خمس دول بلا جيوش.. كيف تحمي نفسها في عالم يتسابق نحو التسلح؟

خمس دول بلا جيوش.. كيف تحمي نفسها في عالم يتسابق نحو التسلح؟
صورة: أرشيف
الأربعاء 26 غشت 2026 - 10:37

رغم أن امتلاك قوة عسكرية يعد عنصرا أساسيا لأمن معظم الدول، اختارت بعض الدول التخلي عن جيوشها الدائمة، مفضلة تركيز مواردها على مجالات أخرى كالتنمية والتعليم والصحة.

يقول هاريسون كاس، كاتب ومحام متخصص في الأمن القومي والتكنولوجيا والثقافة السياسية، في تقرير نشرته مجلة “ناشونال إنتريست” الأمريكية، إن مجموعة من الدول تخلت طوعا عن جيوشها، معتمدة على دول أخرى للحصول على المساعدة، مستخدمة الوفورات في التكاليف لصالح أنشطة تهدف إلى إحلال السلام.

ويضيف أن كل دولة على وجه الأرض، كبيرة كانت أم صغيرة، غنية أم فقيرة، تكاد تستثمر في جيش دائم. ويقول إن من السهل فهم السبب، فالعالم مكان خطير، وتاريخ البشرية هو تاريخ حروب شبه متواصلة بين القبائل والإمارات الصغيرة، وصولا في نهاية المطاف إلى الدول القومية الحديثة. وبينما تعد الدبلوماسية والسياسة أدوات مفيدة، فإن الوسيلة الوحيدة التي يمكن لدولة من خلالها ضمان حريتها، في نهاية المطاف، هي التهديد باستخدام القوة ضد أي معتد محتمل. ولذلك، فإن التخلي عن جيش بشكل كامل يمثل ثقة عميقة في الدول المجاورة والبيئة الجيو-سياسية المحيطة.

ويرى كاس أنه على الرغم من المخاطر التي ينطوي عليها التخلي عن القوة العسكرية، فإن نحو 20 دولة حول العالم أقدمت على ذلك، ما يجعلها تعتمد بدرجة كبيرة على المعاهدات والشراكات. ومعظم هذه الدول عبارة عن جزر صغيرة في منطقة الكاريبي أو المحيط الهادئ، ولا تواجه تهديدا واضحا من دولة مجاورة أكبر منها. لكن هناك عددا قليلا من الدول الأكبر حجما والأكثر أهمية من الناحية الجيو-سياسية. وتبرز خمس دول باعتبارها الأكبر من حيث عدد السكان بين الدول التي لا تمتلك جيشا، وهي، من الأكبر إلى الأصغر: كوستاريكا وبنما وموريشيوس وجزر سليمان وآيسلندا.

1- آيسلندا

مساحة اليابسة: 103 آلاف و125 كيلومترا مربعا

عدد السكان: 390 ألف نسمة

لم تمتلك آيسلندا جيشا دائما منذ عام 1869. وبدلا من ذلك، تعتمد الجزيرة القطبية الصغيرة على موقعها الجغرافي لحمايتها، فهي تقع بعيدا عن البر الرئيسي الأوروبي، وتجنبت إلى حد كبير المشاركة في الصراعات التي عصفت بالقارة خلال النصف الأول من القرن العشرين.

وقد يبدو من غير المنطقي أن تكون آيسلندا، التي لا يوجد لديها جندي واحد، عضوا مؤسسا في حلف شمال الأطلسي (الناتو). لكن آيسلندا، رغم بعدها الجغرافي، تتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة؛ إذ تقع مباشرة فوق فجوة غرينلاند-آيسلندا-المملكة المتحدة، وهي نقطة الاختناق التي يتعين على غواصات الأسطول الشمالي الروسي عبورها للوصول إلى المحيط الأطلسي. ويجري الحفاظ على أمن آيسلندا بموجب اتفاقية دفاع ثنائية أُبرمت مع الولايات المتحدة عام 1951.

2- جزر سليمان

مساحة اليابسة: 28 ألفا و896 كيلومترا مربعا.
عدد السكان: 750 ألف نسمة.

تقع جزر سليمان في جنوب غرب المحيط الهادئ، إلى الشرق من بابوا غينيا الجديدة وإلى الشمال الشرقي من أستراليا، وكانت مسرحا لبعض أعنف المعارك خلال الحرب العالمية الثانية، ولا سيما حول جزيرة جواد الكانال في الجنوب. ومع ذلك، فإن هذه الدولة الجزرية، التي كانت ملكية بريطانية حتى استقلالها عام 1978، وأصبحت الآن عضوا في الكومنولث، لم تمتلك قط جيشا خاصا بها، وتعتمد على الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا لتوفير الحماية لها.

وفي السنوات القلائل الماضية، برزت البلاد كنقطة احتكاك جيو-سياسي بين الولايات المتحدة والصين، بل إنها أصبحت واحدة من أهم ساحات التنافس الاستراتيجي على وجه الأرض. ونظرا لعدم امتلاك جزر سليمان جيشا خاصا بها، فقد وقعت اتفاقية أمنية مع بكين تتيح للسفن الحربية الصينية إجراء زيارات إلى موانئ الدولة الصغيرة. ويؤدي ذلك إلى تقويض ما كان يعد احتكارا أستراليا للأمن في المنطقة، كما قوبل بمعارضة شديدة من الولايات المتحدة أيضا. وبعد أزمة سياسية في أوائل عام 2026 أدت إلى استقالة رئيس الوزراء الموالي للصين، أعلن خلفه إجراء مراجعة للاتفاقية الأمنية، وهو ما يمثل بارقة أمل لواشنطن في عام مضطرب للغاية في مناطق أخرى من العالم.

3- موريشيوس

مساحة اليابسة: 2040 كيلومترا مربعا

عدد السكان: 1,3 مليون نسمة

بعد حصولها على الاستقلال عن المملكة المتحدة عام 1968، اختارت دولة موريشيوس، الجزيرة الأفريقية الواقعة على بعد نحو 1300 كيلومتر شرق مدغشقر، عدم إنشاء جيش. وكان القرار مدفوعا باعتبارات مالية؛ إذ كانت البلاد جزيرة صغيرة لا تزال في طور النمو، واختارت استثمار مواردها في مجالات أخرى، مثل التصنيع والسياحة والخدمات المالية، بدلا من إنفاقها على الدبابات والأسلحة.

ورغم صغر حجم موريشيوس، فإنها تقع على ممر استراتيجي في جنوب غرب المحيط الهندي. وتضمن البلاد أمنها القومي من خلال شراكة وثيقة مع الهند في مجالي الدفاع والمراقبة. كما تصدرت موريشيوس الأخبار مؤخرا بسبب حصولها المرتقب على جزر تشاجوس، وهي إقليم بريطاني ظل محل نزاع طويلا، وكانت لندن قد أشارت إلى أنها ستعيده في أوائل عام 2025. وبعد ضغوط من الولايات المتحدة، التي استخدمت قاعدتها في دييجو جارسيا لشن ضربات على إيران في عامي 2025 و2026، تراجعت بريطانيا عن موقفها، إلا أن موريشيوس لم تتخل عن مطالبتها بالجزر.

4- بنما

مساحة اليابسة: 74 ألفا و177 كيلومترا.

عدد السكان: 4,5 ملايين نسمة

تعد بنما واحدة من أكثر الدول أهمية من الناحية الاستراتيجية في العالم. ويبلغ عرض برزخ بنما، الذي يفصل بين المحيط الهادئ والبحر الكاريبي، ومن ثم المحيط الأطلسي، نحو 37 ميلا فقط في أضيق نقطة له. وقد دفعت هذه الجغرافيا المواتية الولايات المتحدة إلى إنشاء قناة بنما هناك في أوائل القرن العشرين. ولحماية القناة، اعتمدت بنما لفترة طويلة على الولايات المتحدة، وهي تعتمد اليوم على معاهدة الحياد لعام 1977، التي تضمن الحياد العسكري للقناة، لكنها تمنح الولايات المتحدة حقا قانونيا في التدخل عسكريا إذا واجهت القناة يوما تهديدا خارجيا.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة كانت تحتفظ بقاعدة عسكرية في منطقة قناة بنما، امتلكت بنما جيشا خاصا بها طوال معظم تاريخها. وكما هو الحال مع العديد من الجيوش في أمريكا اللاتينية، كان لدى قادتها طموحات سياسية، وخلال النصف الثاني من القرن العشرين، حكمت سلسلة من القادة العسكريين البنميين البلاد من خلال رؤساء مدنيين صوريين. أما آخر حاكم عسكري، مانويل نورييغا، فقد شهدت علاقاته مع الولايات المتحدة تدهورا بسبب تورطه في تجارة المخدرات، وانتهى الأمر بغزو أمريكي لبنما عام 1989.

وبعد أن أطاحت الولايات المتحدة بنورييغا من السلطة، ساعدت في إقامة حكومة ديمقراطية في بنما. وقامت الحكومة الجديدة بتفكيك المؤسسة العسكرية الفاسدة، وفي عام 1994، أقرت الجمعية الوطنية تعديلا دستوريا يحظر وجود جيش دائم.

5- كوستاريكا

مساحة اليابسة: 51 ألفا و180 كيلومترا مربعا

عدد السكان: 5,2 مليون نسمة

في عام 1948، وبعد حرب أهلية قصيرة لكنها دامية، قرر الرئيس الكوستاريكي خوسيه فيجيريس فيرير إلغاء الجيش الكوستاريكي. وأُدرج هذا القرار ضمن دستور البلاد لعام 1949.

وبدلا من تمويل الجيش، قرر فيجيريس إعادة تخصيص ميزانية الدفاع بالكامل لتمويل الرعاية الصحية الشاملة، والتعليم العام، والحفاظ على البيئة. ومن الناحية الاستراتيجية، أجبر هذا القرار كوستاريكا على الاعتماد على المعاهدات، وتحديدا معاهدة البلدان الأمريكية للمساعدة المتبادلة لعام 1947 (معاهدة ريو)؛ إذ تعتبر المعاهدة أن أي هجوم على كوستاريكا هو هجوم على جميع دول الأمريكتين، بما فيها الولايات المتحدة. ولحسن الحظ، تتمتع كوستاريكا بعلاقات جيدة نسبيا مع جارتيها، نيكاراغوا وبنما، ومن المستبعد جدا حدوث غزو من أي من الاتجاهين.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • benha
    الأربعاء 26 غشت 2026 - 11:22

    هذا هو المفروض ان يكون ، و لكن لازالت البشرية لم تصل بعد الى هذا المستوى من السلم و الثقة في الاخر ، لماذا ؟ لانه لازالت الاطماع تطغى على الانسان ، اطماع التوسع و الهيمنة على ممتلكات الغير و خيراته و ثرواته و اراضيه و بحاره ووو ، و هذا يتطلب الوعي و التوعية ، و يتطلب تدابير كثير للوصول الى الرضى و القناعة ، و ذلك عن طريق نبذ العنصرية و حب الذات و حب التملك المفرط و حب الهيمنة و السيطرة و السلطة و التسلط و انتزاع ما للغير ووو ، بجب ان نعمل جمبعا من اجل القضاء على مثل هذه الطباءع السيءة و الضارة التي تنغرز في سلوكات الانسان و طبءعه و تصرفاته ، و ذلك بالتربية و الثقافة و القدوة و المثال ، فهذه الدول حاولت ان تعطي المثال الا ان الاخرين لازالوا لم يصلوا الى مستوى فهم و استيعاب الرسالة ، هذه الرسالة الانسانية النبيلةوالتي تسعى الى نبذ كل أشكال العنف و الكراهية و الاعتداء على الاخربن و انتزاع املاكهم و ما الى ذلك، هل بحب الانسان لنفسه ذلك؟ و لماذا يرضاه للاخربن ، يجب ان يعيش البشر اخوة ، و يحاولون توزيع الثروات بالعدل في مابينهم ، لانها الأساس في كل ما يقع ببن البشر من صراعات و معارك.

  • مولاي اسماعيل
    الأربعاء 26 غشت 2026 - 11:33

    جل هذه الدول صغيرة سواء الحجم وقيلة السكان وهذا يبدو شئ من الفطنة السياسية لانه حتى لو ان هذه الدول كونت الجيش سيكون العدد قليل وقد يستهلك الكثير من الموارد البشرية واللوجستيكية .بدون فائدة في الدفاع عن امنها واستقرارها لهذا اختارت دفع الجزية لدول عظمى وهذا حدث على مر التاريخ

  • مسالم
    الأربعاء 26 غشت 2026 - 11:36

    الدول العربية والإسلامية تتسلح لمواجهة شعوبها

  • med
    الأربعاء 26 غشت 2026 - 11:41

    تقول الحكمة ( القوة جهالة ) الدولة الحقيقية هي التي تستتمر في التعليم والصحة والصناعة المفيدة والفلاحة. وتكوين أجيال مثقفة . وليست محاربة

  • Md bihi
    الأربعاء 26 غشت 2026 - 13:00

    هذه الدول الخمس، تحمد اللهَ أنه لم يبتليها بجار سوء مثلما ابتلانا بكرغوليستان الشرقية التي تنفث سمومها شمالا و جنوبا و غربا و شرقا بحيث لم يسلم من طاعونها لا تونس و لا المغرب ولا مالي و لا النيجر ولا حتى موريتانيا، ليس بالقوة الضاغطة كما تزعم و لكن بخبثها وإثارة النعرات و فبركة ميليشيات وقطّاع طرق بدول الجوار حتى أصبحت منبوذة عند القاصي و الدّاني، ، لو تصالحت مع نفسها قبل الجار لكان أحسن لها و للجميع و لوفّرت على الكل ميزانيات ضخمة تذهب سدى في مجال التسليح بدل استثمارها في تنمية التعليم و الصحة و الصناعة و الرّقيّ بشعوب المنطقة. ما تطلع ما تخلّي لّي يطلع يا ربي السلامة.

صوت وصورة
التوعية بدور المساعدة الطبية
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 10:54

التوعية بدور المساعدة الطبية

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 6

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 10

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي