لعلّ المُراقِب للسُّلوك البشري، يقف حائرا أمام الازْدواجية والانْفِصام، الذي يَطْبعُ شَخْصيّةَ بعضِ المُسلمين، وطُغْيان فِكرة النّمَط الواحد على العقل السّائد في مُجتمعاتنا، حتّى أنّه لا يسُوغُ للفرْدِ التّميُّز والاخْتلاف، أضف إلى ذلك النُّزوع إلى العُنْف، وتَبنّي أُطْروحات راديكالية لإقامة ما يُسمّى “الخِلافة”، ما يسُوقنا مُباشرة للبحث عن أصْل وجُذور هذه المُعْضِلات.
الكاتِب الياباني نوبوأكي نوتوهارا، الذي عاش بين ضُهْرانَيْهِم قُرابَة الأربعين عامًا، يرى من خِلال كتابِه (العرَب مِن وُجْهة نَظر يابانية)، أنّ “الدّين أهمُّ مَسألة تهتمُّ بها المُجتمعات العربية؛ وهو ينْهى عن الفساد؛ لكنّهم رغم ذلك أكْثرُ فسادا”! ما يَدْعونا للتّساؤُل أين مَكْمَن الخَلَل؟ لماذا تَجِد عندنا مَن يدْفع رَشْوةً، مِنْ أجل إدْراجِه ضِمن لوائح المقْبولين، للذّهاب من أجل تأْدِية فريضة الحجّ؟، وهناك مَن يقتُل ويغْتصب، ثمّ تَجدُه يُصلّي بعد ذلك في نفس المسجد الذي يُراوِدُه أهْلُ الضّحيّة…؟
قد يقول قائلٌ؛ هي أعْمال فرْديةٌ يأْتيها الإنسان غير المُتَشبِّع بالإيمان، لكن في السِّياق نفسه يقول الدكتور عدنان إبراهيم؛ “هُناك مِن النّاس مَن هم مُتديِّنون وفي نفس الوقت يفْعلون الأفاعيل..”، ثمّ يسْترْسِل ويُضيف “تناوُل مسألة الصّحابة في الحديث يُبيّن اليوم وضْع العقل المسلم، الذي يَتراوح بين التَّفْرِيط والِفْراط، إذ الشِّيعة الإمامية ينْتقصون (كثيرا) مِن حقِّ مُعْظم الصّحابة، في الوقت الذي يُفْرِط أهْل السُّنة والجماعة، في تبْجِيلهم كلُّهم، لكنّ هذا الأخير (أي احترام كلِّ الصّحابة) أخْطر على الأمّة مَنْهجيا وتَرْبَويًّا، لأنك حينما تقول: الصّحابي غيرُ مَعْصُوم وقد يزْني ويَقْتل ويغْتال..، ومع ذلك رضِي الله عنه وهو في الجنة، فهذا يُنْشِئ نفْسِيات تُبرّر لِفِعْل الأفاعِيل”.
نفسيّات تقْتدي بمَن سلَف، يقول أصحابُها: ما دام المرْء مُسلما، تكْفيه عُمْرةٌ أو حَجّة “تغْسِلُه كي يعود كما ولَدْته أُمُّه”، دونما أن يفرّق بين حقوق الله وحقوق الخَلْق؛ ودون التّمييز بين السّيئة التي قد يغفرها الله؛ دون الكبائِر المُوجِبة للخُلود في العذاب.
ولطالما ترَبّت الأجْيال على أنّ “الإسلامَ يَجُبُّ ما قبْلَه”، وأنّ “اللّهَ غفورٌ رحيم”؛ وأنّه “لا ينْبغي الخَوْض فيما شَجَر بين الصّحابة”؛ لأنّهم كُلُّهم مَرْضيُّون وهم في الجنّة..
فلا تلُومَنَّ بالتّالي أحدا، إذا ما اقْتَرف المُوبِقات، ما دام الدّينُ يُلْبَس كطاقِيَةِ إخْفاءٍ للذّنوب !
بل الأذْهى والأمَرُّ، أنّك عندما تتَّبِع المنْظومة التُّراثية مِن فِقه وحديث، مُحاولا فَهْم مُعْضِلة عُقَلائية يُسمّيها الكلاسيكيُّون “شُبْهَة”، ستدور حينها دون جدْوى في حَلَبَة هذا الموْروث، حتى تخْرُجَ في الأخير إحدى إثْنين: إمّا مُلْحِدا رافضاً لكلِّ شيء اسمه دِين، أو مُوالِيّا للحقِّ الواحد الأحَد “الذي ليس كمِثْله شيء”، ومثال ذلك تجده واضحا في أدبيات الفقهاء، الذين أسّسوا للجَبْر والإِرْجَاء، فسُفِكَت الدِّماء بغير حقٍّ، وسُلِبَت الأموال والحرّيات، تحت ذريعة نشْر الإسلام تارةً أو تحت طائلة دَرْءِ الفتْنة تاراتٍ أخرى.
وعليه؛ لا يَنْفَكُّ العقل العربي المسلم مِن “سُجون الماضي”، ولا يتحرّر “العقل الفقهي” مِن رَبَقَتِه، إلاّ بمُماسة الشّك المُؤدّي لليقين؛ الرّافِع لِأدْرانِ “للجهْل المقدّس”).
عدم الاستقرار النّفسي للشّخصية المُسلمة، يتجلىّ في الازْدواج والانْفصام، بحيث في الحالة الأولى يحْصل اضطراب الشّخصية الفِصامية، ما يُعرف باضطراب تعدُّد الشّخصيات، وهو اضطراب نفسي ناتج عن عدّة عوامل أبرزها التّعرض لِصدمة نفسية كبيرة، غالبًا ما تكون في مرحلة الطّفولة، تمتلك فيها كل شخصية سلوكيات مختلفة وتعامل مختلف. أمّا الانْفصام في الشّخصية فهو مرض عقْلي ينْعكس على طريقة تفكير الأشخاص وشعورهم وتصرّفاتهم، هذا يتجلىّ في التوهُّم والتّفكير والسّلوك غير المُنظَّم، فتشمل هذه التّوهُّمات الإيمان بشكْل يقيني بأشياء غير صحيحة، ما يُفقِد هؤلاء الأشخاص الذين يعانون من هذه الحالة الاتّصال بالواقع، ويسْتئْنِسون بالماضي ويرجعون له في كل مرة وحين، من أجل التّنقيب على فتاوى وحلول، ما جعلهم يعيشون صراعَ هُويّة، يتراوحون بين تقْديس الماضي ومُحاولة تكْييف اعتباراته مع واقعهم المعاصر.
يُقسّم لالاند العقل إلى: فاعِل سائِد، الأوّل يعني النّشاط الذِّهني، الذي يُمارسه الإنسان، ويتوفّر لكلّ النّاس. أمّا الثّاني، فهو يعني مجموعة القواعد والمبادئ، التي تُقدِّمُها الثّقافة، كأساس لاكْتساب المعْرفة، أي النّظام المَعرفي.
حسن فرحان المالكي في مقاله (هاكم أصول الدواعش)، يُعدِّد جرائم العهدين الأموي والعباسي، فيقول “وكان عمر بن عبد العزيز قد أبْطل سنّة بني أمية في قطْع الألْسُن؛ إلاّ أنّ الثقافة الدّموية الأموية كانت قد ترسّخت عند الفقهاء، وأنْعشها بنو العبّاس. والقصص كثيرة جدا، وقد جمعتُها في كتاب، ووجدت الدول والمذاهب كلُّها فيها من هذا العبَث، ويُسمُّونه حدودا شرعية، ولكن أبْشع الدّول في ذلك بنو أميه، وأبشع المذاهب في ذلك النّواصب أتباع بني أميّة والمتأثِّرين بهم، وبنو أميّة أخذوها من معاوية، ومعاوية أحْيا سنّة أمِّه هنْد بنت عُتْبة آكِلة الأكْباد، وسنّة أبيه أبي سفيان، الذي كان يزُجُّ برُمْحِه في شِدْقِ حمزة! فهذه الشّراهة والتّفنُّن في التّعذيب و العقوبات، التي ما أنزل الله بها من سلطان، أخذَها الغُلاة عن النّواصب، والنواصب عن بني أميّة، وهم عن هند!… فقد أكلوا أحد الهاشميّين سنة 610 هـ! بعد أن أفتى قاضي الحنابلة أنّه مُبْتدِع.. هذه الوحشية من أين اسْتمدُّوها؟ أليست وحْشية شيْطانية بشعة؟ ثم يسمُّونها حدودا شرْعية؟”.
جريمة اغتصاب وقتل الفتاة سميحة في نواحي مدينة الصّويرة في المغرب سنة 2023، ليعترف بعد ذلك عوْن السّلطة “شيْخ المنطقة” باقْترافه للجريمة التي صُدِمت السّاكنة من تفاصيلها خصوصا وأنّ المجرم شارك في البحْث عنها، غير أنَّ الصّدْمة كانت أنْكى وأقوى لكوْنِه كان يصلّي في مسجد المنطقة دون أن تبدو عليه أيّ علامة من علامات الخوف أو تأْنِيب الضّمير.
سجون العقل العربي، طارق حجي.
العَقلُ الفِقهيُّ، أبو أمامة نوار بن الشلي، دار السلام، مصر، 2008.
محمد أركون، الفكر الإسلامي؛ قراءة علْمية.
صراحة استاذي المحترم أن ثقافة الغرب وسياستهم المعتمدة على العقل والمنطق والمصالح الدنيوية ووو صربت ازدواجيتنا اللغوية والدينية وفرقت شعبنا الى قسمين متناقضين فيهم من يمسك على ثقافة الاصالة والتراث والعوم في احلام الحضارة العربية الاسلامية الماضية والتي اصبحت اليوم ركاما في الدول الاسلامية العربية ضربتنا كذلك في ازدواجية لغتنا بحيث اصبحنا اليوم نطرح في نقاشنا ومستقبلنا الافضلية هل هي للغة العربية ام للغة الامازيغية الاصلية وهي كذلم انقسام داخلي في الشعوب المغاربية والشعب المغربي خاصة,فأين المفر؟
يجب نشر النظرة المتفائلة للتاريخ الاسلامي و خاصة العصر الذهبي الاسلامي حيث بلغت الحضارة الاسلامية اوج ازدهارها في مختلف المجالات وهناك نمادج مشرقة من الخلفاء الراشدين الى القادة و العلماء و المصلحين و استلهام من سيرهم قيم العدل و الرحمة و العلم و العمل و جعلها نبراسا للاجيال القادمة و الاحتفاء بالمنجزات الحضارية التي حققها المسلمون في مختلف المجالات من العلوم و الفنون الى العمارة و الادب …
الفرق بين فهم الشيعة والسنة للدين هو نتيجة لتفاسير مختلفة للنصوص الدينية. الخلافة ، العصمة، الروايات النبوية ، العبادات ، والتفسير القرآني . فالشيعة تر أن الخلافة يجب أن تكون لآل البيت ، وأنهم معصومون من الخطأ والذنوب. بينما السنة يرون أن الخلافة يجب أن تكون لمن يختاره المسلمون ، وأنهم البشر غير معصومين .
هذه التفسيرات المختلفة للنصوص الدينية ليست نتيجة لاختلاف في العقيدة الأساسية ولكن في التفاصيل وكلنا يعلم ان الشيطان يكمن في التفاصيل .
في بحر الاختلافات بين فهم الشيعة وفهم السنة للدين ، نجد أنفسنا أمام تحدي فهم الحقيقة . لكن ، كيف نجد الحقيقة في هذا البحر ؟ هل يمكننا أن نجد الإجابة من خلال النظر إلى القيم المشتركة بين المذهبين ؟. هل يمكننا أن نترك الاختلافات جانبًا ونركز على القيم الكبرى للدين ؟. ألف وأربع مئة عام ومئآت المناظرات والاف الحروب ولازالت الحقيقة تتفلت ولازال الصراع لم يغادر سقيفة بني ساعدة ولازال منا أمير ومنكم أمير .
سأبدا من حيث ختمت فلا يمكن ربط الجرائم بمذهب معين, فتاريخ اهل السنة و الجماعة مليء بالتنوع و التعقيد و يشمل فترات و قادة مختلفين بعضهم كان عادلا و البعض الاخر ارتكب مظالم و الجرائم ليست حكرا على أحد, الجرائم موجودة في كل المجتمعات بغض النظر عن المذهب و بط الجرائم و النفاق بمذهب معين هو تعميم خاطئ و مضلل و يجب الابتعاد عن التعميمات التي تضر بالمجتمعات و الافراد
أتكلم على الدولة المغربية خاصة وربما هناك من الدول العربية والاسلامية من يشابهها ويسير نحو المعاصرة والدولة العلمانية التي تحترم الجميع ,الدولة المغربية هدفها هو الاندماج في المجتمع العالمي المتحضر ولكن خطوة خطوة وبخطوات واثقة نحو الاندماج الايجابي رغم اننا نحن الان نعيش الانفتاح سواء كان المواطن ملتزم بالعقيدة الاسلامية او غير ملتزم لان الواقع يفرض علينا ذلك خاصة أن العصور الجميلة للمسلمين لم تترك سياسة واضحة تساير عصرنا وتقارن السياسة المعاصرة التي تتمناها جميع الدول في العالم.وانما تركت لنا اجتهادات مختلفة وفرق متعددة ما زالت تتناحر في المسألة العقائدية والعصر يطلب منا العمل من اجل المواطنة وحق المواطنة لان العقيدة لا تهم الاصاحبها ولا يستفيد منها المواطن في عيشه وتعليمه وتطبيبه وترفيهه وهلم جرا