"دّا محمد الشافعي" .. رجل كشفت قطرات المطر صورته على الجدار

"دّا محمد الشافعي" .. رجل كشفت قطرات المطر صورته على الجدار
الإثنين 9 نونبر 2020 - 02:00

منذ خمس سنوات، جاء رسام يحمل جنسية أمريكية إلى المغرب بغرض السياحة والاستجمام واكتشاف الأمكنة، ثم قادته ظروف ما ليقضي أياما في أسليم نواحي أكذز بإقليم زاكورة بإحدى القصبات التاريخية التي تتميز بها المنطقة والتي لا تزال تشهد على حقبة تاريخية يحكم فيها القياد المحليون بظهائر سلطانية، قبل أن تأتي فرنسا وتخلط جميع الأوراق.

قصبات بهندستها الجميلة وسط حقول النخيل، تَحوّل كثير منها إلى مؤسسات سياحية لتقديم خدمات المأوى والمبيت لكل سائح يحتاج الهدوء والسكينة والجو النقي والطعام الصحي أوصدت كورونا على أصحابها وعمالها أبواب الرزق في انتظار الفرج.

أُعجبَ الرسام الأمريكي بالمكان، وكثيرا ما خرج يفكر في عمل ينجزه في هذا الفضاء عربون محبة وتخليدا لذكرى مروره بقصبة تحمل اسم “الفنون” وبجانبها قصبة “القايد علي”، وقصبة “أزول”.

دقيق المواعيد

وهو يتجوّل في الدوار كثيرا ما صادف شيخا اقترب من التسعين سنة، يحتفظ بأناقته ورشاقته، بساعة يدوية في المعصم، وبذلة مكوية بعناية وربطة عنق وملابس نظيفة. يتمشى بلا عكاز، يتصل بمن شاء بأصدقائه هاتفيا دون مساعدة أحد، يقرأ الرسائل ويرد عليها، في الوقت الذي يحمل فيه بعض أقرانه بل من في عمر أولاده تلك الأظرفة التي تصلهم إلى فقيه الدوار ليفك طلاسمها.

يحرص على مواعيد الصلاة في وقتها، يخصص يوم الجمعة للقرآن والصلاة فلا يكلم إنسيا، يأكل وجبة الغذاء يوميا في الواحدة زوالا، والجميع يعرفون أن للرجل مواعيد دقيقة في الأكل اعتاد عليها واستمر في ذلك وهو يغلق التسعة عقود من عمره.

لم يكن هذا فقط ما يميز سي محمد الشافعي، فقد كان أول من زينت ساعة يدوية معصم يده من أبناء المنطقة بحسب ما يحكيه أقرباؤه؛ بل أول من أدخل المذياع نواحي أكذز واستمع للأخبار عبره نهاية الأربعينيات، حتى أنه في إحدى تلك السنوات الفائتة علم من خلال الراديو ثبوت رؤية هلال عيد الفطر وطلب من أهله أن يعدّوا فطور الصباح والاستعداد لصلاة العيد، ليصطدم أن الناس لم تصدقه، على الرغم من أنه كان شخصا ملتزما ولم يعرف عنه الكذب؛ لكن سكان دواره أصروا أن يتمموا ثلاثين يوما من الصيام ما لم تثبت “رؤية الهلال” محليا أو يأتي رقاص من المخزن.

عيد فطر استثنائي

“لقد سمعتُ في الراديو أن عيد الفطر هو اليوم في كل ربوع المغرب” يحاول سي محمد الشافعي إقناع قومه بأن يحتفلوا معه بعيد الفطر، ويكسروا صيامهم الذي لم يعد جائزا؛ وهو الذي تناول للتو وجبة الفطور وخرج ليصلي صلاة العيد، وبدأ يُنظر إليه كالأحمق! حتى أن رجلا قال له وقتها بأمازيغية المنطقة:

“نحن لا نصوم ونفطر باتباع إِمْسْمَارْنْ”، وهو يقصد المذياع. ولما كَلّ من إقناعهم ولج بيته يشرب شايه والناس صيامُ، ويستمع إلى ما تبثه الإذاعة في ذلك الوقت بمناسبة عيد الفطر المبارك.

مع ذلك فقد وصل رقّاص من مخزن ورزازات إلى أكذز قرابة العاشرة ونيف، وتوصلت القرية والقرى المجاورة قُبيل الزوال بخبر مفاده إن اليوم يوم عيد فعلا، والصوم بعد إعلان المخزن للعيد حرام.

يقول الشيوخ الذين عاصروا الحادث إن هناك دواوير بالمنطقة لم تعلم بالعيد حتى أذان الظهر أو بعده، وعرفت تلك السنة لدى الكثير من الظرفاء بـ”السنة التي صُمنا فيها 29 يوما ونصف اليوم”؛ لكن الجيران وثقوا بعد ذلك في سي محمد الشافعي، وتيقنوا أن الرجل لا يتحدث من فراغ.

حقل مقابل “كاسيط”

طلب الرسام الأمريكي من دّا الشافعي أن يسمح له بالتقاط صور ليرسم له بورتريها، وأغلب الظن أن الشيخ لم يكن يعرف أن الأمريكي سوف يرسمه على جدار في طريق عمومية، يعبر منه القرويون راجلين أو راكبين سياراتهم أو دوابهم في اتجاه مركز أكذز، فلم يعترض على ذلك؛ فقد سبق للكثير من الباحثين في التاريخ أن زاروه وسجلوا شهاداته حول مختلف الأحداث المحلية التي عاصرها وهو الذي ولد سنة 1928.

وإن كان شخصا متدينا حريصا على الصلوات ويحفظ القرآن، فهو كذلك كان من عشاق سيدة الطرب أم كلثوم، وحرص على شراء كل أغانيها وأسطواناتها، وجميع سهراتها في مصر والدول التي كانت “الست” تزورها.

“ذات يوم، جاء رجل إلى سّي الشافعي وأخبره أنه يملك شريطا نادرا لأم كلثوم؛ كان سي الشافعي يمتلك جميع أشرطة السيدة، باستثناء ذلك الشريط الذي جلبه هذا الرجل من سفره، فأخذه منه مقابل حقل به نخيل وصنوف أشجار”، يحكي م. أ، قريب سي الشافعي. ثم يضيف: “كان مولعا بسيدة الطرب، وعندما أعطاه ذلك الحقل مقابل الشريط، فقد فعل ذلك لحبه لأم كلثوم أولا وولعه بصوتها وموسيقاها وتقديرا لقيمة ذلك الشريط النادر، ثم إن الرجل كان يملك حقولا كثيرة جدا، لكونه وريث وحيد لقائد كبير في المنطقة قبل الاستعمار الفرنسي”.

دا الشافعي ابن القايد محمد بن عبد الرحمان المزكيطي توفي والده القايد وهو صغير، وترك له أملاكا كثيرة عبارة عن عقارات وأراض وحقول، وحدهم الذين عاصروه يحكون عن أنه إلى حدود السبعينيات تبقى لديه 46 خمّاسا، يشتغلون في حقوله، وقد مَلّك هذه الحقول للكثير منهم بمبالغ زهيدة.

رسم على الجدار

أتمم الرسام پورتريه دّا الشافعي على الجدار، ونادى عليه ليرى ذلك العمل الذي اشتغل عليه لأيام طويلة، لم يكن دّا الشافعي مسرورا بذلك، ليس لأن الرسمة لم تكن جيدة، ولا لأنها لا تحاكي ملامحه بشكل دقيق، فقد أبدع فيها ذلك الفنان واستطاع فعلا أن ينقل ملامحه على حائط أصم، لكن لأنه لم يرغب أصلا أن تُرسم صورته على هذا الحائط، ربما لاعتبارات دينية أو غير ذلك؛ فقد أَسَرّ لأحد مُقربيه: “منذ أن رأيت صورتي على الجدار وأنا لا أنام نهائيا”. مع ذلك فقد عبر الشيخ التسعيني عن شكره وامتنانه مجاملة لذلك الرسام الذي ضحى بوقته وإبداعه واختار أن يرسمه هو دون غيره.

لكن ما إن تأكد الشيخ أن الأمريكي أخد مقعده في الطائرة التي ستقله إلى واشنطن، حتى نادى على أحد العمال البسطاء وكلفه بتبليط كل ذلك الحائط بالطين والتبن، لتختفي صورته على الحائط!

شهورا بعد ذلك، مرض دّا الشافعي، ونقله أولاده إلى الرباط حيث يقيمون، أياما بعدها توفي عن سن يناهز 88 سنة، وكان ذلك يوم 3 يوليوز 2016.

مضت سنوات والتراب يخفي جسد الرجل التحفة، والطين يحجب وجهه على حائط القصبة حيث رسمه السائح الأمريكي، إلى أن هطلت الأمطار الأخيرة.. كانت القطرات ترتطم بقوة على الحائط، وكأنها تتسابق لتكشف صورة الرجل على الجدار وتخلد سيرته بعد نسيان.

والد فؤاد أيت القايد

لم يكن دّا الشافعي سوى والد الإذاعي الشهير فؤاد أيت القايد، الذي اختفى في ظروف غامضة منذ عشرين سنة ولم يظهر له أثر. وقد سبق لهذا الإذاعي أن قال، في حوار مكتوب، إن “أبي هو مدرستي الأولى”.

دّا الشافعي طرق أبوابا كثيرة في حياته ليعرف مصير ابنه المسمى في الوثائق الرسمية “فؤاد أحمد أيت القايد”، الحامل للبطاقة الوطنية رقم B166724 وجواز سفر مغربي رقم 685874 والمزداد سنة 1957 من والدته حفيظة بنت علي ووالده محمد الشافعي أيت القايد.

غادر المغرب سنة 1998 نحو ليبيا، ثم قيل بأنه غادر ليبيا في سنة 2000، وسبق له أن راسل جهات كثيرة بالمغرب لمعرفة مصير ابنه إلى أن وُري الثرى دون معرفة أي جديد في يوليوز 2016، ونسي الجميع القصة، إلى أن جاءت الأمطار الأخيرة وكشفت صورة الوالد على الجدار، فأعادت الحديث مجددا عن قصة الوالد وما ولد.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • Miracle Subhanallah
    الإثنين 9 نونبر 2020 - 03:02

    يالها من معجزة عجيبة سبحان الله العظيم

  • Samir
    الإثنين 9 نونبر 2020 - 03:24

    موضوع في منتهى الجمال حبدا لو تكلمتم عن مغاربة مثل هاد الرجل رحمه الله.

  • الغزوانية
    الإثنين 9 نونبر 2020 - 05:59

    قصة جميلة لشخصية رفيعة المستوى و عالية الهمة رغم جهل جل المغاربة بها ما عاد أبناء المنطقة.

  • يوغرطة
    الإثنين 9 نونبر 2020 - 06:15

    قصة طريفة ورائعة يجب إبلاغها للرسام الأمريكي عن طريق عنوانه الوارد في جواز سفره الذي أدلى به للمأوى السياحي الذي كان ينزل فيه. وإبلاغها كذالك الى الإعلام الأمريكي عن طريق السفارة الأمريكية. والأهم الحفاظ على الصورة. فقد تتحول الى مزار سياحي لعشاق الفن والرسم.

  • otman otmani
    الإثنين 9 نونبر 2020 - 07:00

    مقال جميل؛ رحم الله دا الشافعي

  • محمد
    الإثنين 9 نونبر 2020 - 07:25

    قصة جميلة من الواقع تستحق النشر.

  • aziz
    الإثنين 9 نونبر 2020 - 07:36

    قصة رائعة،روعتها من حقيقتها و شبهها في نفس الوقت بأفلام هولييود ،لو كاان لنا كتاب في مستوى هذه الصناعة السينيمائية لأخرجوا للوجود تحفة فنية كما تلك الصورة على الجدار……

  • dino
    الإثنين 9 نونبر 2020 - 07:47

    Bravo. article intéressant. Bravo à son auteur…

  • Moha
    الإثنين 9 نونبر 2020 - 09:04

    A great story to be made into a film. Morocco and its native people in their splendide simplicity

  • yael
    الإثنين 9 نونبر 2020 - 09:05

    سلام الله ورحم الله سي الشافعي
    منذ مدة وانا أتابع هسبريس بشغف تارة اكتب تعليقا على حدث وينشر وأخرى لايسمح بنشره، وليس هذا هو الموضوع.
    لكن وبصدق اول مرة أقرأ موضوعا يحرك بداخلي هواجس كثيرة ويرحل بي الى عوالم متعددة وانا في غرفتي اراقب الفضاء عن بعد…
    ما السر في ان الأمطار في هذا الوقت بالذات أرادت وهي مسيرة ان تزيل الطلاء عن قصة هذا الرجل…
    وتكشف لنا قصته مع الدين، مع الفن، مع تاريخه مع الحياة ولكن أكثر عن قصة إبنه الذي مات وهو لا يعلم مصيره…
    بمقدوري انا وانت أيها القاريء ان نخمن بأشياء وأقلها التلذذ بالنص وما احتوى.
    لكن استنتجت فقط شيءا واحدا، استنتاج بالقلب وليس بالعقل أنه جاءنا ليخبرنا ويخبر كل من وصلته قصته بدءا بسكان المنطقة مرورا بنا نحن…واقول المسؤولية اليوم هي مسؤولية هسبريس وانا اقدرها ان تلتزم ونحن متابعيها معا الى الكشف عن ملابسة اختفاء ابنه
    سي الشافعي ان أطل علينا اليوم على الجدار فهو ليساءلنا عن إبنه
    فما تقولون!!
    شكرا هسبريس على النشر ومعذرة

  • متتبع
    الإثنين 9 نونبر 2020 - 09:21

    أظن أن إبنه المذكور في المقال (فؤاد آيت القايد) هوالإذاعي ذو الصوت الشجي الذي كان يقدم برنامج سمير الليل والله أعلم…

  • Hamid
    الإثنين 9 نونبر 2020 - 12:30

    une histoire magnifique. Chapeau bas à l'écrivain et à sa belle façon de relater les faits

  • أين ابني
    الإثنين 9 نونبر 2020 - 13:21

    لسان الحال يقول:
    .
    .
    .
    أين ابني

  • سعيدة
    الإثنين 9 نونبر 2020 - 16:09

    سبحان الله نشكر المطر الذي أظهر الصورة حتي نتعرف على صاحبها ونشكر الكاتب الذي قرب لنا شخصية صاحب الصورة بأسلوب رائع وتسلسل مشوق في الأحداث …

  • موسى أبونوح
    الإثنين 9 نونبر 2020 - 17:15

    كنت أظنه مجرد خبر كباقي أخبار الجرائد الإلكترونية ، لكن السرد الجميل لفصول قصة دا الشافعي جعلني أقرأ المقال ثم أعيده ، و تفاجأت أنني أعرف ابن الرجل من خلال استماعي للمذياع في طفولتي ، و تفاجأت أيضا حين عدت من باب الفضول لأعرف إسم الكاتب فاكتشفت أنه صديقي ميمون أم العيد..

  • لم أعد مهتما
    الإثنين 9 نونبر 2020 - 19:48

    تحية خالصة للناس ديال أكدز و زاكورة و النواحي. كثير منهم أناس يهاجرون إلى المدن من أجل لقمة العيش لا يرون أبناءهم سوى بمناسبات عيد الأضحى و الفطر و المولد النبوي. إنهم رجال مكافحون بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
    كثير منهم يشتغلون في أوراش البناء و ما أدراك ما أوراش البناء تماااااااااارة

  • Une Histoir
    الثلاثاء 10 نونبر 2020 - 20:03

    هناك…هناك. من لم يقرأ كتابا في حياته..وتجد ه يتسابق ليقول اي شيئ…دون مراعات. قصة جميلة …قصة رائعة.. Magnefique histoir. الى آخره دون احترام اوتقدير. ما عاناه هذا الرجل. حتى اخر تنفس له…وحزنه الشديد على فقدان ابنه …جمال لصورة الرسام . الامريكي….لا يحجب عن النفوس والاعين ماساتة.هذا الوالد المكلوم ….وكأننا فقدنا بوصلة كل شيئ….

  • مريمرين
    الأربعاء 11 نونبر 2020 - 00:57

    التاريخ يذكر الرجال ويلعن الأنذال.
    حبذا لو نقدم لأطفالنا أمثال هذه الوقائع في كتبهم المدرسية ؛ ففيها تربية و سمو بالذوق السليم من صميم الواقع .

صوت وصورة
''كونيكت'' تدعم المقاولات الصغرى
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 13:46

''كونيكت'' تدعم المقاولات الصغرى

صوت وصورة
تقرير النزاهة والوقاية من الرشوة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 13:05 4

تقرير النزاهة والوقاية من الرشوة

صوت وصورة
فنون خليجية بمعرض الجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 09:24

فنون خليجية بمعرض الجديدة

صوت وصورة
جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 00:10 3

جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين

صوت وصورة
صناع يتألقون في معرض الفرس
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:37

صناع يتألقون في معرض الفرس

صوت وصورة
سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 21:27

سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر