبر رأسمالها اللامادي.

في المقابل، يرى الخمّار المثيوي (فاعل جمعوي) أن البناية التي كانت مقراً للدرك الملكي إلى حدود عام 2010، بالنظر إلى موقعها الممتاز، يمكن تحويلها مثلاً إلى متحف محلي، يُخصّصُ لتجميع الوثائق والكتابات والسّرديات المنبثقة من الذاكرة الاستعمارية الموشومة بالآلام، وكذا تجميع الأشياء الرمزية الموصولة بأرشيف الذاكرة الاستعمارية، خصوصاً أن منطقة زومي وساكنتها إبان الفترة الاستعمارية عانتْ الويلات والآلام والأوجاع وأشكالا مختلفة من التعذيب ومن السّخرة والتجويع والبطش والتنكيل الجماعي، خلال سنوات ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.

إن إعداد هذه البناية لتصير “موقع ضمير” شاهدٍ على جرائم الاستعمار يفيد الذاكرة المحلية والوطنية في تذكُّر “الفترات السوداء” من تاريخها، وكذا “فترات الكفاح” من أجل الانعتاق والحرية والسيادة… كي لا تسقط في فخاخها الأجيال المتعاقبة، وكي تعرف أن الأجيال السابقة أدَّت الثّمن باهظاً من أجل الحرية والانعتاق من نير الاستعمار، وكي تبقى آثار الاستعمار اللاإنسانية دليلاً قائماً موثَّقاً في سجلِّ التاريخ على جرائمه.

على سبيل الختم، نسوق مع هذه السطور صوّر بعض البنايات الاستعمارية المتبقية والمتروكة للتلاشي (كمثال فقط: مقر الدرك الملكي سابقاً + جانب من بنايات مدرسة أنوال)، والتي تستوجب إعادة الترميم، ثم استثمارها في خلق فضاءات ثقافية وإنتاجية (دور إيواء سياحية/ متحف للأرشيف وحفظ الذاكرة/ نواد نسوية أو شبابية…) فمَنْ يتلقّفُ الفكرة؟ ومَنْ يلتقط المقترح؟ مِنَ المسؤول الإداري والجماعي إلى الفاعل السياسي والناشط الجمعوي… والله المعين.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • الطابع الاستعماري
    الأحد 13 نونبر 2022 - 08:54

    أعتقد أن مخلفات الإستعمار الفرنسي من بنايات وطرق وسكك حديدية وسدود لا يمكن ازاحتها، فمقر البرلمان المغربي هو كذلك ارث استعماري كباقي المؤسسات الأخرى سواء في الرباط العاصمة الإدارية للمملكة أو مدينة الدار البيضاء العاصمة الاقتصادية للمملكة ووجود ساحة الأمم المتحدة أو الحمام كدليل قاطع عن هدا …

  • مريم
    الأحد 13 نونبر 2022 - 09:16

    جماعة زومي التابعة لاقليم وزان منطقة جبالة يمكن القول ان الزمن توقف هناك منذ الاستقلال لماذا؟؟
    المدارس بنتها فرنسا
    المستوصف الطبي بنته فرنسا
    الإدارة بنتها فرنسا
    و بعد سبعين سنة على مغادرة فرنسا لا زالت تلك البنايات تستغل
    فماذا بنينا نحن؟؟
    أقتصاد المنطقة ككل متنفسه الوحيد هو زراعة القنب الهندي

  • عبده من سلا
    الأحد 13 نونبر 2022 - 10:24

    بئس الإرث. ما أشنعه من إرث
    فليتداعى وليتهاوى. بل ولنمحو أثر هذه الذلة.

  • maymoun
    الأحد 13 نونبر 2022 - 18:07

    نشكرو الاخت مريم صاحبت التعليق رقم ٢ التي ارشدتنا فيى تعليقها على موقع زومي اما كاتب الموضوع فيعتقد ان الجميع يعرف هاته القرية الغريبة من اسمها

  • طارق من أهل المنطقة
    الأربعاء 16 نونبر 2022 - 11:32

    هذه المباني القديمة لها قيمة تاريخية وهندسة معمارية، بحيث تشكل ارثا ثقافيا عمرانيا لهذه المنطقة.

  • Heritier
    الخميس 17 نونبر 2022 - 10:17

    فعلا يجب المحافظة على المأثر الاستعمارية ليس لأنها تمثل القهر و الاستعمار، وإنما لأنها تراث وحسب. تراثنا ضيعناه ولعبت به أيادي العبث والجهل. زومي وقرى أخرى كانت عبارة عن حدائق حتى سنة 1956. بعد ذلك جاء التتار أو الوندال وعبثوا بكل شيء. إنه الجهل. انظر إلى مدينة وزان الفريبة كان لها كنيسة رائعة، فجاء المغول وقلبوها مسجدا باسم الغيرة على الإسلام، وكأن المساجد قليلة بهذه الأرض السعيدة. لا حول ولا قوة إلا بالله…

  • تك فريد
    الأربعاء 23 نونبر 2022 - 02:54

    خلال فترتي الدراسية بزومي كنت اتخيل لو ان سكان المنطقة فكروا في بناء بيوتهم على نفس شكل تلك البنايات التي تركتها فرنسا بمركز زومي..، كانت ستكون تلك الدوارير مثل قرى الريف السويسري، وصدق المستعمر الفرنسي لما لقب زومي ب « la petite paris ».
    ابن المنطقة من اميركا.

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام