دراسة مغربية تدقق في التحولات النوعية لإنتاج المعرفة باللغة الأمازيغية

دراسة مغربية تدقق في التحولات النوعية لإنتاج المعرفة باللغة الأمازيغية
صورة: و.م.ع
الخميس 19 مارس 2026 - 04:00

ذكرت ورقة بحثية منشورة ضمن العدد الأخير من المجلة الدولية للدراسات الأمازيغية، التي تصدر عن المركز الديمقراطي العربي بألمانيا، أن “المعرفة المنتجة بالأمازيغية وحولها شهدت تحولات نوعية خلال العقود الأخيرة، تمثلت في اتساع مجالات الاشتغال، وتنوع المقاربات المنهجية، وتعدد الاتجاهات البحثية وتقاطعها بين ما هو لغوي-لساني وسوسيولوجي وأنثروبولوجي وتربوي-تعليمي وإبداعي-فني-ثقافي ومعلوماتي-رقمي”.

وأوضحت الورقة التي كتبها بنعيسى يشو، الباحث بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، أن “المعرفة في الفكر الكلاسيكي كانت تتسم بطابع الموضوعية والحياد”، باعتبارها نابعة من العقل الفردي الساعي إلى معرفة الحقيقة المجردة، إلا أن التحولات الفكرية التي عرفها القرن العشرون، خاصة مع ظهور نظريات النقد الاجتماعي وما بعد الحداثة، أدت إلى مساءلة هذا التصور، مبرزة بذلك أن المعرفة لا تنتج من فراغ، بل في سياقات اجتماعية وثقافية وسياسية محددة، تخضع فيها لسلطة ما وتمارس من خلالها”.

ولفت الباحث ذاته الانتباه إلى أن “الاتجاه اللساني يشكل أحد أكثر المسارات العلمية استثمارا في دراسة الأمازيغية، وقد ارتكز بالأساس على محاولات التدوين والتقعيد والمعيرة، ضمن سياق لغوي وثقافي يتسم بالهشاشة المؤسساتية وتعدد اللهجات. وفي هذا السياق، انصبت جهود الباحثين منذ المرحلة الكولونيالية على التوثيق الوصفي للهجات الأمازيغية كما يظهر في بعض الأعمال. غير أن هذه الأعمال، رغم قيمتها الوثائقية، غالبا ما افتقرت إلى وعي نقدي بالسياقات السياسية والرمزية التي تنتظم فيها هذه الدراسات”.

وزاد: “مع بداية الألفية الثالثة، وإحداث مؤسسة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ودعمه لفعاليات المجتمع المدني وللجمعيات والمؤسسات التي تهتم بإنتاج المعرفة حول الأمازيغية وبها، وخصوصا بعد الاعتراف الدستوري بالأمازيغية في المغرب (2011)، انتقلت البحوث اللسانية من التوثيق إلى التنميط والمعيرة، مركزة على بناء نسق لغوي موحد من خلال استثمار واستضمار الفوارق اللهجية”.

وشدد على أن “الانتقال من إنتاج المعرفة ‘حول’ الأمازيغية إلى إنتاجها ‘بالأمازيغية’ يمثل تحولا إبستمولوجيا عميقا، تجاوز مجرد التمثيل إلى إعادة توزيع الفاعلية المعرفية. فبينما ظلت الأمازيغية لزمن طويل موضوعا للدرس والتصنيف والجمع والتوثيق باعتماد وسيط لغوي أكاديمي مهيمن كالفرنسية والإنجليزية، بذلت مجهودات من قبل المؤسسات الساهرة على الحفاظ على اللغة الأمازيغية وثقافتها وتنميتها وتطويرها”.

وشرح أن “اللغة الأمازيغية تنتمي إلى تقليد إنتاج المعرفة متعدد الأنظمة الكتابية، فإذا كان حرف تيفيناغ هو الخط الرسمي في المغرب منذ سنة 2003، فإن أنظمة كتابية أخرى-الآرامي واللاتيني-استخدمت كذلك في إنتاج وتناقل المعرفة بالأمازيغية وحولها. ومن ثم، فإن دراسة الإنتاج المكتوب ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار هذه التعددية التي تعكس في الآن نفسه الشروط التاريخية واختيارات الجماعات العلمية والثقافية”.

وذكر أن “المجال الفني والأدبي الإبداعي من المجالات التي راكمت معرفة هامة باللغة الأمازيغية في شقيها الشفهي والكتابي. غير أن هذا الطموح يصطدم بتحديات متعددة: أولها محدودية المصطلح العلمي والتقني بالأمازيغية، نظرا لحداثة ورش المعيرة والتخطيط اللساني؛ ثانيها محدودية المؤسسات المعنية بإنتاج وتدبير المعرفة بالأمازيغية كالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، إضافة إلى ندرة الموارد المادية والبشرية؛ وثالثها هيمنة نماذج التكوين الأكاديمي الناطقة بلغات أخرى. إضافة إلى ذلك، فإن غياب بنية نشر قوية باللغة الأمازيغية، وندرة الباحثين المتمكنين من الكتابة العلمية بها، يعمق الهوة بين الاعتراف الرمزي والقدرة الفعلية على التمكين المعرفي”.

وخلص بنعيسى يشو إلى أن “تتبع مسارات إنتاج المعرفة حول الأمازيغية وبها يكشف عن انتقال إبستمولوجي عميق من مرحلة أولى اتسمت بالوصف الإثنوغرافي الكولونيالي الذي اختزل الأمازيغية في التوصيف الثقافي للمجتمعات الأمازيغية في انفصال شبه تام عن سياقاتها التاريخية، إلى مرحلة ثانية ركزت على البعد الهوياتي حيث أصبحت الأمازيغية رمزا للنضال الثقافي والسياسي، وبعدها إلى مرحلة ثالثة نقدية-ما بعد كولونيالية أعادت مساءلة أدوات المعرفة السابقة، وصولا إلى المرحلة الراهنة التي تشهد بداية إنتاج معرفة بالأمازيغية نفسها، باعتبارها لغة علمية وأداة تحليلية وليست فقط موضوعا للدراسة”.

وشدد على أن “التحدي الأبرز هو العمل على تحويل الأمازيغية من موضوع معرفة إلى فاعل إبستيمي، وهو ما يتطلب تجاوز نماذج التمثيل الخارجي المتمثلة أساسا في الأطر المعرفية الأوروبية نحو نماذج نقدية قادرة على إعادة التمركز من داخل اللغة، واستثمار الفرص الهائلة التي تتيحها التكنولوجيات الحديثة، وباقي وسائل التواصل الاجتماعي، وكذا الذكاء الاصطناعي، مما سيمكن لا محالة المعرفة المنتجة حول الأمازيغية”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • مهزلة القرن
    الخميس 19 مارس 2026 - 04:15

    وماذا ستنفع المعرفة بالامازيغية. لهجة لا تغني من جوع. كفى من استغباء واستحمار المواطنين المغاربة

  • ملاحظة
    الخميس 19 مارس 2026 - 04:56

    المغاربة اذكياء جدا لذلك حتى يعرقلو ذكاءهم في التعليم تتم بداية المشوار الدراسي بالعربية تم ننتقل الى الفرنسية تم الانجليزيه و الان اللمازيغية ، سوف تضيع و قت كبير في الترجمة بدل استثماره في التفكير

  • موكاعي
    الخميس 19 مارس 2026 - 05:13

    اللغة الأمازيغية سيقع لها ماوقع للغة العربية الفصحى حتى ولو تم استثمار واستضمار الفوارق اللهجية وأصبح لدينا كتاب ومثقفون أمازيغيون يكتبون بها وبحروفها،أي أنها ستبقى حبيسة المدرسة والمؤسسات والكتب،أما التواصل اليومي فسيستمر باللهجات،شأنها في ذلك شأن اللغة العربية الفصحى مع الدارجة.

  • العروبي
    الخميس 19 مارس 2026 - 05:16

    لغة

    كان في قرية صغيرة تلاتة أخوة وتلاته أصدقاء
    قال الصغير اخي احكي لنا قصة
    قال الكبير
    كان في قرية صغيرة تلاتة أخوة وتلاته أصدقاء
    قال الصغير اخي احكي لناقصة
    قال الكبير
    كان في قرية صغيرة تلاتة أخوة وتلاته أصدقاء
    قال الصغير اخي احكي لنا قصة
    قال الكبير
    كان في قرية صغيرة تلاتة أخوة وتلاته أصدقاء
    قال الصغير اخي احكي لنا قصة
    وسيييييييير

  • Tanger 2026
    الخميس 19 مارس 2026 - 09:32

    التدخل رقم 3
    موكاعي

    أنت تقارن الشاحنة بالدراجة الهوائية مفشوشة العجلات
    أشمن لغة تقارن أنت مع العربية
    الريفية أو السوسية أو تمزيغت الأطلس المتوسط
    يتجاوز عدد الناطقين باللغة العربية حول العالم 550 مليون نسمة، حيث تعد اللغة الأم لنحو 550 مليون شخص، بينما يستخدمها ملايين آخرون كلغة ثانية. وتعتبر العربية من بين أكثر 5 لغات انتشاراً في العالم، وهي لغة رسمية في أكثر من 22 دولة.
    هل أنت في قواك العقلية
    تقارن اللغة العربية مع 3 لهجات مختلفة لا يفهمون بعضهم بعض .

  • رشيد41
    الخميس 19 مارس 2026 - 12:26

    ما تأتي به هذه الورقة البحثية إنما هو بدعة. وبما أن صاحب البحث لا يريد أن يكون ما تبشر به ورقته بدعة وأنه يريده أن يكون واقعا، فإنه لم ير بدا من صناعة بدعة أخرى لبدعته لتعقلها وتجسدها في الواقع. فصنع هكذا “روبوتا” أي عقلا آليا لبدعته. ومهما جعله فرحه باختراعه يحسب أمانيه واقعا وطال به هذا الشعور الزائف، فلا بد أن تأتي ساعة الإستيقاظ ويجد أن الكنز الذي وضع عليه يده في أضغاث أحلامه، وبالرغم من أنه حرص على ألا يتلاشى مع الإستيقاظ، وأنه يعلم في قرارة نومه أنه مجرد حلم فخلق من داخل حلمه “روبوتا” يعقل به كنزه ليخرجه سالما إلى الوجود، لم يعد له من وجود فالصباح، بعد أن استأثر بوجوده واستمتع به طوال الحلم المباح. فكيف للغة “روبوتية” تشتغل بأوامر وطلبات صانعها أن تنتج للناس المعرفة؟

  • رباطي عربي
    الخميس 19 مارس 2026 - 13:29

    كضحكو على الوقت لهجة جبتوها من اليمن العربي واه جرة قلم لا تعني ان لهجة اصبحت لغة ولي بغا هذ الطلاميس اعلمها لولادو وقيلو علينا ولادنا ره الواحد تيموت يا على بلادو يا على ولادو

  • Axel
    الخميس 19 مارس 2026 - 14:07

    التعليقات التي تحاول تبسيط الموضوع أو تحويله إلى صراع إيديولوجي تتجاهل مضمون المقال نفسه. الدراسة أكاديمية، منشورة في مجلة علمية محكّمة، ولا تتحدث عن “إقصاء” أو “تهديد” أي لغة، بل عن تحولات معرفية طبيعية في البحث العلمي، كما حدث مع لغات كثيرة في العالم.
    إنتاج المعرفة بلغات متعددة داخل بلد واحد لا يتعارض مع الوحدة، بل يعكس غنى ثقافيا وتاريخيا موثقا. المقال يصف واقعا بحثيا مدعوما بمؤسسات رسمية وباعتراف دستوري، ولا يفرض مواقف سياسية أو هوياتية على أحد.
    من يريد مناقشة الموضوع بجدية، فليناقش المعطيات والمنهج، لا النوايا ولا التخوفات غير المؤسسة علميا.

  • nour
    الجمعة 20 مارس 2026 - 09:22

    موكاعي هههههه مشكبتك اللغة العربية عندك مرض نفسي اسمه العربية من سرقة كلماتها في الدارجة الى التنقيص منها و هل الامازيغة تقارن بلغة كتاب كريم و لغة عظيييمة قديمة بليغة فصيحة تقارنها بلغة معيارية خرجت من مختبر بدوم معجم .

  • Tanger 2026
    الإثنين 23 مارس 2026 - 09:10

    اللغة العربية هي من نقلت الحضارة لأوروبة
    صحيح، لعبت اللغة العربية دوراً محورياً في نقل العلوم والمعارف و الحضارة إلى أوروبا خلال العصور الوسطى، حيث كانت لغة العلم الأولى عالمياً لقرون. بفضل ترجمة المخطوطات العربية في الأرقام ، الطب، الرياضيات، الفلك، والفلسفة و التجارة وعلوم الإجتماع إلى اللاتينية، استطاعت أوروبا الخروج من “عصور الظلام والتخلف و الأوساخ ” والنهوض حضارياً وعلمياً، لتصبح جسراً معرفياً بين الشرق والغرب.
    أبرز نقاط تأثير اللغة العربية في نهضة أوروبا:
    لغة العلوم والمعرفة: كانت العربية لغة البحث العلمي والطب والهندسة لقرون، حيث قُصدت بغداد وقرطبة من قبل الدارسين الأوروبيين.
    شرعت الجامعات الأوروبية في عصر النهضة بترجمة التراث العلمي العربي من العربية إلى اللاتينية، مما نقل لهم معارف الرياضيات الطب الهندسة الفلك و علم الإجتماع
    جميع العلوم والفلسفة حفظت العربية علوم القديمة وطورتها، ونقلت معارف أصيلة في الجبر، الكيمياء، والطب، وكانت مراجع مثل “القانون في الطب” لابن سينا تدرس في أوروبا.
    المصطلحات العلمية أثرت العربية في اللغات الأوروبية بآلاف المصطلحات العلمية.

صوت وصورة
استكمال هياكل مجلس النواب
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 18:51

استكمال هياكل مجلس النواب

صوت وصورة
المحافظة العقارية .. خدمات رقمية مبسطة
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 18:00 1

المحافظة العقارية .. خدمات رقمية مبسطة

صوت وصورة
خصاص المرافق بسلا
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 17:06 1

خصاص المرافق بسلا

صوت وصورة
السفير اليمني والموقف المغربي
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 15:57

السفير اليمني والموقف المغربي

صوت وصورة
تعبئة دولية لتطوير السكك الحديدية
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 13:00

تعبئة دولية لتطوير السكك الحديدية

صوت وصورة
المغاربة يترقبون الحلول
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 11:16 9

المغاربة يترقبون الحلول